تحقيق

برًا وبحرًا وجوًّا.. كيف يصل الإمداد العسكري إلى مالي؟

26/8/2026
مدرعة رباعية الدفع تقف في العراء، وخلفها مبانٍ عسكرية خالية من حرّاسها.. هكذا ظهرت إحدى المركبات داخل قاعدة "تيساليت" شمال مالي، ضمن لقطات تداولتها حسابات محلية، مطلع مايو/ أيار 2026، بعد انسحاب الجيش المالي وعناصر "الفيلق الإفريقي" الروسي منها.
وحين قارن فريق "إيكاد" هيكل المركبة بصور المركبات المشابهة، تبين أنها مدرعة صينية من طراز "نورينكو VP11"، وهي مركبة مقاومة للألغام والكمائن تنتجها شركة "نورينكو" (NORINCO) التابعة لمجموعة صناعات الشمال الصينية (CNGC).
تساءل الفريق عن كيفية وصول هذه المدرعة إلى يد القوات المالية، خصوصًا في ظل الضغوط العسكرية التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة، وهو ما يزيد من أهمية مسارات الإمداد. لكن البحث عن إجابة هذا التساؤل فتح عدة احتمالات لمسارات إمداد مختلفة، بعضها عبر البحر والبر، والأخرى عبر الجو.

كيف وصلت المدرعة إلى مالي؟

بعد البحث في المواقع والصحف المالية، لفت انتباه الفريق خبر نشرته صحيفة "L'Essor" المحلية، أواخر مارس/ آذار 2026 يفيد بوصول قافلة عسكرية كبيرة إلى العاصمة، ليلة 24-25 مارس/ آذار، قادمة من غينيا، وتضم مئات المدرعات والمعدات الحديثة.
وحسب الصحيفة، تضم القافلة مدرعات من طراز "CS/VP14"، وهي مركبات مقاومة للألغام والعبوات الناسفة، تنتجها شركة "NORINCO".
كانت هذه المعلومة لافتة، نظرًا لأن الشركة هي نفسها التي أنتجت المدرعة المرصودة في "تيساليت"، الأمر الذي يشير إلى احتمالية وصولهما إلى مالي عبر مسار إمداد واحد.
وبطبيعة الحال، لا تنتج غينيا هذه المركبات، كما أنها ليست وسيطًا معروفًا في تجارتها، وهو ما طرح تساؤلًا حول كيفية وصولها إلى غينيا ابتداء. 

من روسيا إلى غينيا

اتجهت أنظار الفريق إلى ميناء "كوناكري"، باعتباره الميناء البحري الرئيسي والرئة الاقتصادية لجمهورية غينيا، وهو ما يضع احتمالًا بأن الشحنات تمر من خلاله.
 وبعد بحث معمق في البيانات الملاحية الخاصة بالميناء، لفت انتباه الفريق سفينة شحن روسية -تسمى "Sabetta"- رسَت في مرفئه يوم 19 مارس/ آذار 2026، أي قبل نحو 5 أيام من وصول القافلة العسكرية إلى مالي، حسب خبر الصحيفة الوارد أعلاه.
وبتتبع سجلها الملاحي، تبين أن انطلاق السفينة كان من ميناء "بالتييسك" -الواقع في مقاطعة كالينينغراد الروسية، ويعد أحد أهم المنافذ البحرية لروسيا على بحر البلطيق- يوم 22 فبراير/ شباط 2026.
ووصلت منطقة الانتظار قبالة ميناء "كوناكري"في دولة غينيا، يوم 10 مارس/ آذار، ثم رست داخله في 19 مارس/ آذار، بعد تسعة أيام من الانتظار.
بيانات المسار في 19 مارس/ آذار 2026 عند رسو السفينة داخل الميناء، وحالة الشحن مسجَّلة محمَّلة جزئيًا
لم يكتف الفريق ببيانات الملاحة وحدها، فتوجه لصور الأقمار الصناعية الملتقطة لميناء "كوناكري". وفي صورة ملتقطة يوم 21 مارس/ آذار 2026، ظهرت السفينة راسية على رصيف الميناء. ما يؤكد وجود السفينة الروسية في غينيا قبل يومين أو ثلاثة من وصول الرتل العسكري لمالي. 
صورة سنتنل-2 بتاريخ 21 مارس/ آذار 2026 محدَّد عليها بإطار أحمر موضع السفينة Sabetta راسية على رصيف ميناء كوناكري
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الطريق البري من "كوناكري" إلى "باماكو" يمتد نحو 995 كيلومترًا فقط، ويستغرق قرابة 19 ساعة متواصلة.
ما يعني قدرة الرتل -حال صحة المسار المفترض- على الوصول إلى مالي في الموعد الذي حددت الصحيفة وصوله الفعلي فيه (ليلة 24-25 مارس/ آذار).
وإجمالًا، تشير المعطيات السابقة إلى احتمالية وجود خط إمداد روسي ينقل -بحرًا- معدات صينية إلى الجيش المالي عبر غينيا، حيث تنتقل بعدها -برًا- إلى باماكو. ومن الضروري الإشارة إلى أنه ليس من اللازم أن تنطلق المدرعات الصينية من بلد مَنشئها لتصل إلى مالي. بل في كثير من الأحايين، تمر الشحنات بعقد لوجستية وسيطة حتى تصل إلى وجهتها النهائية. 

من روسيا إلى توغو

من ذات الميناء الذي انطلقت منه السفينة "Sabetta"، وهو ميناء "بالتييسك" الروسي، رصد الفريق انطلاق سفينة الشحن الروسية الخاضعة للعقوبات "MIKHAIL BRITNEV"، والحاملة لرقم: "IMO 9081370"، في 18 يونيو/ حزيران 2026، معلنة العاصمة السنغالية "داكار" وجهة لها. وبعد خمسة أيام، انقطعت إشارتها الملاحية، وهو ما كان لافتًا.
صفحة السفينة MIKHAIL BRITNEV على مارين ترافيك، وفيها رقمها الدولي IMO 9081370 ورحلتها المعلنة من بالتييسك إلى داكار
وبسبب اختفاء إشارتها، سعى الفريق إلى اقتفاء أثرها عبر الأقمار الصناعية.
وفي صورة ملتقطة بتاريخ 28 يونيو/ حزيران 2026، ظهر قبالة سواحل الصحراء المغربية هدف بحري تتطابق أبعاده بدرجة كبيرة مع السفينة، وإلى جانبه هدف آخر يرجَّح أنه سفينة الإنزال الروسية "ALEKSANDR SHABALIN" من فئة "Ropucha"، وهي قطعة عسكرية مصممة لنقل القوات والمركبات والمعدات.
صورة سنتنل-2 بتاريخ 28 يونيو/ حزيران 2026 قبالة الصحراء المغربية، محدَّد عليها بإطارين هدفان يرجّح الفريق أنهما MIKHAIL BRITNEV وسفينة الإنزال ALEKSANDR SHABALIN
وفي 9 يوليو/ تموز، ظهرت الإشارة الملاحية مجددًا، ومن خلالها رُصدت السفينة قرب ميناء "لومي" في توغو، بعد رحلة تجاوزت 4100 ميل بحري، ما يعني أن "داكار" لم تكن محطتها النهائية -كما أُعلن- وأنها واصلت الإبحار جنوبًا نحو خليج غينيا.
تكتسب الرحلة أهميتها من ثلاثة عناصر مجتمعة؛ فالسفينة مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية ومرتبطة بشركة "EKO SHIPPING" الخاضعة للعقوبات، ونمط إبحارها تضمن فجوات طويلة في إشاراتها الملاحية، كما رافقتها -على الأرجح- قطعة إنزال عسكرية.
وهو ما يثير التساؤلات حول حمولة السفينة، ويضع احتمالًا بانخراطها في نقل معدات عسكرية إلى قواتها وحلفائها في دول الساحل، وعلى رأسها مالي.
وبطبيعة الحال، لا تثبت المعطيات المتاحة طبيعة الحمولة ولا وجهتها البرية. غير أن وصولها إلى لومي يفتح احتمال وجود ممر بري يمتد عبر توغو وبوركينا فاسو، وصولًا إلى مالي، خاصة مع وجود ممر لوجستي وجمركي معلن بين العاصمتين لومي وباماكو.
وبذلك، يضع فريق "إيكاد" -وفق المعطيات السابقة- مسارين محتملين لوصول الإمدادات العسكرية إلى باماكو، وكلاهما يمر بالبحر، إذ تنطلق الشحنات من روسيا وصولًا إلى غينيا أو توغو. ومنهما برًا إلى مالي. 
وهنا تساءل الفريق عما إن كان هناك مسارات إمداد أخرى محتملة تسلك طريق الجو، لا سيما في ظل تمركز الجيش المالي و"الفيلق الإفريقي" في عدد من المطارات والقواعد العسكرية الجوية، التي رصدت "إيكاد"، في تحقيقها الأخير، عبر الأقمار الصناعية، تصاعد حركة الطائرات فيها بعد الهجمات الموسعة التي شُنت عليها خلال الأشهر الأخيرة. 

كيف يتحرك مسار الإمداد الجوي؟

دفع هذا التساؤل الفريق إلى تتبع البيانات الملاحية للطائرات الروسية المتجهة إلى أفريقيا والشرق الأوسط من جهة، وكذلك التي تتحرك داخل المنطقة من جهة أخرى. وبتحليل الرحلات الجوية الروسية، حدد الفريق مسار إمداد جويًا يبدأ من روسيا، مرورًا بسوريا، ثم ليبيا، وصولًا إلى باماكو.

ومن أبرز النماذج التي عثر عليها الفريق طائرتان روسيتان تكرر تواجدهما في كل محطة من المحطات الأربع؛ تحمل الطائرة الأولى -ذات الطراز "An-124-100"- رقمًا تسجيليًا هو: "RA-82037"، بينما الطائرة الثانية من طراز "Il-76"، ورقمها: "RF-78663".

المحطة الأولى

تبدأ المحطة الأولى في مسار الإمداد الجوي من موسكو ومنه تنطلق الرحلات نحو قاعدة "حميميم" في اللاذقية غربي سوريا.
 وقد وثّق الفريق سلوك الطائرتين هذا المسار 7 مرات خلال شهرين؛ من منتصف أبريل/ نيسان حتى منتصف يونيو/ حزيران 2026.
رحلات الشحن العسكري الروسي المرصودة على مسار موسكو حميميم، وأرقام التسجيل موصولة بسجل كل طائرة على منصة تتبع الرحلات

المحطة الثانية

ومن "حميميم"، يُستكمل المسار وصولًا إلى العقدة الاستراتيجية الثانية؛ قاعدة "الخادم" شرقي ليبيا.
رحلات المسار بين قاعدة حميميم في سوريا وقاعدة الخادم في ليبيا، وأرقام التسجيل موصولة بسجل كل طائرة
ورُصدت الطائرتان ذاتهما تسلكان هذا الطريق 8 مرات خلال نفس الفترة الزمنية تقريبًا.

المحطة الثالثة

ثم تنطلق الرحلات من "الخادم" لتصل إلى المحطة الأخيرة في خط الإمداد الجوي الروسي نحو مالي.
وبالتحديد في مطار "باماكو" الدولي. وخلال شهر واحد، يمتد من 20 مايو/ أيار إلى 20 يونيو/ حزيران 2026، رصد الفريق تسع رحلات شحن عسكرية أجرتهما الطائرتان في هذا المسار، تركزت ست منها في أربعة أيام فقط.
رحلات العقدة الأخيرة من قاعدة الخادم إلى مطار باماكو الدولي، وأرقام التسجيل موصولة بسجل كل طائرة
يعزز تكرار الرحلات بين المحطات الأربع بالطائرتين نفسيهما خلال فترات زمنية قصيرة من فرضية وجود جسر جوي يمتد من روسيا إلى مالي، مرورًا بسوريا وليبيا. ومن خلاله يغذي الروس قواتهم وحلفائهم في مالي. كما أن الرحلات الموثقة أعلاه تؤكد استمرار الرحلات بعد الضغط العسكري المكثف على القواعد الجوية في مالي، إثر الهجمات الواسعة التي شنتها "جبهة تحرير أزواد" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" نهاية أبريل/ نيسان 2026.

خط إمداد جوي بين تركيا ومالي

يبدو أن موسكو لا تطير بمفردها نحو مالي. إذ رُصد، يوم 2 يوليو/ تموز 2026، هبوط طائرة نقل عسكرية تركية -رقمها "16-0055"- في قاعدة "سيفاريه" الجوية، وسط مالي، لتغادر مرة أخرى بعد نحو ساعتين. وتكرر النمط نفسه في 20 يوليو/ تموز، حيث رُصدت الطائرة ذاتها داخل الأجواء المالية قرب مدينة "موبتي"، في مسار يقود -غالبًا- إلى قاعدة "سيفاريه". ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن بيانات الملاحة تبقى عاجزة عن تحديد طبيعة الحمولة أو المهمة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن "سيفاريه" تستضيف مسيرات تركية الصنع تُستخدم لدعم عمليات الجيش المالي في الوسط والشمال، ما يمنح الرحلتين العسكريتين أهمية إضافية في ظل الضغوطات المتصاعدة التي تعاني منها مالي جراء المعارك الأخيرة. 

مرفق 01 تسجيل مسار الطائرة التركية A400M برقم 16-0055 على منصة تتبع الرحلات

الخلاصة

خلص التحقيق إلى تحديد 3 مسارات إمداد محتملة تعين القوات الحكومية المالية وحليفها الروسي في حربها ضد قوات المعارضة المسلحة؛ اثنان من هذه المسارات يعتمدان عطريقًا بحريًا في الانتقال من روسيا، والاختلاف بينهما يكمن في العقدة الوسيطة قبل الوصول إلى مالي، أولاهما تقف عند غينيا، والأخرى عند توغو، ثم ينتقل كلاهما برًّا إلى باماكو. أما الثالث، فيعتمد الجوَّ مسارًا؛ إذ ينطلق من موسكو، ليمر بقاعدة "حميميم" في سوريا، ثم ينتقل إلى "الخادم" في ليبيا، حتى يصل أخيرًا إلى مالي.

وفي هذا السياق، تعهدت روسيا ودول "تحالف دول الساحل" الثلاث بتعميق التعاون العسكري والعسكري التقني، بما يشمل مساعدة "الفيلق الإفريقي" ودعم جيوش الدول الأعضاء والقوة الموحدة للتحالف. أي أن ما رصده التحقيق من بيانات ملاحية متفرقة بات جزءًا محتملًا من ترتيب أمني إقليمي، ويطرح تساؤلًا عن مدى اتساع الشبكة التي تتحرك خلالها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن مالي وجيرانها يعملون بالفعل على تهيئة الممرات الساحلية التي تعتمد عليها دولة ليس لها منفذ بحري. ففي يناير/ كانون الثاني 2026، أقرّ مجلس الوزراء المالي تخصيص عشرة هكتارات لغينيا، قرب طريق "كوريمالي–باماكو"، لإقامة مخازن ومنشآت للنقل، ضمن ترتيبات تمنح مالي حق استخدام ميناء "كوناكري" وبعض مساحاته الداخلية. وفي المقابل، خصصت غينيا بدورها عشرين هكتارًا في "كانكان" للمخازن المالية. 

وفي مسار موازٍ، عرضت توغو -خلال منتدى للنقل نظمته وزارة النقل الروسية في سان بطرسبرغ، في أبريل/ نيسان 2026- تصورًا لربط ميناء "لومي" بمسارات الشحن الروسية والأوراسية المتجهة إلى غرب إفريقيا والساحل، إلى جانب تطوير الربط بين الأنظمة الجمركية واللوجستية.

ولا يقتصر اتساع الشبكة على الجانب البحري. فقد ذكرت صحيفة "لوموند"، في يونيو/ حزيران 2026، أن التعاون التركي–المالي بات يشمل اتفاقات تضم المدرعات وأنظمة المراقبة والمعدات الكهروبصرية وإزالة الألغام وتدريب العسكريين، وأن الأسلحة والذخائر أصبحت، منذ 2024، تمثل نحو خُمس الصادرات التركية إلى مالي.

ولا تحدد هذه الترتيبات والاتفاقات وحدها حمولة سفينة أو طائرة بعينها، لكنها تضع حركة الإمداد ضمن مشهد تتوسع فيه بدائل الوصول إلى مالي، وتتعدد فيه جهات التسليح.