يُعد صاروخ “جاسم” أو AGM-158 JASSM واحدًا من أهم أسلحة الهجوم الجوي الأميركية الحديثة، لأنه صُمم أساسًا لحل معضلة عسكرية شديدة التعقيد تتمثل في السؤال التالي: كيف يمكن للطائرات أن تضرب أهدافًا عالية القيمة داخل عمق أراضٍ محمية بدفاعات جوية قوية، من دون أن تضطر إلى الاقتراب كثيرًا من منطقة الخطر؟

هنا جاءت فكرة الضربة من مسافة آمنة، أي أن تطلق الطائرة السلاح من خارج نطاق كثير من أنظمة الدفاع الجوي، ثم يتكفل الصاروخ وحده بقطع المسافة المتبقية إلى الهدف.
لهذا السبب ارتبط “جاسم” منذ البداية بفكرة ضرب الأهداف ذات الأولوية العالية خلف خطوط العدو، مثل مراكز القيادة، ومستودعات الذخيرة، والبنى التحتية العسكرية الحساسة، والمواقع المحصنة نسبيًا.
وتصف القوات الجوية الأميركية هذا الصاروخ بأنه جو-أرض موجه يعمل بنظامي القصور الذاتي وتحديد الموقع العالمي، مع وجود باحث بالأشعة تحت الحمراء، ومصمم لضرب الأهداف الثابتة والمتحركة نسبيًا من خارج مظلة الدفاعات المعادية، بينما تصفه لوكهيد مارتن بأنه صاروخ تقليدي بعيد المدى، ودقيق الإصابة، ومنخفض الملاحظة الرادارية.
يعلمنا ذلك عن دقة الصاروخ، فالقصور الذاتي يساعده على تحديد موقعه باستخدام حساسات داخلية، وتحديد الموقع العالمي يساعده على تحديد الموقع عبر خدمة جي بي إس، والباحث بالأشعة تحت الحمراء يؤكد موضع الهدف عبر الإشعاع الحراري الصادر منه.

هذا التكامل يسمح للصاروخ بدقة كبيرة، تصل فقط إلى عدة أمتار. ويُضاف إلى ذلك معالجة رقمية متقدمة، بحيث لا يظل الصاروخ مجرد جسم يتجه إلى إحداثيات ثابتة، بل يصبح قادرًا على تحسين مطابقة الهدف في المرحلة النهائية.
هذه النقطة مهمة جدًا، لأنها تعني أن الصاروخ يجمع بين الملاحة بعيدة المدى، وبين التمييز النهائي الأدق قرب الهدف، وهي خاصية أساسية عندما تكون الأهداف حساسة.
الصاروخ في نسخته الأساسية يبلغ طوله نحو 4.27 متر، ويبلغ عرضه نحو 64.3 سنتيمترًا، مع مدى يتجاوز 370 كيلومترًا. كما تصفه لوكهيد مارتن بأنه سلاح من فئة 907 كيلوغرامات تقريبًا، ما يعني أنه صاروخ ثقيل نسبيًا مقارنة بكثير من الذخائر الجوية الأخرى، ومصمم لحمل رأس حربي ذي تأثير كبير على الهدف.
أما النسخ الأحدث والأطول مدى من العائلة، فقد طُورت لزيادة مدى الاشتباك.

ومن خصائصه المهمة أيضًا أنه منخفض الملاحظة الرادارية، أي إن تصميمه الخارجي ومواد بنائه يهدفان إلى تقليل فرص اكتشافه واعتراضه. وهذا لا يعني أنه غير مرئي للرادار، بل يعني أن رصده وتتبع مساره واعتراضه أصعب من كثير من الذخائر التقليدية، خصوصًا عندما يُطلق من مسافة بعيدة ويسلك مسارًا منخفض الارتفاع نسبيًا.
هذه السمة، مع دقته العالية، تجعل منه أداة مهمة في الموجات الأولى من الحرب، حين يكون الخصم ما يزال يحتفظ بقدر كبير من دفاعاته الجوية وقدرته على الرد.
ويتميز الصاروخ بمرونة كبيرة من ناحية المنصات الحاملة، فقد جرى دمجه أو التخطيط لدمجه على عدد من القاذفات والطائرات الأميركية، ومنها B-1B وB-2 وB-52، كما تشير مصادر القوات الجوية إلى تكامله مع طائرات مثل F-15 وF-16، بينما تواصل لوكهيد مارتن دعم جهود دمجه على F-35.
هذه المرونة تعني أن الصاروخ ليس مرتبطًا بمنصة واحدة، بل يمكن إدخاله في أنماط عمليات مختلفة، مثل هجوم قاذفات ثقيلة من مسافات بعيدة، أو ضربات طائرات تكتيكية، أو حملات جوية مركبة تتوزع فيها الأهداف على منصات متعددة.
ما الهدف من استخدامه في الحرب على إيران؟
إيران تملك عمقًا جغرافيًا كبيرًا، ومنشآت صاروخية وعسكرية موزعة، وبعضها محمي بطبقات دفاع جوي أو موجود في مناطق محفوفة بالمخاطر للطائرات المهاجمة.


في مثل هذه البيئة، يصبح السلاح المثالي هو سلاحًا بعيد المدى، دقيقًا، وشبحّيًا نسبيًا، ويمكن إطلاقه من خارج أخطر مناطق الاشتباك.
لذلك فإن دوره المحتمل أو المتوقع في هذه الحرب يتمثل في ضرب البنية العسكرية عالية القيمة من دون تعريض الطائرات الأميركية لخطر الاختراق المباشر، مثل مواقع القيادة والسيطرة، ومرافق إنتاج الصواريخ، ومخازن الذخيرة، وبعض عقد الدفاع الجوي، وربما مداخل ومرافق البنية الصاروخية المدفونة أو شديدة الحماية، بحسب طبيعة الهدف.
