
جيانغ شيويه تشين هو صحفي صيني-كندي، عادت محاضراته ومقابلاته إلى الواجهة مع اندلاع الحرب الحالية، بعدما بدت بعض أفكاره متقاطعة مع مسار الأحداث.
لا يقوم تحليله على مجرد توقع مواجهة مع إيران، بل يتجاوز ذلك إلى طرح سيناريو أكثر تعقيدًا، يتمثل في احتمال أن تُستدرج الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، لا تحقق فيها نصرًا سياسيًا واضحًا.
منطق الحرب غير المتماثلة
يربط جيانغ هذا السيناريو بعدة أفكار رئيسية، أبرزها أن إيران استعدت لسنوات طويلة لحرب غير متماثلة، عبر تعزيز ترسانتها الصاروخية، وبناء شبكة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة.

وتعني الحرب اللامتماثلة صراعًا بين طرفين غير متكافئين في القوة، حيث يلجأ الطرف الأضعف إلى تكتيكات غير تقليدية، مثل الاستنزاف والمباغتة وضرب نقاط الضعف، لتعويض التفوق العسكري المباشر لخصمه.
وفي هذا السياق، يشير جيانغ إلى أن إسقاط القيادة أو ضرب المركز السياسي لا يعني بالضرورة انهيار القدرة على القتال، نظرًا للطبيعة اللامركزية والمتشعبة لمنظومة القيادة في إيران، التي تسمح للأجزاء الأصغر بالاستمرار في العمل حتى في حال تعرض القيادة الرئيسية للضرب.
من المعركة العسكرية إلى الاستنزاف الاقتصادي
يرى جيانغ أن الحرب قد لا تبقى ضمن حدودها العسكرية، بل قد تمتد إلى استهداف البنية الطاقية والممرات البحرية، خصوصًا في الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى منشآت حيوية مثل محطات تحلية المياه في دول الجزيرة العربية.
هذا التوسع المحتمل من شأنه أن يرفع الكلفة الاقتصادية عالميًا، ويحوّل الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى استنزاف اقتصادي وجيوسياسي واسع. ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في ظل استثمارات دول المنطقة الضخمة في قطاعات مثل الذكاء الصناعي، والتي قد تتأثر أو تتراجع في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.
وقد زاد الاهتمام بهذا التحليل مع تطورات الحرب الجارية، حيث تشير التقارير إلى اتساع رقعة المواجهة منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب الإمدادات والملاحة، إلى جانب تصاعد المخاوف من إغلاق أو شلل فعلي في مضيق هرمز، وما تبعه من ارتدادات اقتصادية عالمية واضحة.
“قانون اللاتناظر”.. قلب معادلة القوة
يقدّم جيانغ قراءته للحرب ضمن إطار أوسع يجمع بين التاريخ المقارن، ونظرية الألعاب، وفكرة صعود الإمبراطوريات وتصلبها ثم سقوطها، وذلك من خلال مشروعه الذي يصفه بـ”التنبؤ التاريخي”.
وجوهر فكرته يتمثل فيما يسميه “قانون اللاتناظر”، والذي يفترض أن النظر إلى الحرب من زاوية القوة المادية وحدها يقود إلى استنتاج أن الطرف الأقوى، في هذه الحالة الولايات المتحدة، يجب أن يحسم المعركة بسهولة.
لكن التاريخ، بحسب جيانغ، يثبت أن هذا لا يحدث دائمًا، إذ يمكن للطرف الأضعف أن يحقق أفضلية بنيوية إذا نجح في تحويل الصراع من اختبار للقوة الخام إلى اختبار للإرادة، والقدرة على التحمل، والمرونة، والتحكم في شروط الاشتباك.
اعتراضات على النموذج
مع ذلك، تواجه هذه النظرية عدة اعتراضات، أبرزها أنها قد تبالغ في افتراض قدرة إيران على الحفاظ على أدوات الاستنزاف بنفس الكفاءة طوال مدة الحرب.
فالنموذج يفترض أن الطرف الأضعف قادر على تعويض نقص القوة عبر الزمن والمرونة والوكلاء والجغرافيا، لكن هذا الافتراض يصبح أكثر هشاشة إذا كانت أدوات الاستنزاف نفسها تتعرض للتآكل السريع.
وتظهر أولى الثغرات في القدرة الصاروخية الإيرانية، حيث تشير تقارير إلى أن إسرائيل استهدفت مئات منصات الإطلاق فوق الأرض، قبل أن تنتقل إلى ضرب المخابئ ومواقع التخزين تحت الأرض بهدف تقليص قدرة إيران على مواصلة القصف.
كما قدّرت تحليلات ميدانية أن الضربات عطلت مئات القاذفات، وذهبت بعض التقديرات إلى أن نحو نصف منصات الإطلاق تضررت في الأيام الأولى من الحملة. ورغم أن ذلك لا يعني انهيار الترسانة بالكامل، فإنه يشير إلى أن الاستنزاف الإيراني ليس غير محدود، وأن أدوات الردع الأساسية نفسها تتعرض للتآكل.
ويتقاطع ذلك مع ملاحظة انخفاض عدد إطلاقات الصواريخ الإيرانية منذ بداية الحرب، ما يطرح تساؤلات حول استدامة هذا النمط من القتال على المدى الطويل.
الاستنزاف.. سلاح ذو حدين
من هنا يظهر الاعتراض الأهم على طرح جيانغ، إذ يفترض أن الطرف الأضعف يكسب كلما طالت الحرب، لكن إطالة أمد الصراع قد تعمل ضد إيران أيضًا، إذا كانت تخسر تدريجيًا وسائل الإطلاق ومخازن الذخيرة وخطوط الإنتاج.
فالحرب اللامتماثلة لا تعتمد فقط على الصبر، بل تتطلب قدرة مستمرة على إلحاق الضرر بالخصم، وهي قدرة قد تتراجع مع استمرار الضربات.
تآكل شبكة الوكلاء
النقطة الثانية تتعلق بالوكلاء الإقليميين، حيث يفترض جيانغ ضمنيًا أن إيران لا تقاتل بمفردها، بل ضمن شبكة قادرة على تشتيت الخصم وفتح جبهات متعددة.

غير أن هذه الفرضية تواجه تحديًا، مع ما تشير إليه المعطيات من تراجع في قدرات بعض الحلفاء بعد الضربات السابقة، بما في ذلك جماعات مثل أنصار الله (الحوثيون) وحزب الله، وهو ما قد يقلص من فعالية هذا البعد في الاستراتيجية الإيرانية.
من هو جيانغ شيويه تشين؟

لا يُعد جيانغ شيويه تشين باحثًا أكاديميًا تقليديًا في مجالات العلوم السياسية أو الدراسات الاستراتيجية أو التاريخ الجامعي، بل هو كاتب ومعلم وصحفي صيني-كندي، اشتهر من خلال قناته على يوتيوب “Predictive History”.
وتصفه المصادر القريبة من سيرته المهنية بأنه يعمل في مجالات التعليم والكتابة، وليس كأستاذ جامعي متخصص في العلاقات الدولية أو الاستراتيجية.
أما من الناحية الأكاديمية، فهو حاصل على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من Yale College، كما تشير منصة “Big Think” إلى أنه شارك كباحث في إحدى المبادرات العالمية التابعة لجامعة هارفرد ضمن هذا المجال.
