تحقيق

"إيكاد" ترصد تحديثات مستمرة في قواعد تمركز الروس بمالي.. ما طبيعتها؟

27/8/2026

بعد موجة الهجمات المنسقة التي شنتها قوات المعارضة المسلحة في مالي ضد القوات الحكومية و"الفيلق الإفريقي"، في 25 أبريل/ نيسان و4 يوليو/ تموز 2026، عمد فريق التحقيقات في "إيكاد" إلى تتبع انعكاسات هذه الهجمات على القواعد العسكرية التي يتمركز فيها الجيش المالي وحليفه الروسي، وهو ما خلص إلى تحقيق نُشر في 25 أغسطس/ آب 2026، حُددت فيه المواقع التي صمدت أمام الهجمات، والأخرى التي سقطت بيد المعارضة. وفي اليوم التالي، نشرت "إيكاد" تحقيقًا آخر تتبعت فيه مسارات الإمدادات التي تغذي مالي وحلفاءها بالسلاح والعتاد.

وخلال مسيرة البحث، لاحظ الفريق وجود أعمال تحديث وتطوير في عدد من القواعد العسكرية الرئيسية في مالي خلال الأشهر السابقة، الأمر الذي دفع إلى التساؤل عن طبيعة هذه التحديثات، والنافذة الزمنية التي جرت فيها، ومدى تأثرها بالهجمات الأخيرة. وهو ما يجيب عنه هذا التحقيق.

وبعد البحث المعمق، حدد الفريق ثلاث قواعد أساسية رُصدت فيها أعمال تحديث نشطة؛ أولاها معسكر "أنيفيس" الذي انسحبت إليه بعض العناصر الحكومية والروسية بعد خروجها من "كيدال" و"تيساليت" نهاية أبريل/ نيسان 2026، وثانيها الجزء العسكري من مطار "باماكو" الدولي، وأخيرًا معسكر "أغيلهوك"، الذي كان ضمن الأهداف الرئيسة لهجمات المعارضة.

تطورات معسكر "أنيفيس"

بالعودة إلى أرشيف صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمعسكر "أنيفيس"، شمالي مالي، منذ 3 ديسمبر/ كانون الأول 2025 حتى 14 يونيو/ حزيران 2026، رُصد بدء أعمال إنشاءات شمال شرق الموقع العسكري نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2024. وبعد شهر، أظهرت الصور اكتمال إنشاء أربعة مبان في نفس الموقع.

قبل 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025
بعد 30 يناير/ كانون الثاني 2026
Sentinel-2

ومع اكتمال المباني الأربعة، بدأ العمل في مبنى مجاور تحيط به ساحة خارجية وتحميه سواتر ترابية، ويرجح الفريق اكتمال بنائه نهاية مارس/ آذار، أي قبل شهر واحد من هجمات 25 أبريل/ نيسان.

قبل 30 يناير/ كانون الثاني 2026
بعد 26 مارس/ آذار 2026
Sentinel-2
وبحثًا عن صورة أكثر دقة ووضوحًا، توجه الفريق إلى "Apple Maps"، وبعد تحليل أحدث الصور المتاحة للمعسكر، ومقارنتها بصور القمر الصناعي "Sentinel-2"، رجح أن صورة "آبل" ملتقطة بين 5 و10 يناير/ كانون الثاني 2026. 
أحدث صور متاحة في خرائط "آبل" لمعسكر "أنيفيس" شمال مالي
وبسبب قِدم الصورة، تحصل الفريق على صورة عالية الدقة من "Vantor"، التُقطت للمعسكر في 1 مايو/ أيار 2026، أي بعد اندلاع موجة الهجمات بأيام معدودة.
صورة قمر صناعي عالية الدقة ملتقطة لمعسكر "أنيفيس"، في 1 مايو/ أيار 2026 (Vantor)

وبعد مقارنتها بصورة "آبل"، تبين وجود تحديثات نوعية طرأت على "أنيفيس" قبيل الحرب بأشهر قليلة. ففي الصورة الأحدث، ظهرت عدد من المباني الحديثة المسوّرة، وأعمال تأسيس لإنشاءات لم تكتمل بعد، وخنادق محفورة حديثًا عند الضلع الشرقي، ومبنى جديد على الضلع نفسه، وموقع محصن بسواتر ترابية يرجَّح أنه لمدفع.

قبل Apple Maps
بعد Vantor
صور الأقمار الصناعية توضح التغيرات الحادثة في معسكر "أنيفيس" بين يناير/ كانون الثاني ومايو/ أىار 2026 (Apple Maps/ Vantor)

لم يتوقف العمل عند ذلك التاريخ، ففي صورة منخفضة الدقة التُقطت بعده بأسبوعين، ظهر اكتمال المبنى الذي بدا في صورة الأول من مايو/ أيار أساسات عارية داخل ساحة مسوّرة. وهو ما يشير إلى نشاط إنشائي تطويري مستمر في القاعدة التي رجحت "إيكاد" -في تحقيقها السابق- انسحاب القوات الحكومية وحلفاؤها إليها بعد هجمات أبريل/ نيسان 2026.

قبل Vantor
بعد Sentinel-2
صور الأقمار الصناعية توضح حالة أحد المباني داخل "أنيفيس" بين 1 و15 مايو/ أيار 2026 (Vantor/ Sentinel-2)

الجزء العسكري من مطار باماكو

استند الفريق في رصد التطورات الحادثة داخل الشق العسكري من مطار "باماكو" الدولي إلى 4 صور عالية الدقة؛ اثنتان من "Google Earth" و"Apple Maps" وأخريتان من "Vantor"، تعود إلى سبتمبر/ أيلول 2025، ويناير/ كانون الثاني ومايو/ أيار ويوليو/ تموز 2026، على الترتيب.

في الصورة الأولى، رُصد بدء إنشاء حظيرتين في منطقة حظائر الطائرات. في حين لم يُرصد وجود ما يلفت الانتباه بالقرب من مقبرة الطائرات وحدود القاعدة الروسية. وداخل القاعدة الروسية، لاحظ الفريق وجود مبنى قائم قرب الكتلة المركزية بلا سقف.
وفي الثانية، كانت أرضية الحظيرتين معبّدتين، والمساحات المحيطة بهما مجهزتين. في حين شهدت مقبرة الطائرات عددًا من التطورات؛ إذ مُهدت أرضية جزء منها، واصطفت فيها حاويات كثيرة، إلى جانب وجود مبنى أكبر، وعربات مدنية وعسكرية، ما يرجح بدء تحويل الساحة من مساحة مفتوحة إلى منطقة دعم لوجستي. في حين لم يُرصد وجود تغيرات في المبنى غير المسقوف داخل القاعدة الروسية.
وكشفت الصورة الثالثة عن اكتمال بناء إحدى الحظيرتين، واقتراب الأخرى من الانتهاء، ما يشير إلى توسعة البنية المخصصة لإيواء الطائرات وحمايتها داخل القاعدة. كما اكتمل تمهيد ما بقي من مقبرة الطائرات، وظهرت قرب الأسوار المحيطة بها تدشيمات محصنة من جهات متعددة، يقدّر الفريق من توزيعها عند الأطراف أنها لتعزيز حماية المحيط، أو لإنشاء نقاط تمركز ومراقبة، أو مرابض محصنة للعربات والعتاد. وهذه المرة، وُجد المبنى الجديد داخل القاعدة الروسية مسقوفًا، والذي يشير موقعه القريب من الكتلة المركزية إلى توسع في البنية الإدارية أو التشغيلية للقاعدة.
وفي الصورة الرابعة والأخيرة، ظهر اكتمال تغطية هيكل حظيرة الطيران الثانية، جنوب ساحة الوقوف الغربية. وفي الساحة المسيّجة غربي المطار (مقبرة الطائرات)، تفرقت الحاويات التي كانت مصطفة في صفوف كثيفة، ويرجح انتقال أجزاء منها إلى نقاط داخلية ضمن الساحة نفسها، واكتمل عدد من الغرف المحصنة. كما استُحدثت ساحة محصنة تضم وحدة يشتبه بأنها مواقع مدافع أو وحدة رادارية. أما القاعدة العسكرية الروسية جنوبي المطار، فبقيت على حالها بين الصورتين.

معسكر "أغيلهوك"

ولمعرفة التطورات الحادثة في معسكر "أغيلهوك"، الواقع في منطقة "كيدال"، حلّل الفريق صورتي أقمار صناعية، إحداهما من "Google Earth" في أبريل/ نيسان 2025. والأخرى من "Vantor" ومؤرخة في 18 يونيو/ حزيران 2026. وبالمقارنة بين الصورتين، تبين وجود 4 بؤر تغير في محيط البلدة ومعسكر الجيش المالي المجاور لها.

ففي المجمع العسكري القديم شمالي البلدة، استُحدث ساتر ترابي يطوّق المباني الواقعة وسطه، ما يعطي احتمالًا بأن عملية تحصينه تمهد لإعادة استخدام الموقع خلال الفترة القادمة.

مرفق 03 المقارنة بين صور المجمع العسكري القديم في صورتي "Google Earth" (يمينًا) و"Vantor" (يسارًا)

وعند الطرف الشرقي للبلدة، رصدت صور يونيو/ حزيران استحداث ما يرجح أنهما بناءين لم يكونا موجودين في صور العام الماضي.

مرفق 04 المقارنة بين صور الجزء الشرقي من "أغيلهوك" في صورتي "Google Earth" (يمينًا) و"Vantor" (يسارًا)

وفي المساحة الملاصقة لمعسكر الجيش المالي من جهة الشرق، اكتمل -حسب صور يونيو/ حزيران- بناء هياكل كانت مطلع العام بلا أسقف، واستُحدثت منشآت صغيرة قرب مستودع قائم، كما رُصد وجود عمل إنشائي داخل سور مربع. وفي المقابل اختفت مبانٍ أخرى كانت قائمة قبل عدة أشهر. 

مرفق 05 المقارنة بين صور المساحة الشرقية لمعسكر "أغيلهوك" في صورتي "Google Earth" (يمينًا) و"Vantor" (يسارًا)

أما الموقع المحصن جنوب شرقي البلدة، الذي ارتبط سابقًا بالقوات الروسية، فقد هُدم قسمه القائم وأُعيد استحداث منشآته، مع حفر أنفاق بأنماط مختلفة، بينما بقي المربع الترابي المجاور له دون تغيّر يذكر.

مرفق 06 المقارنة بين صور الموقع المحصن جنوب شرقي "أغيلهوك" في صورتي "Google Earth" (يمينًا) و"Vantor" (يسارًا)

وللوقوف على وقت استحداث هذه التغيرات، عاد الفريق أرشيف القمر الصناعي "Sentinel-2" للموقع نفسه خلال الفترة الممتدة من 5 يناير/ كانون الثاني إلى 14 يوليو/ تموز 2026، وهو ما كشف عن وجود تحديثات في المعسكر منذ بداية العام. ورغم هجمات 25 أبريل/ نيسان، استمرت الأعمال بعد ذلك التاريخ حتى نهاية فترة الرصد. 

مرفق 07 صور الأقمار الصناعية الملتقطة لـ "أغيلهوك" خلال الفترة الممتدة من 5 يناير/ كانون الثاني إلى 14 يوليو/ تموز 2026 (Sentinel-2)

الخلاصة

رصد فريق "إيكاد" -في هذا التحقيق- وجود أعمال تطوير وتحديث داخل ثلاث قواعد عسكرية رئيسية يتمركز فيها الجيش المالي والفيلق الإفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية؛ ابتداء معسكر "أنيفيس" شمالي البلاد، مرورًا بالشق العسكري من مطار "باماكو" الدولي، وصولًا إلى معسكر "أغيلهوك"، الواقع على الطريق الرابط بين "كيدال و"تيساليت" باتجاه الحدود الجزائرية.

ورغم الهجمات الواسعة التي شنتها المعارضة المسلحة، في أبريل/ نيسان ويوليو/ تموز 2026، على مناطق تمركز الحكومة المالية وحليفها الروسي، رصدت الأقمار الصناعية استمرار التحديثات داخل القواعد الثلاث.