إيكاد تكشف شبكة ميليشيا أشرف المنسي ودورها في مشروع هندسة غزة الجديد

مع مطلع شهر أكتوبر الماضي، وقبل أيام على سريان الهدنة بغزة، رصدنا صورة من متابعتنا لشبكات الميليشيات ظهر بها غسان الدهيني نائب ياسر أبو شباب حينها.. في وسط موقع ميلشيا مشابهة لهم تدعى الجيش الشعبي بشمال القطاع.

هذه الصورة، نشرها أحمد السماعنة قرب قائد ميليشياته المعروف بأشرف المنسي، وذلك بإحدى المدارس التي كان يحيط بها مخيماً للنازحين قبل أن يضطروا لمغادرة المنطقة بسبب انتهاكات الاحتلال المستمرّة.

هذا الظهور وضعنا أمام مفارقةٍ ميدانية؛ فما الذي يجمع قيادياً يفترض انحصار نفوذه في أقصى جنوب القطاع (رفح)، بميليشيا متمركزة في أقصى شماله؟

دفع ذلك التساؤل فريقنا لتتبّع عمل ميليشيا “الجيش الشعبي”، والتحقّق من شبكات علاقاتها في القطاع، ودور الاحتلال في دعم تلك الشبكات. فمن الواضح أنّ وجود شخصيةٍ بارزةٍ كالدهيني ضمن الدائرة المقربة للمنسي، يعكس تحرّكاتٍ نحو تداخلٍ في شبكات العمل الميداني والصلات بين هذه المليشيات المسلحة.

فمن هم قادة المجموعة؟ وما علاقتهم بميليشيا ياسر أبو الشباب؟


هيكليّة الشبكة.. ميليشيات من العملاء واللصوص

أشرف المنسي

بكلمات ملؤها الاستعطاف، أسّس أشرف المنسي، المُلقب بـ”أبو كاسر”، مجموعته العسكرية المؤلفة من 20 عنصر والتي أسماها الجيش الشعبي قوّات الشمال بداية سبتمبر الماضي، في شمال قطاع غزة، تحديداً قرب (القرية البدوية) و (عزبة بيت حانون). وذلك بعد عدة أشهر من تأسيس ميليشيا ياسر أبو شباب في رفح. وبحسب وسائل إعلام فلسطينية قام أشرف بتشكيل المليشيا من ذوي السوابق في قضايا المخدرات والسرقة والفساد، ومن اتّهم بالتخابر لصالح أجهزة الاحتلال الإسرائيلي.

سعى المنسي لتثبيت نفوذه في مناطق شمال غزة، مع تهديد حماس وعدم السماح لهم بالعودة. إذ قام بنشر أول فيديو له بتاريخ 29 سبتمبر

وبتاريخ 30 سبتمبر قام بنشر بوست يدعو فيه أبناء الشعب بالتحريض على المقاومة ويطالبهم برفع اصواتهم من أجل حقوق أطفالهم.


أحمد السماعنة (طرف الخير “أبو رمزي”)

أمّا أحمد عبد الكريم السماعنة، الرجل الذي ظهر بالصورة في بداية التقرير، فبعد إعدام المقاومة لوالده عبد الكريم السماعنة بتهمة التعاون مع الاحتلال بداية شهر سبتمبر الماضي، انضمّ لميليشيا المنسي، وبات يظهر باستمرار بجانبه في الفيديوهات والتدريبات التي يقومون بها، في مؤشرٍ ربما يعكس صعوده كأحد الوجوه القيادية في المجموعة.

قام في ١٤ أكتوبر بمشاركة خطابٍ لأشرف المنسي:

مقطع مصوّر في الأراضي المحتلّة.. ماذا يفعل السماعنة هناك؟

نشر أحمد مساء الأربعاء 5 نوفمبر على حسابه في تيك توك ” أبو رمزي ” مقطع فيديو يظهر فيه بأنه في الأراضي المحتلة، حيث ظهر في الفيديو لافتات بالعبرية. وظهر بالسيارة بجاوره شخص مجهول الهوية يقود السيارة.

في سبق صحفي، قمنا سابقاً بتحديد الموقع الجغرافي للفيديو الذي نشره أحمد وتبين معنا أنه داخل الأراضي المحتلة، تحديداً في شارع eliyahu nawi الواقع في مدينة بئر السبع.

على اليسار مقطع الفيديو وعلى اليمين صور جوجل
الطريق الذي سلكه أحمد في السيارة
محمود السماعنة

محمود السماعنة، يرجح أنه أخ أحمد السماعنة وأحد عناصر المليشيا “المنسي” أيضاً.

فبعد البحث عكسياً عن صورة البروفايل الشخصي لمحمود التي تضمنته ملثماً مسلّحاً برفقة مسلحين آخرين داخل سيارة، توصلنا إلى أنّه قام بنشرها سابقاً كستوري على حسابه في فيسبوك.

ووما يعزّز ذلك أنّه في ١٢ أكتوبر كتب منشوراً على حسابه في الفيسبوك”المرحلة الجاية بعنوان: إمسك حمساوي”..

وأعاد في 14 من الشهر نفسه مشاركة الخطاب المصور الذي نشره “أشرف المنسي أبو الكاسر” على حسابه على فيسبوك.

لاحقاً أعلنت قبيلة السواركة بحسب مصادر فلسطينية في بيانٍ رسميٍ لها براءتها التامّة من المدعو عبد الكريم السماعنة وأبناءه أحمد ومحمد ومحمود.


دعوات انضمام لدورات عسكرية في الشمال!

ومن خلال الرصد اليدوي لحسابات قادة المجموعة توصلنا لصفحة فيس بوك للمليشيا باسم “الجيش الشعبي محافظة الشمال” التي تم إنشاؤها بتاريخ 5 نوفمبر، أي حديثاً.

قامت المليشيا بنشر عدة منشورات تدعو المواطنين إلى الانضمام للدورات العسكرية التي تقوم بتنفيذها المليشيا في منطقة تموضعهم أقصى شمال القطاع، كما هو موضح أدناه:

وكان آخر منشور تم نشره بتاريخ 9 نوفمبر نموذج توظيف أو تطوع يطلب من المواطنين أصحاب الخبرة والتخصصات المساهمة ضمن فرق الدعم والاغاثة:


النطاق الجغرافي الاستراتيجي للميليشيا

قام فريقنا بالتوسيع البحث أكثر في الشبكة، فتوصّلنا إلى حساباتهم على منصة تيك توك، لنجد حساباً لأشرف المنسي باسم ” قوات الشمال ” وآخر للسماعنة باسم ” أبو رمزي “:

ومن هنا بدأنا الإنطلاقة في الحسابين فوجدناها يقومان بنشر فيديوهات للمكان المتواجد به وهم يعتلون الجيبات مع أفراد مسلحة على تيك توك.


أشرف المنسي

على حساب قوات الشمال “أبو الكاسر”، قام أشرف بنشر فيديوهين بتاريخ 26-09 و29-09 لتحرك جيبات حول المنطقة التي يتمركز بها

ظهر لنا من خلال ما التقطه أنه يصور من مرتفع عالي، وبالتدقيق أكثر تبين معنا أنه فوق مبنى مدرسة عزبة بيت حانون الابتدائية بجوار أبراج الندى شمال القطاع.

ليس هذا فحسب، بل وجدنا أنّ المدرسة تعد موقعاً يتمركز فيه العناصر ويتدربون، كما أكد ذلك ظهور غسان الدهيني في لقطات جانبية بالقرب من أشرف المنسي وأحمد السماعنة داخل هذه المدرسة، مما يعزز احتمالية استخدام المدرسة كمركز للتواجد والعمل المشترك بين المليشيات.

نلاحظ من الفيديوهات التي نشرها وبحسب الموقع المتواجد فيه أشرف المنسي الذي حددناه أنه متواجد داخل الخط الأصفر “في منطقة سيطرة الجيش الإسرائيلي”

وبالرجوع في التاريخ سابقاً عبر الأقمار الصناعية نجد أن المكان تعرّض لتغييرات خلال سبتمبر الماضي، وهو الوقت الذي تزامن مع إعلان أشرف المنسي عن ميليشيا الجيش الشعبي:

نلاحظ من خلال صور الأقمار التغير الملحوظ في المدارس الثلاثة التي تتخذها المليشيا مركزاً لها، حيث يظهر استمرار أعمال تمهيد وتجريف في بداية سبتمبر لتسهيل حركة مركباتهم بالدخول والخروج في المنطقة.

حيث يظهر في الصور تحديداً طريق تجهيزه من الشارع باتجاه مدرسة أحمد الشقيري التي يتخذونها مقراً لهم بجوار مدرسة عزبة بيت حانون.

وبالعودة في صور الأقمار، رصدنا مقابل المدارس التي يتموضعون بها حالياً ما يبدو أنها خيماً للنازحين، التي أُزيلت مع أواخر مارس — ما يشي بحالة تهجير حصلت من الشمال، استمر الاحتلال بعدها بالسيطرة على هذه المناطق وتجريفها حتى تمركز الميليشيات فيها مع مطلع سبتمبر.

صورة للأقمار الصناعية تظهر الفرق قبل وبعد إزالة خيام النازحين

هذه التطورات تعكس سياسة ممنهجة لتهجير السكان من مناطقهم، وتحويل مناطق النزوح الآمنة الى مناطق سيطرة المليشيات. وهو ما يتنافى تماماً مع فكرة هذه الميليشيا التي تدّعي وقوفها مع حق الشعب ومصلحته.


أحمد السماعنة:

على حسابه باسم أبو رمزي، قبل أن يحذفه لاحقاً، قام بنشر فيديوهات كثيرة، في تاريخ 5 سبتمبر نشر صورة لبيت عزاء أبيه عبد الكريم السماعنة في المدرسة التي يتخذونها ثكنة ومقر لهم.

بتاريخ 9 سبتمبر قام بنشر فيديوهات لحركة الجيبات في محيط المدرسة من الجهة الجنوبية

وبتحققنا من الفيديوهات لتحديد المكان، ظهر من الفيديوهات أنه يصور من نفس المكان الذي نشر منه أشرف المنسي، أعلى مبنى مدرسة عزبة بيت حانون الابتدائية مقابل القرية البدوية.


أبو علي صبيح

أبو علي صبيح، عنصر من مليشيا أشرف المنسي، ينحدر من عشيرة الرميلات، ويُعرف بنشاطه في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا على منصة تيك توك حيث نشر عدة صور له، منها صورة له بلباس عسكري بلثام يغطي وجهه.

ضمن محتوى النشر الخاص به فيديوهات توثق الدمار وحركة جيب تويوتا يحمل علم وشعار مليشيا “جيش الشمال”، التي يقودها أشرف المنسي.

ظهر أيضاً في فيديو بداخل السيارة وهو يتحرك قرب خزان مياه مقابل أبراج الندى شمال القطاع الواقعة بين بيت حانون وبيت لاهيا.

حيث يبعد خزان المياه عن مكان تمركزهم داخل المدرسة مسافة 500 متر شمالاً


غذاء إسرائيلي يصل بشكل مباشر لمليشيات أشرف المنسي..

قام أبو علي أيضاً بنشر فيديوهات لمواد غذائية “سكّر، خضروات، مشروبات غازية،” بالإضافة لأجهزة كهربائية في المدرسة التي يتمركزون بها.

نكشف بتحليل الفيديوهات عن وجود كميات كبيرة من الأجهزة الكهربائية، والمنتجات الغذائية التي تحمل علامات باللغة العبرية أبرزها، العبوة الحمراء المكتوب عليها “סוכר לבן” أي: سكر أبيض، و الكرتونة البيضاء التي يظهر عليها شعار اسم شركة zarubi الاسرائيلية .


يطرح هذا علامات استفهام حول مصدر هذه المواد؟!

فالوجود الكبير لهذه المنتجات في أيدي المليشيات يدعو إلى التساؤل عن طبيعة النفوذ لديهم، خاصة في ظل استمرار معاناة السكان من نقص حاد في الغذاء والمساعدات.

فسواء كانت هذه المنتجات من المساعدات التي استولت عليها الميليشيا أو من منتجات اشترتها بكميات كبيرة من التجار المتواجدين في الشمال ويجلبون منتجات من أراضي الاحتلال أو هي دعم مباشر من إسرائيل خاصة.. في كل الحالات، تتعارض هذه الوقائع بشكل واضح مع المزاعم التي تصدر عن هذه المليشيات بأنها تهدف إلى حماية حقوق السكان أو تحقيق العدالة، مما يكشف عن طبقة من التعقيدات السياسية والاقتصادية تمس حياة المدنيين بشكل مباشر.


تحليل النشاط الميداني للمليشيا

تكشف الخريطة الميدانية التي أعدت بحسب إحداثيات الفيديوهات المنشورة، أنّ نطاق التحرك يتركز في منطقة أبراج الندى والعودة وتحديداً “منطقة عزبة بيت حانون” شمال القطاع متخذين من المدرسة مقراً لهم. مع بيان أنّ المنطقة تخضع لسيطرة الاحتلال داخل الخط الأصفر، واقتصار تواجدهم خلف هذا الخط مما لا شكّ فيه يضع الكثير من علامات الاستفهام حول عمل هذه الميليشيا.

تتوافق الخريطة مع خريطة إعلان وقف اطلاق النار ومكان الانسحاب الاسرائيلي الأولي التي أُعلن عنها وفق خطة ترامب.

يتميّز تمركز المليشيا خلف الخط الأصفر بارتفاعٍ جغرافي مطلٍّ على مدينتي بيت لاهيا والقرية البدوية ومعسكر جباليا، بالإضافة إلى ميزةٍ تكتيكيةٍ هامّةٍ، وهي إمكانية الهروب السريع إلى مناطق تمركز الاحتلال ما يعكس علاقة تبادلية معه تقوم على تقسيم النفوذ وتسهيل تحركاتهم ومراقبة مناطق سيطرة حماس.


تنسيق مشترك لأجل مشروع غزّة

تظافرت تلك الرؤى وتزايدت نسبة التنبّؤ بغايتها بعد منشورٍ لمجموعة أبو شباب أعلنت عن توجيهاتٍ لعناصرها بضرورة التحرك السريع وتنفيذ المهام دون تأخير، بهدف ضمان أمن المدنيين في رفح وتوفير بيئة خالية من التهديدات المتطرفة. وذلك في إطارٍ اشتراكٍ مباشرٍ مع مجلس السلام.

ومجموعة أبو شباب كما أثبتنا ليست منفكة هي والميليشيات الأخرى عن بعض، فكما أوضحنا آنفاً وجود الدهيني في مناطق المنسي، فقد نشر أبو شباب وصفحة الميليشيا الرسمية الخاصة به شكر قدمته لحليفها في الشمال كما هو موضّح:


غزة الجديدة ..

فمن الواضح أنّ كلّ تلك التنسيقيّات والأعمال المشتركة تهدف إلى غايةٍ ليست منحصرةً فقط على تسبيب المشاكل للمقاومة، ففي 18 نوفمبر كان قد صوّت مجلس الأمن بـ13 صوت مع امتناع الصين وروسيا لصالح قرار صاغته الولايات المتحدة، يؤيد خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة بشأن غزة، والتي تتضمن إنشاء قوّةٍ دوليّةٍ للاستقرار، فيما تصدّت دولاً عربيّةً للمشروع بحسب تقريرٍ سابقٍ نشرته فاينانشال تايمز .

وبحسب ما نقل عن صحيفة يديعوت أحرونوت أن الولايات المتحدة الأمريكية تخطّط لبناء قاعدةٍ عسكريّةٍ قرب حدود قطاع غزّة للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار.


خلاصة التحقيق

يبرهن التتبع الميداني والتحليل الجغرافي أن الجيش الشعبي – قوات الشمال بقيادة أشرف المنسي انتقل من مجرّد ظاهرةٍ إجراميّة إلى كونه كياناً عسكريّاً مهيكلاً زُرع بدقّةٍ في نقاطّ استراتيجيّةٍ خلف الخط الأصفر، يعمل كأداةٍ تحت حمايةٍ مباشرةٍ من قوات الاحتلال.

وأنّ خارطة التمركز تنطلق من محيط مدرسة عزبة بيت حانون، مشيرةً إلى مسعى ممنهجٍ لإنشاء بؤرة نفوذٍ مسلّحةٍ تهدف إلى تقويض سلطة حركة حماس وخلق واقعٍ أمنيٍ موازٍ يخدم أجندة الاحتلال في إعادة هندسة المشهد داخل القطاع.

وثّق التحقيق تنسيقاً ميدانياً بين قادة المليشيات كغسان الدهيني وتسهيل حركتهم عبر المعابر، مما يثير تساؤلات عن غرفة عملياتٍ مشتركةٍ. وعلى عكس معاناة سكان غزة من الحصار والتجويع، يعيش عناصرها حياةً مترفةً بدعمٍ لوجستيٍ كبيرٍ من الاحتلال.

هذه الميليشيات تشكل حجر الزاوية في مشروع غزّة الجديدة الرامية لتقسيم القطاع وبناء جبهةٍ مواليةٍ من الشمال إلى الجنوب، مما يهدّد النسيج الوطني بتحدٍّ وجودي.

Total
0
Share