إيكاد تكشف: كيف أثر سد النهضة على “جودة” مياه النيل في مصر والسودان؟

عند الحديث عن أسباب رفض مصر والسودان للتحركات الإثيوبية في سد النهضة، يكون التركيز -غالبًا- على خطرين رئيسيين؛ أولهما نقص حصتهما في المياه، واحتمالية حدوث فيضان مفاجئ يدمر جنوب السودان حال فتحت إثيوبيا بوابات السد دون سابق إنذار.

لكن يبدو أن هناك خطرًا آخر يهدد الدولتين رغم عدم التركيز عليه من قبل كثيرين. يكمن هذا الخطر في تلوث مياه النيل بسبب ملء حوض السد دون إزالة الغطاء النباتي الموجود فيه، وهو ما يهدد بجعل الماء القادم إلى مصر والسودان غير صالح للزراعة أو الشرب.

وللوقوف على حقيقة “جودة” مياه النيل، وضع فريق “إيكاد” هذا الملف على جدول أعمالهم.

وباستخدام خاصية تقنية تُستخدم لمعالجة وتحليل البيانات المتعلقة بجودة المياه، وتحديدًا تلك المستمدة من الأقمار الصناعية، كشف تحقيقنا عن وجود نسب مرتفعة من “العكارة” في مياه النيل في كل من مصر والسودان، مع ملاحظة أن هذا التلوث بدأ في الانتشار والزيادة عقب الملء الأول للسد عام 2020… فكيف توصلنا إلى هذه النتيجة؟


تحليل “جودة” المياه

كما هو معروف، تظهر صور الأقمار الصناعية المسطحات المائية، لكن هذه الصور مجردة لا تعني الشيء الكثير فيما يتعلق بطبيعة هذه المياه وجودتها.

يتغير الوضع إذا ما استخدمنا برنامج ” Ulyssys Water Quality Viewer “، إذ أنه صُمم لقياس كثافة الكلوروفيل وتركيزات الرواسب المعلقة في الأسطح المائية، اللذين يعدان العاملين البصريين الرئيسيين لتقييم نوعية المياه وجودتها من منظور بيئي.

حيث تُظهر خاصية “عارض جودة المياه – Water Qwality Viewer” كثافة الكلوروفيل باللونين الأخضر والأحمر، أما كثافة الرواسب والطمي فتعرضها باللون البني.

وبشكل مبسط، عند رؤية اللون الأخضر، ندرك أن هذا الماء يحوي نسبة كبيرة من الطحالب والعوالق نباتية، ما يعني معدلًا مرتفعًا للكلوروفيل، الذي يمكن أن يكون سامًا للإنسان إذا زاد عن نسب معينة. وعندما يظهر اللون البني، نفهم وجود كميات كبيرة من الرواسب والطمي والرمال.

قد تبدو التفاصيل الفنية معقدة بعض الشيء، لكن الأمر قد يبسط بعض الشيء إذا انتقلنا إلى تفاصيل التحقيق ذاته. فما الذي وجده فريق “إيكاد” خلال البحث؟


حوض السد.. بداية الرحلة ومصدر التلوث

تبدأ الرحلة بالتحقق من وضع المياه الموجودة حاليا في حوض سد النهضة الإثيوبي.

وحسب صور الأقمار الصناعية التي حللناها، منتصف يوليو/ تموز 2023، تبين وجود كثافة عالية في كمية كل من الكلوروفيل (اللون الأخضر) والرواسب (اللون البني) في حوض السد.

وبملاحظة أن التركيز العالي للون الأخضر يظهر في حوض السد، في حين أنه لا يظهر في المياه القادمة من الجنوب إلى الحوض، تأكد لدى فريقنا أن مصدر النسبة العالية من الكلوروفيل يكمن أسفل الحوض نفسه.

ما لفت الانتباه كذلك أن لون المياه كان طبيعيًا قبل اكتمال بناء السد، خلال الفترة ما بين يوليو/ تموز 2017 حتى يوليو/ تموز 2019.

لكن تغير الحال منذ الملء الأول للسد عام 2020، حيث بدأ ظهور النسب العالية من الكلوروفيل والرواسب في الأعوام التالية.

الفرضية الرئيسية التي تفسر هذا التغير هي أن الحكومة الإثيوبية لم تُزل الغطاء النباتي على جانبي المجرى الطبيعي لنهر النيل، ما أدى لغمر الأشجار والنباتات وتحولها لطمي ورواسب شديدة الكثافة تركزت أسفل الحوض.

فما دلائل ذلك؟

ومما يؤكد هذه الفرضية أن صور الأقمار الصناعية قبل الملء، وتحديدًا في مايو/ آيار 2018، تُظهر كثافة كبيرة للأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النيل الأزرق.

لكن بعد عام ونيف، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أي بعد اكتمال بناء أجزاء من قاعدة الممر الأوسط، الذي حجز المياه بشكل جزئي، غمرت المياه المحجوزة في حوض السد الأراضي المليئة بالأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النهر.

كان هذا هو الوضع عند بداية رحلة مياه النيل في حوض سد النهضة، فهل انتقل التلوث إلى المحطتين التاليتين؛ السودان ومصر؟


المحطة الثانية.. الانتقال إلى السودان

بعد السماح بمرور مياه النيل من السد، تجري في مسار طوله نحو 18 كيلومترًا، لتصل إلى أولى محطاتها في أقصى جنوب السودان، ثم تقطعه بشكل عمودي وصولًا إلى أقصى شماله عند الحدود مع مصر.

ومن خلال فحص المسار الكلي لمياه النيل في السودان، يتضح أن اللون الأخضر ظاهر بكثافة على طول المجرى. ما يعني كثافة مرتفعة للكلوروفيل والرواسب في المياه التي يعتمد عليها المزارعون السودانيون.

لم تختلف الصورة كثيرًا عندما دقّق فريقنا النظر في المياه المخزنة عند السدود والخزانات السودانية المختلفة؛ ابتداء من خزان “الروصيص” أقصى جنوب السودان، مرورًا بالعاصمة السودانية “الخرطوم” ثم سد “مروي”، حتى الوصول إلى أقصى الشمال في “وادي حلفا”.

ففي منتصف يوليو/ تموز 2023، أظهرت الصور الملتقطة لأحواض السدود الثلاثة معدل “عكارة” مرتفع في الماء، وذلك بسبب ارتفاع كثافة الكلوروفيل والرواسب في مياه النيل.

خزان “الروصيص” في مدينة “الدمازين”
سد “مروي”
“وادي حلفا”

لكن اللافت أن هذه المؤشرات الدالة على تلوث المياه لم تكن موجودة طيلة الأعوام التي سبقت التعبئة الأولى لحوض سد النهضة في 2020، في حين ظهرت الزيادة في الأعوام التالية.

منطقة الدمازين
منطقة مروي

المحطة النهائية.. وصول الماء “المعكّر” إلى مصر

ومن “وادي حلفا” شمال السودان، يشق النهر طريقه ليبدأ رحلته في مصر من أقصى جنوبها عند بحيرة “ناصر” وبحيرات “توشكى” بمدينة أسوان، مرورًا بـ “أسيوط” وسط الأراضي المصرية، وصولًا إلى بحيرة “قارون” في الشمال.

بحيرات توشكى
مجرى النيل في أسيوط
بحيرة “قارون”

وكما الوضع في حوض سد النهضة، ومجرى النيل داخل السودان، أظهرت صور الأقمار الصناعية نتيجة مماثلة في مصر، فمن شبه انعدام تام للون الأخضر خلال الأعوام التي سبقت الملء الأول في 2020، إلى زيادة مطردة فيه خلال عامي 2021 و2022، وصولًا إلى الذروة خلال العام الجاري.


تهديد إضافي

مما سبق، يتأكد أن الإجراءات الإثيوبية -المتمثلة في عدم إزالة الغطاء النباتي على ضفتي مجرى النيل- تسببت في تعكير وتلويث المياه المحتجزة عند حوض سد النهضة، والتي انتقلت بدورها إلى السودان ومصر، مصطحبة ما فيها من رواسب وعوالق.

وهو ما يمثل تهديدًا إضافيًا على دولتي المصب، في ظل إصرار إثيوبي على التحرك الأحادي فيما يخص السد، منذ بداية إنشائه حتى الآن.

طالع أيضا
Total
0
Share