شاب غزاوي ينشر مقاطع صُورت له مع رفاقه على متن شاحنة مكدسة بالأطعمة والأغذية الطازجة، في الوقت الذي تدور فيه رحى الحرب ويتضور أهالي غزة جوعًا.


بدا الشباب مطمئنين آمنين، كأن لا حربَ، ولا مجاعة. كان ذلك مثيرًا للانتباه والتساؤل؛ فمن هؤلاء الشباب؟ وكيف يتحصلون على الغذاء بتلك الوفرة بينما القطاع جائع؟ وكيف يتحركون بحرية وأمان وغزة تحت القصف؟
دفعت تلك التساؤلات فريق “إيكاد” للبحث خلفهم، في محاولة للحصول على إجابة. وبعد تحقيق رقمي مطول، وجدناها عند “أبو شباب”.
يتبع هؤلاء ما يسمى بـ “القوات الشعبية” في غزة، التي يقودها ياسر أبو شباب، المتهم رسميًا من قبل حركة حماس بـ “الخيانة”، في حين أعلن هو بدوره على إحدى القنوات الإسرائيلية ما وصفه بـ “الحرب الأهلية المفتوحة ضد حماس”.

قادنا التحقيق إلى الكشف عن شبكة تضم عددًا من أبرز قيادات هذه الميليشيا، وكذلك تحديد هويات بعض منتسبيها الضالعين في نهب المساعدات الإنسانية الواردة إلى قطاع غزة.
الصف القيادي الأول في ميليشيا “أبو شباب”
اعتمدت خطة التحقيق لدينا على تحليل حسابات التواصل الاجتماعي للشخصيات القيادية المعروفة في ميليشيا “القوات الشعبية”.
وكما ذكرنا أعلاه، يتزعم الميليشيا أبو شباب، الذي هرب من سجون غزة إثر اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث كان مسجونًا على خلفية اتهامات جنائية بتهريب المخدرات والأسلحة .

ويليه في القيادة غسان الدهيني، الذي كان في السابق قياديًا في مجموعة فلسطينية تحالفت مع تنظيم داعش في محافظة سيناء المصرية، تسمى “جيش الإسلام”.
ومثل قائده، خرج الدهيني من السجن بعد اندلاع الحرب، ويعرف نفسه الآن بأنه نائب رئيس ما يسمى بـ “القوات الشعبية”.

ومن خلال البحث على وسائل التواصل الاجتماعي، وجدنا حسابًا نشطًا لأبو شباب، وثلاثة للدهيني؛ منهم اثنان على فيسبوك، وثالث على منصة “تيك توك”.




كانت تلك الحسابات الأربعة نقطة البداية التي أوصلت فريق “إيكاد” إلى شبكة من أبرز قيادات الميليشيا والمنتسبين لها.

عصام النباهين
ففي الثامن من يونيو/ حزيران 2025، نشر الدهيني، في حسابه على “تيكتوك”، صورة برفقة أحد الأشخاص. وفي التعليقات ذُكر أن اسمه عصام النباهين.

يعد الشاب الثلاثيني أحد أبرز قيادات الميليشيا المسلحة، إلى جانب أبو شباب والدهيني.
وبعد بحث، تبين أن النباهين سبق له القتال في صفوف داعش بسيناء ضد الجيش المصري، وعاد إلى غزة قبيل بدء الحرب الأخيرة في القطاع. ومثل سابقيْه، فر النباهين من أحد سجون غزة في اليوم الأول من الحرب.

وبعد نشر الدهيني لصورته بأيام قلائل، وردت أنباء تفيد القبض عليه من قبل أجهزة الأمن في غزة، وليس معروفًا -حتى الآن- مصيره النهائي .

قيادات الصف الثاني:
وبعد تتبع شخصيات الصف القيادي الأول، وسع فريق “إيكاد” دائرة البحث لتشمل عناصر أخرى من المجموعة.
وهو ما قادنا إلى بعض الشخصيات المقربة من الصف الأول، والتي يرجح أنها بمثابة قيادات وسطى في الميليشيا المسلحة.
صدام أبو زكار:
ومن خلال تتبعنا لحساب غسان الدهيني، رصد الفريق نشره لصورة تجمعه مع شخص يُدعى ” صدام ماجد أبو زكار”.

وبعد البحث عنه في منصتي فيسبوك وتيك توك، اللتين تنشط بهما شبكة “أبو شباب” ومؤيديه، وجدنا حسابًا مجهولًا نشر صورة لصدام وشقيقه، واصفًا إياهما بـ “شهداء الشوكة”.

و”الشوكة” قرية تقع شرقي رفح، جنوب قطاع غزة. وهي ذات المناطق التي تنشط فيها ميليشيات أبو شباب .

ومنذ عدة أيام، نشر ذات الحساب صورة لصدام، مجتزأة من ذات الصورة التي نشرها الدهيني، ويترحم فيها عليه.

بكر الوقيلي
وبينما نواصل رصد نشاط الدهيني على منصات التواصل الاجتماعي، وجدنا تعليقا له، في مارس/ آذار 2025، على صورة لأحد المسلحين، وكان ملثم الوجه، ناداه فيه بـ “ما غيره”.

وبعد نحو شهرين، نشر ذات الحساب صورة لشخص مكشوف الوجه، يرتدي ملابس عسكرية.

وبعد فحصنا لحساب ” فاقد الغالي “، الذي نشر الصورتين، رصدنا ترابطًا بينه وبين حسابين آخرين، هما: ” بكر ما غيره “، و”بكر ما غيره الحساب البديل”، اللذين وجدنا أن لهما ارتباطًا بحساب آخر يُدعى ” بكر الوقيلي ما غيره “.
وفي الحساب الأخير، وجدنا صورة لنفس الشخص المنشورة صورته أعلاه. ما يعني أن الحسابات الأربع تعود إلى ذات الشخص؛ وهو “بكر الوقيلي”.


وقد ظهرت للوقيلي صور متعددة وهو يرتدي جعبة سلاح مشابهة لتلك التي يرتديها الدهيني.

يوسف أبو ناصر
وبتتبع نشاط الوقيلي على منصات التواصل الاجتماعي، وجدنا صورة له برفقة ” يوسف أبو ناصر ” وهما يرفعان السلاح.

وبتحليل الصور التي نشرها الأخير، ومقارنتها مع صور الدهيني المنتشرة، يتضح أن “أبو ناصر” يرتدي ذات الجعبة العسكرية المتطورة الشبيهة بخاصتيْ الدهيني والوقيلي، وكذلك نفس الخوذة التي يرتديانها.
وبمواصلة تتبع حساب “أبو ناصر” وتحليل محتواه، رجح الفريق أنه أيضًا ضمن الشبكة المقربة للصف الأول.
طارق أبو حسن
أما طارق، فقد دأب على نشر صور لأصدقائه التابعين لميليشيا “أبو شباب”، مترحمًا عليهم بعد قتلهم، كما أنه ينشط في نشر “قصص – Stories” على حسابه في فيسبوك، تظهر في بعضها صورًا لمسلحين يعتلون شاحنات المساعدات.

وخلال التحقيق، رصد الفريق أحد الحسابات الداعمة لميليشيا “القوات الشعبية” تنشر صورة لبكر الوقيلي إلى جانب شخص أُخفي جزء من وجهه، رجحنا -من خلال تحليل الصور ومقارنتها- أنه ذاته “طارق أبو حسن”.

أبو حسن الترباني
أما الترباني، فقد ظهر لنا لأول مرة -مسلحًا- في إحدى “القصص” على حساب “طارق أبو حسن”، ما يعني ضلوعه في نشاطات ميليشيا “أبو شباب”.
كما أنه نشر مقطع فيديو يجمعه بغسان الدهيني داخل إحدى المركبات، في سبتمبر/ أيلول 2024.

لكن رصدنا نعي َ عدد من أصدقائه له، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وهو ما يؤكد أنه قُتل.

الصف الثالث في الميليشيا
وتحت قيادة هذه المجموعة، رصدنا أفرادًا آخرين ينتسبون للشبكة، أقل قربًا من الصف الأول، لكنهم منخرطون بقوة في عمليات السطو على المساعدات الإنسانية.
فعلى سبيل المثال، ينشط نمر أبو الحصين على منصة “تيك توك”، ويمتلئ حسابه بالمقاطع والصور التي يوثق من خلالها مشاركته في عمليات “نقل المساعدات” إلى مواقع الميليشيات المسلحة.

والملاحظ أن جميع الفيديوهات المتعلقة بنقل المساعدات نُشرت في حسابه قبل الهدنة التي بدأت في 19 يناير/ كانون الثاني 2025، قبل أن تتعثر مرة أخرى في مارس/ آذار من ذات العام.
فضلًا عن أنها صُورت في مناطق ينشط فيها الاحتلال، مثل “محور فيلادلفيا”، ما يشير إلى وجود تعاون بين ميليشيا أبو شباب وقوات الاحتلال.



وفي الوقت الذي استؤنف فيه العدوان على قطاع غزة، وأُجبر الغزيون على مغادرة أقصى الجنوب نحو خانيوس، كان عبود أبو الحصين ينشر مقاطع مسجلة يظهر فيها مشاركته بـ “عمليات تأمين المساعدات” المعلنة.


كما أنه نشر صورًا ومقاطع تجمعه مع بعض المقربين من قيادة ما يسمى بـ “القوات الشعبية”، من بينهم ” بكر الوقيلي ” و” يوسف أبو ناصر “.


وكان من بين الشبكة المرصودة أيضًا كل من كريم أبو الحصين و أبو أنيس .


وهما كذلك ضالعان في نهب المساعدات بقوة السلاح في المناطق التي ينشط بقربها الاحتلال.


إذن تمكن فريق “إيكاد” -عبر هذا التحقيق- من الكشف عن هوية مجموعة من أبرز قياديي ميليشيا “أبو شباب” ومنتسبيها.
لكن الهوية وحدها غير كافية لإدراك حقيقة الدور المنوط بهذه المجموعة. ولذا، واصل الفريق تتبع الشبكة، مستهدفًا تحديد مناطق تواجدها ونفوذها داخل القطاع.
أين تتحرك ميليشيات أبو شباب؟
وكانت نقطة الانطلاق من المسار الذي حدده بعض تجار غزة، وتحديدًا على طول الطريق الخارج من معبر “كرم أبو سالم”، المسيطَر عليه من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
حيث تحدثوا للـ “واشنطن بوست” عن وجود سواتر ترابية تظهر على مدى الطريق، يستتر خلفها أفراد ميليشيا “أبو شباب”، يترقبون مرور شاحنات المساعدات بغية الهجوم عليها والسيطرة على ما فيها.
وبالفعل، رصد فريق التحقيقات -عبر صور ملتقطة بالأقمار الصناعية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تلك السواتر على طول الطريق المذكور، وتظهر فيه شاحنات المساعدات المتجهة إلى داخل القطاع، مما يؤكد رواية التجار عن ميليشيات “أبو شباب” وممارساتهم تجاه قوافل الإغاثة في تلك المنطقة شرق رفح.


يتوافق ذلك مع حديث السيد سام روز، مدير شؤون وكالة الأونروا في قطاع غزة، عن عمليات نهب كبيرة للمساعدات تحدث في المنطقة الواقعة بين معبر كرم أبو سالم وخانيونس، والتي أطلق عليها اسم “وادي اللصوص”.

لكن يبدو أن “أبو شباب” يواصل مساره رغم الانتقادات، ففي أوائل يونيو/ حزيران 2025، أصدر قائد الميليشيا بيانًا صوتيًا دعا فيه سكان مناطق شرق رفح إلى العودة من مواقع النزوح، معلنًا إقامة مخيمات إيواء وفتح طرق الإغاثة الإنسانية، إضافة إلى توفير الطعام والشراب والمأوى والأمن والسلامة.

رافق البيانَ الصوتي لقطاتٌ لمخيم الإيواء الذي يُدعى إليه سكان رفح.. فأين يقع هذا المخيم بالتحديد؟
بعد تحليل المعالم الظاهرة في تلك اللقطات، حدد فريق “إيكاد” موقع المخيم، وتبين أنه قريب للغاية من ممر “موراغ” الذي يريد الاحتلال من سكان غزة الانتقال إليه . ما يعني كذلك أنه قريب من معبر كرم أبو سالم، والمنطقة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال.


تتطابق إحداثيات المخيم إلى حد كبير مع إحداثيات موقع وزعت فيه “القوات الشعبية” أكياس طحين ومساعدات كانت قد استولت عليها سابقًا.


ومن خلال تتبع التحركات الفردية لرموز الميليشيا، وجد فريق “إيكاد” أنهم يتحركون في ذات النطاق.
فعلى سبيل المثال، بعد التحقق من إحداثيات المكان الذي صُور فيه الدهيني وهو يطلق النار بسلاحه في الثامن من يونيو/ حزيران 2025، تبين أنه أمام مسجد الدعوة في منطقة “الشوكة” شرق رفح.

ذات الأمر حدث مع أحد مقاطع الفيديو المنشورة لـ “بكر الوقيلي”، حيث كان يتجول بإحدى المركبات في مدينة رفح.

وبتحليل المقطع، تبين أنه في نفس المنطقة التي دعا أبو الشباب النازحين إلى القدوم إليها؛ أي ما بين محوري فيلادلفيا وموراغ.

وفي مقطع نشره كريم أبو الحصين، عضو الميليشيا، يوثق فيه عملية “تأمين” بعض شاحنات الإغاثة، وتظهر فيه منطقة “البيوكي”، في نقطة تبعد أقل من 2.5 كم عن منطقة المخيم التي أعلنها “أبو شباب”.


وفي محافظة خانيونس قرب المشفى الأوروبي، يُظهر أحد المقاطع مسلحي ميليشيا “القوات الشعبية” وهم يسيطرون على مرور شاحنات المساعدات في شارع صلاح الدين، حيث يجري تمريرها تحت سيطرتهم وهم مدججون بالسلاح.


إلام تشير تلك التحركات؟

مما سبق يتضح أن النطاق الجغرافي الذي تتحرك فيه شبكة ياسر أبو شباب تتركز بشكل كبير في منطقتي “الشوكة” و”البيوك” شرق مدينة رفح، وكذلك في أطراف شمال رفح، وهي مناطق حدودية قريبة من معبر كرم أبو سالم، وتخضع لرقابة مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى ما قاله وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، بداية مايو/ آيار 2025، حيث صرح بأن “أهالي غزة سيتمركزون في شريط ضيق من الأرض بين الحدود المصرية وممر موراغ”.
وهو ما يعني أن خريطة تحركات ما يسمى بـ “القوات الشعبية” تتوافق إلى حد كبير مع مخططات سموتريتش والاحتلال في غزة، ما قد يعطي مؤشرًا حاسمًا على طبيعة الغطاء الأمني الذي تتحرك تحته الشبكة.
وفي ذات السياق، أكد مسؤولون إسرائيليون أن حكومتهم زودت ميليشيا “أبو شباب” بالأسلحة لمواجهة حماس، وهو ما أقر به رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو -ضمنيًا- في وقت سابق، إذ قال إن “الأجهزة دعمت مجموعات مناهضة لحماس في غزة”.
وفي إطار هذه التصريحات والتحركات، من الممكن فهم التحول الذي طرأ على مجموعة “أبو شباب”، فبعد أن كان هدفها المعلن -عند تأسيسها- تأمين المساعدات، إذ بها اليوم تعلن -على لسان قائدها- استعدادها لتولي الحكم في قطاع غزة بعد سقوط حماس. وهي خطوة قد توصف بأنها محاولة صريحة لرسم واقع سياسي جديد في القطاع، بالتماهي مع خطط الاحتلال.
