تحقيق

كيف انعكست هجمات أبريل ويوليو على مناطق تمركز الروس في مالي؟

25/8/2026
عربات مدرعة تتحرك بين مباني قاعدة عسكرية، ومدرج يمتد خلفها في العراء.. هكذا ظهرت قاعدة "تيساليت" العسكرية، أقصى نقاط الإسناد الجوي في شمال مالي، ضمن لقطات تداولتها حسابات محلية مطلع مايو/ أيار 2026، وقالت إنها صُوّرت بعد خروج الجيش المالي وعناصر "الفيلق الإفريقي" الروسي منها. 
جاء سقوط القاعدة الاستراتيجية إثر موجة هجمات منسقة بدأت في الأسبوع الأخير من شهر أبريل/ نيسان 2026، وامتدت أسابيع، طالت العاصمة وست مدن أخرى، ما أدى إلى انسحاب بعض القوات من مناطق تمركزها. وبعد نحو شهرين ونصف، شُنت موجة أخرى من الهجمات شملت المواقع التي انسحبت القوات إليها.
وفي هذا التحقيق، يسعى فريق "إيكاد" إلى التعرف على انعكاسات الموجتين على النفوذ العسكري للقوات الحكومية والروسية، وذلك من خلال دراسة الوضع الميداني الراهن للقواعد الرئيسية التي يتمركزون فيها؛ ابتداء من العاصمة إلى أقصى الشمال.

كيف بدأت الموجة الأولى من الهجمات؟

فجر 25 أبريل/ نيسان 2026، شنّت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد" ما وُصف بأنه "أوسع هجوم منسق" على مالي منذ 2012، استهدف بالتزامن كلًّا من باماكو وكاتي وسيفاريه وموبتي وغاو وكيدال.
كما أدى انفجار سيارة مفخخة أمام منزل وزير الدفاع، صاديو كامارا، في كاتي إلى مقتله، وإصابة رئيس الاستخبارات، موديبو كوني.
وفي اليوم نفسه، سقطت "كيدال" بيد "جبهة تحرير أزواد"، وانسحب نحو 400 عنصر من "الفيلق الإفريقي" بوساطة جزائرية، وفق ما نقلته تقارير صحفية.
وبين 26 و30 أبريل/ نيسان اتسعت السيطرة إلى قاعدتي "تيسيت" و"بير".
وسيطر "تنظيم الدولة – ولاية الساحل" على معبر "لابيزانغا" مع النيجر في 27 أبريل/ نيسان. وفي 28 منه، أعلنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" حصارًا شاملًا على باماكو.
ولم يتوقف الضغط عند القواعد وحدها. ففي 6 مايو/ أيار 2026، اقتُحم سجن "كينييروبا" المركزي جنوب غرب باماكو الذي يضم 2500 سجين، وبعدها بخمسة أيام، استُهدف خط نقل كهرباء "مانانتالي" التابع لمنظمة استثمار نهر السنغال
قبل أن ترفع السفارة الأمريكية في باماكو حالة التأهب في 19 مايو/ أيار.

كيف أثرت الهجمات على شبكة الإسناد الجوي الداخلية؟

للإجابة عن هذا السؤال، حدد الفريق أبرز القواعد العسكرية الرئيسية التي تتمركز فيها قوات الجيش المالي و"الفيلق الإفريقي"؛ من العاصمة باماكو إلى أقصى الشمال، وحلّل طبيعة الدور الذي تؤديه كلٌّ منها، والوضع فيها إثر الهجمات الواسعة التي تلقتها القوات الحكومية وحلفاؤها في أبريل/ نيسان 2026.

مطار باماكو

يقع مطار "موديبو كيتا" الدولي على بعد نحو 15 كيلومترًا جنوب باماكو، ويعد البوابة الجوية الرئيسية لمالي. كما أنه يضم قاعدتين للجيش المالي و"الفيلق الإفريقي" الروسي، وبطبيعة الحال يخضع لسيطرتهما. وبعد تصاعد الهجمات عليه أواخر أبريل/ نيسان 2026، حُصّن بخنادق دفاعية يبلغ طولها نحو 16.5 كيلومترًا.
ومن خلال تحليل صور الأقمار الصناعية الملتقطة للمطار بين 5 مارس/ آذار و20 يوليو/ تموز 2026، تبين وجود تصاعد في عدد طائرات الشحن العسكري داخل ساحات الوقوف وعلى المدرج إثر الهجمات، ما يعني بقاء المطار وقاعدتيه العسكريتين ضمن شبكة الإسناد الجوي للجيش المالي والفيلق الإفريقي.
وأثناء بحث الفريق عن مواد مصورة تخص المطار، عثر على مقاطع نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في 8 يونيو/ حزيران 2026، تظهر مسيّرة قتالية قيل إنها تحلق في الأجواء المالية. وبعد تحليل هيكلها ومقارنته بالمسيرات التي تصنّعها روسيا وتصدّرها، تبين أنها متطابقة مع عائلة مسيّرات "أوريون" (Orion)، التي تنتجها شركة "كرونشتادت".
 وتجدر الإشارة إلى أن مداها العملياتي يتراوح بين 1000 و1500 كيلومتر، وهو ما يكفي لتغطية معظم الأراضي المالية انطلاقًا من العاصمة.

اللافت في الأمر هو ما ظهر لاحقًا في صور "خرائط آبل" لمنطقة المصف العسكري داخل المطار، حيث ظهرت مسيّرة مشابهة -لم يسبق توثيقها- أمام أحد الهناغر، وهو ما يعزز من فرضية أن باماكو تمثل نقطة تمركز محتملة لهذا النوع من المسيّرات الذي يحتاج مدارج ومرافق تشغيل جوية. 

معسكر كاتي

وعلى مسافة تبلغ نحو 15 كيلومترًا شمال غرب العاصمة، يقع معسكر "كاتي" ومطاره العسكري، الذي يمثل القاعدة الرئيسية للجيش المالي، وبالقرب منها مقر إقامة رئيس المجلس العسكري "أسيمي غويتا". وفي 25 أبريل/ نيسان 2026، تعرض المعسكر لهجوم، ما استدعى إجلاء "غويتا"، قبل أن تعلن السلطات لاحقًا إفشال محاولة الاقتحام واستعادة السيطرة. 

قاعدة "سيفاريه"

وفي القطاع الأوسط، تقع قاعدة "سيفاريه" ومطار "أمبوديدجو" قرب مدينة موبتي، على مسافة تبلغ نحو 620 كيلومترًا شمال شرق باماكو، وتُعد أبرز مرتكز لوجستي للجيش المالي وسط البلاد، ومركزًا لانطلاق العمليات نحو الشمال، كما أنها تستضيف عناصر من "الفيلق الإفريقي".
ومثل سابقتيْها، تعرضت للهجوم ضمن هجمات "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" أواخر أبريل/ نيسان 2026، ومن ثم أعلنت باماكو أيضًا استعادة السيطرة الميدانية على القاعدة العسكرية ومحيطها. 
ومن خلال صور الأقمار الصناعية الملتقطة لقاعدة "سيفاريه" خلال الفترة الممتدة من 20 أبريل/ نيسان حتى 20 يوليو/ تموز 2026، رصد الفريق زيادة في النشاط داخل الحظائر المخصصة للمسيّرات والمروحيات إثر الهجمات. وفي صورة ملتقطة بتاريخ  11 مايو/ أيار (بعد الهجمات بأكثر من أسبوعين)، ظهرت طائرات يرجح أنها للشحن العسكري، وهو ما يشير إلى بقاء القاعدة ضمن شبكة الإسناد الجوي بعد المعارك.

قاعدة "غاو"

وفي أقصى الشمال الشرقي على ضفاف "نهر النيجر" تقع قاعدة "غاو"، المرتكز العملياتي الأهم للجيش المالي و"الفيلق الإفريقي" في إقليم "أزواد"، ونقطة الانطلاق نحو "ميناكا" و"أنسونغو" والحدود مع النيجر.
وقد واجهت القاعدة ضغطًا متصاعدًا منذ مارس/ آذار 2026، شمل هجومًا بـ 25 مسيّرة انتحارية في اليوم العاشر من الشهر، ثم اقتحامًا جزئيًا لأطراف المعسكر خلال هجمات 25 أبريل/ نيسان.

ومع ذلك، أظهرت الصور الفضائية استمرار حركة المروحيات في القاعدة بعد هجوم أبريل/ نيسان، كما رُصدت طائرات شحن ثقيل في 12 و20 و25 مايو/ أيار. وهو ما يشير إلى بقاء نشاط القاعدة بعد الهجمات. غير أن انخفاضًا حادًا في حركة المروحيات، بعد 25 مايو/ أيار، يفتح احتمال تغيّر وضع القاعدة أو تقليص نشاطها العملياتي لاحقًا، دون أن يثبت ذلك انسحابًا كاملًا منها. 
وإجمالًا، يتضح مما سبق أن القواعد الأربعة (باماكو وكاتي وسيفاريه وغاو) بقيت -بدرجات نشاط متفاوتة- داخل شبكة الإسناد الجوي الداخلية للقوات المالية وحليفها الروسي.

"تيساليت".. قاعدة جوية واحدة خرجت من شبكة الإسناد

على الجانب المقابل، خرجت "تيساليت" وحدها من هذه الشبكة، إثر انسحاب القوات المالية وحليفتها الروسية من القاعدة دون اشتباك.
 وتبعد القاعدة -التي تعد واحدة من أهم المواقع العسكرية في إقليم "كيدال"- نحو 60 كيلومترًا عن الحدود الجزائرية، ويمنحها مدرجها البالغ 2500 متر قدرة على استقبال المروحيات وطائرات النقل الثقيل، وهو ما جعلها لسنوات نقطة تمركز وإسناد جوي في أقصى الشمال.

وبعد تحليل فريق "إيكاد" للمعالم الظاهرة في اللقطات المشار إليها في صدر التحقيق، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين أن الصور ملتقطة بالفعل من داخل القاعدة، التي خرجت من سيطرة باماكو بعد انسحاب الجيش المالي وعناصر "الفيلق الإفريقي" منها أواخر أبريل/ نيسان 2026. 

إلى أين اتجهت القوات المنسحبة؟

في 27 أبريل/ نيسان 2026، أعلن رئيس أركان الجيش المالي، الجنرال عمر ديارا، استقرارًا تدريجيًا بعد الهجمات الكبرى، مع إعادة تموضع القوات المنسحبة نحو "أنيفيس". وقبل تصريحه بيوم، رصد الفريق لقطات قيل إنها للرتل المنسحب من "كيدال".

وبجمع هذين المعطييْن، من الممكن القول -بشكل مبدئي- إن القوات المنسحبة من "تيساليت" سلكت ذات الوجهة التي سلكها المنسحبون من "كيدال" و"أغيلهوك"؛ باتجاه "أنيفيس".

وللتحقق من تلك الفرضية الأولية، سعى الفريق إلى التعرف على الوضع الميداني في معسكر "أنيفيس". ومن خلال صور الأقمار الصناعية الملتقطة للمعسكر بين 26 أبريل/ نيسان و2 مايو/ أيار، لاحظ الفريق ازديادًا واضحًا في التحشيدات داخل المعسكر، الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن "كيدال" ونحو 300 كيلومتر عن "تيساليت". 
Vantor
واستنادًا إلى المقارنة بين صورتين عاليتي الدقة؛ أولاهما في 6 أبريل/ نيسان (قبيل اندلاع المعارك)، والأخرى في الأول من مايو/ أيار (بعد انسحابيْ كيدال وتيساليت)، تبين تضاعف عدد المركبات المرصودة داخل المعسكر أكثر من 4 مرات؛ إذ قفز عددها من 9 في الصورة الأولى، إلى 39 في الأخيرة. وهو ما يعزز من فرضية انسحاب القوات والتجائها إلى "أنفينيس"، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول سبب اختيار هذه الوجهة تحديدًا.


لماذا "أنيفيس"؟

يقع معسكر "أنيفيس" على المحور الرابط بين مدينتي "كيدال" و"غاو"، ويتحكم عمليًا في المدخل الشمالي للأخيرة، التي تعد أبرز حاميات الشمال ومركز إسنادها اللوجستي. ومن "غاو" يمتد محور نهر النيجر غربًا ليمر عبر مدينة "بوريم"، وصولًا إلى "تمبكتو"، وهو ما يجعل تأمين "أنيفيس" و"غاو" شرطًا لربط الحاميتين وتأمين خطوط الإمداد بينهما.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن تحرك القوات نحو "أنيفيس" بمثابة إعادة تركيز للجهد حول محور "غاو"، بهدف تأمين العمق الجنوبي.

الهجوم على "أنيفيس"

مع تحول المعسكر إلى نقطة تجمع وإعادة انتشار بعد معارك أبريل/ نيسان 2026، صار هدفًا مباشرًا للتحالف المهاجم.
ففي 15 يونيو/ حزيران 2026، نشر لقطات لاستهداف ما قال إنه غرفة التحكم بمسيّرات "بيرقدار" داخل المعسكر عبر "FPV".
وبعد نحو 20 يومًا من ذلك الحادث، شُنّ هجوم جديد ليختبر التشكيل الذي أنتجته موجة أبريل.  ففي صباح 4 يوليو/ تموز 2026، أعاد هجوم منسق -بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد"- فتح جبهة واسعة على المناطق الشمالية، امتدت من "غاو" و"أنيفيس" إلى "أغيلهوك" و"سيفاريه"
مع هجوم على سجن "كينييروبا" قرب العاصمة. فيما أعلن الجيش المالي لاحقًا أن الوضع بات تحت السيطرة.
في "أنيفيس"، تداولت حسابات مقاطع قالت إنها تظهر دخول قوات "جبهة تحرير أزواد" إلى البلدة المجاورة للمعسكر يوم 4 يوليو/ تموز.
وبمطابقة العناصر الظاهرة في اللقطات (مثل: المبنى ذو السقف الأخضر، واتجاه الطريق الرملي، وشكل الكتل العمرانية المحيطة) مع صور الأقمار الصناعية، حدد الفريق موقع التصوير داخل بلدة "أنيفيس"، تقريبًا عند الإحداثية: "18°02'35.84"N 00°36'09.42"E"، وهي نقطة لا تبعد سوى نحو 600 متر عن المعسكر، ما يعكس مدى اقتراب الضغط الميداني من محيط القوات الحكومية وحلفائه.
وللتحقق مما ورد في المقطع السابق، اطلع الفريق على صور الأقمار الصناعية الملتقطة للموقع في اليوم نفسه، وهو ما كشف عن تصاعد دخان من داخل المعسكر، الأمر الذي يدعم فرضية تعرضه لهجمات ومعارك مباشرة. وبطبيعة الحال، لا يثبت الدخان وحده سيطرة طرف من الأطراف على الموقع، غير أنه يتسق مع سياق الاشتباكات الواسعة التي طالت "أنيفيس" وما حولها.

وفي 6 يوليو/ تموز، نشر حساب "جبهة تحرير أزواد" على منصة "X" مقطعًا قال إنه يوثق استهداف هوائي شبكة الاتصالات في أنيفيس. وقادت مقارنة شكل المبنى الصغير المحيط بالهوائي وتموضعه داخل مساحة مفتوحة بصور الأقمار الصناعية إلى تحديد موقعه شرق المعسكر، ما يضيف مؤشرًا على امتداد الضغط من محيط المعسكر إلى البنية التحتية الداعمة له.

مرفق 01 المطابقة البصرية بين المقطع الذي يوثق استهداف "هوائي شبكة الاتصالات" في "أنيفيس" وصور الأقمار الصناعية (إيكاد)

وبالتوازي، رصد الفريق، في 5 يوليو/ تموز، لقطات لأرتال عسكرية قيل إنها تتحرك على محور "RN18"، باتجاه مناطق الاشتباك شمال "غاو". ويشير مسار الحركة، إن صح اتجاهه، إلى محاولة دفع تعزيزات برية نحو "أنيفيس" أو محيطها انطلاقًا من قاعدة "غاو"، سعيًا لتخفيف الضغط على البلدة بفعل الهجوم الواسع عليها.

إكس

وفي اليوم نفسه، نشر حساب الجبهة لقطات لمروحية قال إن قواته أسقطتها على محور "تبريتشات" بينما كانت في طريقها لإسناد القوات الخارجة من "غاو" نحو "أنيفيس". وحين قارن الفريق قطع الحطام الظاهرة بتسليح مروحيات عائلة "مي-24"، تطابقت إحداها مع المدفع الثابت مزدوج السبطانة "GSh-30-2K"، عيار 30 ملم، المثبّت على الجانب الأيمن من بدن مروحية "Mi-24P". ولحق ذلك استهداف آخر في 19 يوليو/ تموز لما يرجح أنه الطراز نفسه، في "كوليكورو".

مرفق 02 المطابقة بين صور حطام المروحية وصورة مرجعية لمروحية " Mi-24P " (إيكاد)

هل سقط معسكر "أنيفيس"؟

عثر الفريق على صور نشرها حساب "الفيلق الإفريقي" على تيليغرام، في 12 يوليو/ تموز 2026 (بعد الهجوم بنحو أسبوع)
ويظهر فيها ثلاثة عناصر روس يحملون راية تجمع بين اللونين الأزرق والأخضر، ويتوسطها رمز مظلة تحيط بها طائرتان، إلى جانب عبارتي "لا أحد سوانا" و"من أجل قوات الإنزال الجوي".
وبمقارنة الرمز والعبارات، تبين أنها راية مرتبطة بقوات الإنزال الجوي الروسية (VDV)، وهي فرع قتالي نظامي داخل القوات المسلحة الروسية يتبع وزارة الدفاع مباشرة.
وهو ما يميز وضعها القانوني عن المتعاقدين الذين التحقوا بـ "الفيلق الإفريقي". وتجدر الإشارة إلى أن الراية تخلو من رقم فرقة أو شارة تشكيل، فلا تكفي وحدها لتحديد الوحدة التي خدم فيها حاملوها.
وبعد تحليل المعالم الظاهرة في المقطع (مثل: النصب الحجري المطلي بالأحمر، وشكل المباني، والجدران الترابية، والأشجار المحيطة)، ومقارنتها بصور سابقة للبلدة، ومطابقتها بصور الأقمار الصناعية، حدد الفريق موقع تصوير العناصر الروسيين عند الساحة الرئيسية لـ "أنيفيس"، وبالتقريب عند الإحداثية: "18°02'34.82"N 0°36'07.35"E"، والتي تبعد نحو 900 متر عن المعسكر. 
كما ظهرت المجموعة نفسها في مقطع جديد -نُشر في 15 يوليو/ تموز 2026- أثناء تحركها داخل البلدة. ويشير ظهورها المتكرر بين الساحة والشوارع خلال أيام معدودة إلى احتمالية ارتباط وجودها بدوريات أمنية وانتشار ميداني عقب المعارك.
إذن، يتضح مما سبق أن العناصر الروس لا يزالون متمركزين في معسكر "أنفينيس"، وقادرين على الانتشار في البلدة المحيطة به، بالرغم من الضغط العسكري الذي اقترب من موقعهم إلى حد كبير.  

الهجوم على "أغيلهوك" و"غاو"

كما أشير أعلاه، لم تقتصر موجة الهجوم الثانية، التي بدأت يوم 4 يوليو/ تموز 2026، على "أنيفيس" فقط، بل امتدت لنشمل مناطق أخرى في ذات المحور، مثل "أغيلهوك"، التي تبعد نحو 150 كيلومترًا شمال "أنيفيس"، كما أنها تُعتبر من آخر المعاقل -إلى جانب "أنيفيس"- التي يحتفظ بها الجيش المالي بوجوده في منطقة "كيدال" الشمالية.

ويوم 5 يوليو/ تموز 2026، نشر حساب "الفيلق الإفريقي" لقطات قال إنها من داخل "أغيلهوك"، مؤكدًا صدّ الهجمات على المنطقة. وبعد تحليل المعالم الظاهرة في المقطع (مثل: الهيكل الحجري، والعناصر المحيطة به)، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين تطابق المشاهد مع معالم مركز البلدة. وبطبيعة الحال، تثبت هذه المطابقة موقع التصوير فقط، لكنها غير كافية للتدليل على الحالة العسكرية للمعسكر أو محيطه.

مرفق 03 مطابقة بصرية بين لقطات حساب "الفيلق الإفريقي" وصور "غوغل إيرث" لتحديد موقع التصوير في مركز بلدة أغيلهوك، اعتمادًا على الهيكل الحجري الظاهر في المقطع، 5 يوليو/ تموز 2026

وفي "غاو"، الواقعة جنوب "أنيفيس"، رُصدت، لقطات تُظهر تصاعد دخان، في 4 يوليو/ تموز، قرب ما قيل إنه محيط القاعدة العسكرية داخل منطقة المطار. وبعد تحليل المعالم الظاهرة في المقطع (ثلاث حظائر وبرج اتصالات على الأرجح) ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين أن موقع التصوير يقع بالفعل داخل مطار "غاو" العسكري، وبالتقريب عند الإحداثية: "16.24482, -0.01757".

مرفق 04 المطابقة البصرية بين معالم المقطع وصور الأقمار الصناعية لمطار "غاو" (إيكاد)

ما الذي تغيّر بعد ثلاثة أشهر؟

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على موجة الهجمات الأولى، لم تخرج من شبكة القواعد الجوية الكبرى -التي يتمركز فيها الجيش المالي والفيلق الإفريقي- سوى "تيساليت"، في حين بقيت "باماكو" و"كاتي" و"سيفاريه" و"غاو" داخل الشبكة ولو تفاوتت مؤشرات نشاطها.

وبعد انسحاب القوات من "تيساليت" و"كيدال" والتجائها إلى "أنيفيس"، تحول الأخير إلى هدف مباشر لقوات "تحرير أزواد" في موجة الهجمات الثانية، وهو ما وضعها تحت ضغط مباشر، بلغ درجة اقتراب المهاجِمين من المعسكر مسافة لا تزيد عن 600 متر فقط. ومع ذلك، حافظت القوات الحكومية على المعسكر والبلدة، ورُصدت شواهد بصرية على انتشار الروس في "أنيفيس" خلال الأيام التالية للمعارك.

ما سبق كان تقييمًا لحالة شبكة الإسناد الداخلية فقط، ولم يتطرق التحقيق إلى شبكة الإمداد الخارجية، التي قد تمثل أحد العوامل الرئيسية في استشراف مستقبل الوضع العسكري في مالي. إذ تساهم سلسلة الإمداد الخارجية -إلى جانب عوامل أخرى- في زيادة قدرة القوات الحكومية وحليفها الروسي على مقاومة الضغوط العسكرية المتصاعدة. ولذا، أفرد فريق التحقيقات في "إيكاد" تحقيقًا منفصلًا -يُنشر خلال الأيام القادمة- عن هذه السلسلة، متتبعًا إياها بحرًا وبرًا وجوًا.