
من الملاحظ في سياق المواجهة الإيرانية الحالية أن إطلاق الصواريخ يتم غالبًا خلال ساعات الليل، وإن لم يكن ذلك يشمل جميع الضربات. ويذهب البعض إلى تفسير هذا النمط بأن الليل يجعل الصواريخ “غير مرئية” للرادارات والأقمار الصناعية، إلا أن هذا الاعتقاد دقيق جزئيًا فقط.
في الواقع، لا ينطبق هذا الأمر إلا على الأقمار الصناعية البصرية التي تعتمد على التقاط الصور، بينما توجد منظومات أكثر تطورًا مثل الأقمار الصناعية الرادارية وتلك العاملة بالأشعة تحت الحمراء، والتي لا تتأثر بالليل أو النهار. فالصاروخ الباليستي يخلّف بصمة حرارية قوية جدًا نتيجة عادم المحرك، ما يتيح رصده مبكرًا عبر أنظمة الإنذار المبكر، كما تستطيع بعض الرادارات المتقدمة تتبعه في مراحل مبكرة من مساره.
أسباب عملياتية.. الحركة والتمويه
الأرجح أن إطلاق الصواريخ ليلًا يرتبط بجملة من العوامل العملية. فالتحضير والنقل والتمويه تكون أسهل نسبيًا في الظلام، خاصة إذا كانت بعض المنظومات تحتاج إلى وقت للتجهيز أو التزود بالوقود. ويقلل ذلك من فرص رصد منصات الإطلاق وفرق التشغيل بصريًا أو استهدافها فورًا من الجو.
وتبرز أهمية هذا العامل في الحالة الإيرانية تحديدًا، حيث تعتمد طهران على منصات إطلاق متحركة، ما يجعل الاستفادة من الظلام عاملًا مساعدًا على المناورة وتقليل قابلية الكشف.
العامل البشري.. إرهاق واستنزاف
إلى جانب الاعتبارات التقنية، يلعب العامل البشري دورًا مهمًا. إذ يُرجح أن يكون مشغلو الدفاع الجوي والقادة وفنيو الرادار والجنود عمومًا أكثر عرضة للإرهاق وتراجع التركيز خلال ساعات الليل، خاصة بعد يوم طويل من التأهب أو الاشتباك.
ويعوّل الطرف المهاجم على أن هذا الإنهاك قد يبطئ عملية اتخاذ القرار الدفاعي، ويرفع احتمال وقوع أخطاء في الرصد أو الاعتراض. وتزداد أهمية هذا العامل نظرًا لأن الاستجابة العملياتية لمنظومات الدفاع الجوي معقدة، وتعتمد على سلسلة دقيقة من القرارات المتتابعة.
كما أن تكرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يفرض حالة استنفار شبه دائم على الدفاعات الجوية، ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الجاهزية البشرية والعملياتية، حتى وإن ظلت الأنظمة تعمل بكفاءة تقنية عالية.
البعد النفسي.. تأثير مضاعف في الظلام
يُعد العامل النفسي من أبرز أسباب اختيار توقيت الليل. فصفارات الإنذار، والاندفاع نحو الملاجئ، وصعوبة إدراك ما يجري بالعين المجردة، جميعها تكون أكثر تأثيرًا خلال ساعات النوم.
ويُضاعف الظلام مشاعر الخوف والارتباك، ويدفع السكان إلى حالة من القلق والترقب، ما يجعل الأثر النفسي للهجوم أحيانًا يفوق أثره المادي. ومع تكرار هذا النمط، يتزايد الضغط النفسي على المجتمع، وقد ينعكس ذلك على الروح المعنوية والثقة بالقيادة.
البعد الإعلامي.. صورة أكثر درامية
لا يخلو الأمر أيضًا من بعد إعلامي. فالصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي التي تتعامل معها في السماء ليلًا تكون أكثر وضوحًا للعين والكاميرات، ما ينتج مشاهد بصرية قوية تُظهر أن الأجواء ما تزال مشتعلة.
وفي المقابل، قد لا تكون هذه المشاهد بنفس الوضوح خلال النهار، حيث تقل قدرة العين والكاميرات على تتبع مسارات الصواريخ، ما يجعل الصورة أقل درامية. ويأتي ذلك في إطار توظيف الصورة ضمن سياق أوسع من الحرب النفسية.
خلاصة
إطلاق الصواريخ ليلًا لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عوامل عملياتية وبشرية ونفسية وإعلامية. وبينما لا يشكل الظلام عائقًا تقنيًا أمام وسائل الرصد الحديثة، فإنه يوفر مزايا تكتيكية ويعزز الأثر النفسي، ما يجعله خيارًا مفضلًا في كثير من الحالات.
