أعلنت شركة بايكار التركية عن مسيّرتها الجديدة (كي 2)، وهي مسيّرة انتحارية، أو ما يُعرف بـالذخيرة المتسكعة بعيدة المدى، وذلك في 14 مارس/آذار 2026.
والذخيرة المتسكعة هي سلاح يجمع بين خصائص الطائرة المسيّرة والصاروخ الموجّه في آن واحد؛ إذ تُطلق نحو منطقة معينة، ثم تبقى محلّقة فيها لبعض الوقت باحثة عن الهدف. وتمتاز هذه الذخائر بقدرتها على المراقبة والرصد، ثم الانقضاض على الهدف عندما تتأكد من قيمته أو من ملاءمة لحظة ضربه، ولهذا توصف أحيانًا بأنها «ذخائر تنتظر قرار الهجوم».

وتستطيع المسيّرة الإقلاع من مدارج قصيرة أو غير مجهزة، ما يمنحها ميزة تكتيكية مقارنة بمسيّرات شبيهة. كما أن مداها يزيد على 2000 كيلومتر، وتحمل رأسًا حربيًا متفجرًا بوزن 200 كيلوجرام، فيما تتجاوز سرعتها 200 كيلومتر في الساعة، مع قدرة على التحليق لأكثر من 13 ساعة، وهو ما يتيح لها تنفيذ مهام استراتيجية بعيدة المدى.
حرب إلكترونية
لا تعتمد المسيّرة الجديدة اعتمادًا كاملًا على إشارات الأقمار الصناعية مثل جي بي إس لتحديد موقعها والتوجه نحو هدفها. ففي الحروب الحديثة قد تتعرض هذه الإشارات للتشويش أو الانقطاع، وهنا تظهر أهمية امتلاك الطائرة وسيلة أخرى للملاحة حتى لا تضل طريقها أو تفشل مهمتها.
ولتحقيق ذلك، زُوّدت كي 2 بكاميرات تستطيع رؤية الأرض ومسح التضاريس بصريًا، أي إنها تقارن ما تراه تحتها من معالم طبيعية أو عمرانية بما هو مخزّن لديها، أو بما تستخدمه لتحديد مسارها. كما تحتوي على كاميرا للرؤية الليلية أسفل جسم الطائرة، ما يساعدها على مواصلة العمل حتى في الظلام أو في الظروف الصعبة.
وبمعنى أبسط، إذا تعطلت إشارات الملاحة الفضائية أو تعرضت للتشويش، فإن المسيّرة لا تصبح عمياء، بل يمكنها أن تكمل طريقها بنفسها اعتمادًا على ما تراه بعينها الإلكترونية. وهذا يمنحها ميزة مهمة في بيئات الحرب الإلكترونية، لأن الخصم، حتى لو نجح في التشويش على الأقمار الصناعية، قد لا يتمكن بسهولة من منعها من الوصول إلى هدفها.
حرب الأسراب
ومن اللقطات التي ظهرت في الفيديو الترويجي، شوهدت الطائرة وهي تقلع، وتطير ضمن تشكيل جماعي، وتنفذ مناورات منسقة، بل ظهرت أيضًا لقطات توحي بقدرة السرب على الهبوط المنسق.
والعمل في أسراب يعني أن عددًا من المسيّرات لا يعمل كلٌّ منها بصورة منفصلة، بل تتحرك كوحدة متعاونة تتبادل البيانات وتنسق الأدوار بينها آليًا أو شبه آلي. ففي هذا النمط قد تتولى بعض الطائرات الاستطلاع وكشف الأهداف، بينما تنفذ أخرى الهجوم، وقد تُستخدم وحدات إضافية للتشويش أو لخداع الدفاعات الجوية واستنزافها.

وتكمن أهمية هذا الأسلوب في أنه يزيد من صعوبة التصدي للهجوم، لأن العدو لا يواجه هدفًا واحدًا، بل مجموعة أهداف تتحرك بمرونة وتعيد توزيع مهامها إذا فقدت إحداها.
كما يمنح السرب قدرة أكبر على تغطية مساحة واسعة، واختيار أفضل زاوية هجوم، ورفع احتمال اختراق الدفاعات مقارنة بمسيّرة منفردة.
وفي سيناريوهات الاختبار، استخدمت مسيّرات K2 الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والبرمجيات لتحديد موقعها بالنسبة إلى الطائرات الأخرى في السرب، وحافظت على موقعها داخل التشكيل بدقة متناهية، وأنجزت جميع المهام الموكلة إليها بنجاح.
ويدعم ما سبق فكرة أن كي 2 ليست مجرد ذخيرة متسكعة بسيطة، بل منصة تُدفع نحو مفهوم الهجوم الجماعي الذكي منخفض الكلفة نسبيًا مقارنة بالصواريخ الجوالة الثقيلة.
سياق إقليمي
تنبع أهمية المسيّرات الانتحارية في السياق الإقليمي الراهن من استخدامها بكثافة في الحرب الحالية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كما كانت من المحددات الأساسية للقوة في الحرب الروسية الأوكرانية.

فالمسيّرات الانتحارية الدقيقة قادرة على ضرب المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة والرادارات والقواعد، أو على الأقل إرغام الخصم على تشغيل دفاعاته الجوية المكلفة ضد أهداف تقل كلفتها كثيرًا عن كلفة وسائل اعتراضها.
وفي حرب المنطقة الجارية خلال مارس/آذار 2026، برزت هذه القيمة بوضوح مع اتساع هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ على بنى تحتية ومصالح حيوية في إسرائيل. كما كشفت التطورات الأخيرة مشكلة اختلال الكلفة، إذ قد يُواجه هدف رخيص نسبيًا بمنظومات اعتراض باهظة، وهو ما يدفع دول المنطقة الآن إلى البحث عن دفاعات أرخص وأكثر كثافة، مثل التشويش والمدافع والمسيّرات الاعتراضية، بدل الاعتماد فقط على الصواريخ الدفاعية التقليدية.
