سد النهضة يعكّر مياه النيل في مصر والسودان.. ما القصة؟ 

مقال

سد النهضة يعكّر مياه النيل في مصر والسودان.. ما القصة؟ 

10/3/2026

عند الحديث عن أسباب رفض مصر والسودان للتحركات الإثيوبية في سد النهضة، يكون التركيز -غالبًا- على خطرين رئيسيين؛ أولهما نقص حصتهما في المياه، واحتمالية حدوث فيضان مفاجئ يدمر جنوب السودان حال فتحت إثيوبيا بوابات السد دون سابق إنذار. لكن يبدو أن هناك خطرًا آخر يهدد الدولتين رغم عدم التركيز عليه من قبل كثيرين. 

يكمن هذا الخطر في تلوث مياه النيل بسبب ملء حوض السد دون إزالة الغطاء النباتي الموجود فيه، وهو ما يهدد بجعل الماء القادم إلى مصر والسودان غير صالح للزراعة أو الشرب. وللوقوف على حقيقة "جودة" مياه النيل، وضع فريق "إيكاد" هذا الملف على جدول أعمالهم.

وباستخدام خاصية تقنية تُستخدم لمعالجة وتحليل البيانات المتعلقة بجودة المياه، وتحديدًا تلك المستمدة من الأقمار الصناعية، كشف تحقيقنا عن وجود نسب مرتفعة من "العكارة" في مياه النيل في كل من مصر والسودان، مع ملاحظة أن هذا التلوث بدأ في الانتشار والزيادة عقب الملء الأول للسد عام 2020.

فكيف توصلنا إلى هذه النتيجة؟

كما هو معروف، تُظهر صور الأقمار الصناعية المسطحات المائية، لكن هذه الصور مجردة لا تعني الشيء الكثير فيما يتعلق بطبيعة هذه المياه وجودتها. يتغير الوضع إذا ما استخدمنا برنامج "Ulyssys Water Quality Viewer"، إذ إنه صُمم لقياس كثافة الكلوروفيل وتركيزات الرواسب المعلقة في الأسطح المائية، اللذين يعدان العاملين البصريين الرئيسيين لتقييم نوعية المياه وجودتها من منظور بيئي. حيث تُظهر خاصية "عارض جودة المياه - Water Qwality Viewer" كثافة الكلوروفيل باللونين الأخضر والأحمر، أما كثافة الرواسب والطمي فتعرضها باللون البني.

صورة

وبشكل مبسط، عند رؤية اللون الأخضر، ندرك أن هذا الماء يحوي نسبة كبيرة من الطحالب والعوالق نباتية، ما يعني معدلًا مرتفعًا للكلوروفيل، الذي يمكن أن يكون سامًا للإنسان إذا زاد عن نسب معينة. وعندما يظهر اللون البني، نفهم وجود كميات كبيرة من الرواسب والطمي والرمال. قد تبدو التفاصيل الفنية معقدة بعض الشيء، لكن الأمر قد يبسط بعض الشيء إذا انتقلنا إلى تفاصيل التحقيق ذاته.  فما الذي وجده فريق "إيكاد" خلال البحث؟

المحطة الأولى: عند حوض السد

تبدأ الرحلة بالتحقق من وضع المياه الموجودة حاليًا في حوض سد النهضة الإثيوبي. وحسب صور الأقمار الصناعية التي حللناها، منتصف يوليو/ تموز 2023، تبين وجود كثافة عالية في كمية كل من الكلوروفيل (اللون الأخضر) والرواسب (اللون البني) في حوض السد.

مرفق 01 صورة تظهر ارتفاع كثافة الكلوروفيل (اللون الأخضر) في مياه حوض سد النهضة الإثيوبي في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

وبملاحظة أن التركيز العالي للون الأخضر يظهر في حوض السد، في حين أنه لا يظهر في المياه القادمة من الجنوب إلى الحوض، تأكد لدى فريقنا أن مصدر النسبة العالية من الكلوروفيل يكمن أسفل الحوض نفسه. 

مرفق 02 صورة تظهر ارتفاع كثافة الرواسب (اللون البني) في مياه حوض سد النهضة الإثيوبي في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

وما لفت الانتباه كذلك أن لون المياه كان طبيعيًا قبل اكتمال بناء السد، خلال الفترة ما بين يوليو/ تموز 2017 حتى يوليو/ تموز 2019. لكن تغير الحال منذ الملء الأول للسد عام 2020، حيث بدأ ظهور النسب العالية من الكلوروفيل والرواسب في الأعوام التالية.

مرفق 03 صورة تظهر تركز اللون الأخضر داخل حوض السد دون المياه القادمة إليه من الجنوب، ما يؤكد أن مصدر الكلوروفيل المرتفع هو قاع الحوض نفسه، في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

الفرضية الرئيسية التي تفسر هذا التغير هي أن الحكومة الإثيوبية لم تُزل الغطاء النباتي على جانبي المجرى الطبيعي لنهر النيل، ما أدى لغمر الأشجار والنباتات وتحولها لطمي ورواسب شديدة الكثافة تركزت أسفل الحوض. 

فما دلائل ذلك؟

ومما يعزز هذه الفرضية أن صور الأقمار الصناعية قبل الملء، وتحديدًا في مايو/ آيار 2018،  تُظهر كثافة كبيرة للأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النيل الأزرق.

مرفق 04 صورة تظهر الكثافة النباتية العالية على ضفتي مجرى النيل الأزرق قبيل بدء ملء حوض سد النهضة في مايو/ آيار 2018 (Google Earth)

لكن بعد عام ونيف، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أي بعد اكتمال بناء أجزاء من قاعدة الممر الأوسط، الذي حجز المياه بشكل جزئي، غمرت المياه المحجوزة في حوض السد الأراضي المليئة بالأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النهر. وفي ذات السياق، أوضحت صور حديثة نسبيًا، التُقطت في مارس/ آذار 2022، بشكل دقيق كمية الأشجار الكبيرة التي تغمرها المياه في حوض السد. 

مرفق 05 صورة تظهر غمر المياه المحتجزة للأراضي المليئة بالأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النهر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 (Google Earth)

كان هذا هو الوضع عند بداية رحلة مياه النيل في حوض سد النهضة، فهل انتقل التلوث إلى المحطتين التاليتين؛ السودان ومصر؟

مرفق 06 صورة تظهر كميات الأشجار الكبيرة المغمورة بالمياه في حوض سد النهضة في مارس/ آذار 2022 (Google Earth)

المحطة الثانية.. الانتقال إلى السودان

بعد السماح بمرور مياه النيل من السد، تجري في مسار طوله نحو 18 كيلومترًا، لتصل إلى أولى محطاتها في أقصى جنوب السودان، ثم تقطعه بشكل عمودي وصولًا إلى أقصى شماله عند الحدود مع مصر. ومن خلال فحص المسار الكلي لمياه النيل في السودان، يتضح أن اللون الأخضر ظاهر بكثافة على طول المجرى. ما يعني كثافة مرتفعة للكلوروفيل والرواسب في المياه التي يعتمد عليها المزارعون السودانيون. 

مرفق 07 صورة تظهر المسار الكامل لمياه النيل داخل السودان من أقصى جنوبه حتى الحدود المصرية (Google Earth)

لم تختلف الصورة كثيرًا عندما دقّق فريقنا النظر في المياه المخزنة عند السدود والخزانات السودانية المختلفة؛ ابتداء من خزان "الروصيص" أقصى جنوب السودان، مرورًا بالعاصمة السودانية "الخرطوم" ثم سد "مروي"، حتى الوصول إلى أقصى الشمال في "وادي حلفا"

مرفق 08 صورة تظهر ارتفاع كثافة الكلوروفيل على امتداد مجرى النيل في السودان في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

ففي منتصف يوليو/ تموز 2023، أظهرت الصور الملتقطة لأحواض السدود الثلاثة معدل "عكارة" مرتفع في الماء، وذلك بسبب ارتفاع كثافة الكلوروفيل والرواسب في مياه النيل.

مرفق 09 صورة تظهر ارتفاع معدل العكارة في مياه سد "مروي" شمال السودان في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

لكن اللافت أن هذه المؤشرات الدالة على تلوث المياه لم تكن موجودة طيلة الأعوام التي سبقت التعبئة الأولى لحوض سد النهضة في 2020، في حين ظهرت الزيادة في الأعوام التالية.

المحطة النهائية.. وصول الماء "المعكّر" إلى مصر

ومن "وادي حلفا" شمال السودان، يشق النهر طريقه ليبدأ رحلته في مصر من أقصى جنوبها عند بحيرة "ناصر" وبحيرات "توشكى" بمدينة أسوان، مرورًا بـ "أسيوط" وسط الأراضي المصرية، وصولًا إلى بحيرة "قارون" في الشمال.

وكما الوضع في حوض سد النهضة، ومجرى النيل داخل السودان، أظهرت صور الأقمار الصناعية نتيجة مماثلة في مصر، فمن شبه انعدام تام للون الأخضر خلال الأعوام التي سبقت الملء الأول في 2020، إلى زيادة مطردة فيه خلال عامي 2021 و2022، وصولًا إلى الذروة خلال العام الجاري.

تهديد إضافي

مما سبق، يتأكد أن الإجراءات الإثيوبية -المتمثلة في عدم إزالة الغطاء النباتي على ضفتي مجرى النيل- تسببت في تعكير وتلويث المياه المحتجزة عند حوض سد النهضة، والتي انتقلت بدورها إلى السودان ومصر، مصطحبة ما فيها من رواسب وعوالق. وهو ما يمثل تهديدًا إضافيًا على دولتي المصب، في ظل إصرار إثيوبي على التحرك الأحادي فيما يخص السد، منذ بداية إنشائه حتى الآن.

"إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية 

مقال

تهاجم المقاومة وتمدح بشار.. "إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية

23/12/2024

حساب يحمل اسمًا أنثويًا عاديًا كـ "رهف منصور" (RahffMansour)، يضع صورة فتاة ملامحها عربية، ويعرّف نفسه بـ "الهوية المغربية". ينشر الحساب تغريدة يربط فيها رئيس الحكومة السورية الانتقالية، أحمد الشرع، بالتطرف والعنف.

تبدو الحكاية للوهلة الأولى كأي نقاش عابر على منصات التواصل الاجتماعي؛ لكنّ ما لفت الانتباه كان الظهور المتكرر لهذا الحساب بذات السردية، وهو ما دفعنا إلى مراجعة الحساب ومحتواه، وتحليل شبكة التفاعلات الرقمية معه، الأمر الذي قادنا في النهاية إلى كشف شبكة أوسع تضم 29 حسابًا، تنتحل هويات عربية وإقليمية متعددة تتحرك وفق أنماط رقمية متطابقة.

كان الجامع الأول لهذه الحسابات هو تشابه سرديتها، إضافة إلى تفاعلاتها المتبادلة مع بعضها بعضًا. وبعد تحديدها، لاحظ فريق "إيكاد" أنَّ كلّا منها يدعي الانتماء إلى واحدة من الدول العربية أو الإسلامية.

  1. الجزائر

    AsraaaarG - AsheqaElward - khoater_onsa

  2. إيران

    Mona_ahmedi - amgadizeina

وبعد تحديد الحسابات، عمَد فريق "إيكاد" إلى تحليل نشاطها ومحتواها. وكانت البداية من نمط النشاط، إذ أثبت التحليل الزمني لحركة الحسابات وجود نمط تشغيلي موحّد يضعف من احتمالية النشاط العشوائي؛ حيث تتركز ذروة التغريد والنشر بشكل متزامن بين الثالثة فجرًا والعاشرة صباحًا، وتسجل قفزات حادة بالقرب من الخامسة صباحًا. كما تبدأ وتيرة النشاط بالانخفاض عقب العاشرة صباحًا لدى كافة عناصر الشبكة.

ورغم أن الحسابات تدّعي الانتماء إلى دول تفصل بينها فوارق زمنية تصل إلى ثلاث ساعات، أظهرت الرسوم البيانية تحركها وفق جدول زمني واحد.

وجوه مستعارة

وإلى جانب نمط النشاط، فحص الفريق الصور الشخصية للحسابات المرصودة عبر أدوات البحث العكسي، فتبيّن أن كثيرًا منها يستخدم صورًا قديمة مسروقة من منصات مثل "Pinterest" و"فيسبوك" و"تيكتوك".

حملة للدفاع عن الأسد

ومن خلال تتبّع الفريق لأرشيف المحتوى الرقمي للشبكة خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، رصدنا تحركًا جماعيًا منسّقًا يهدف إلى تبرئة بشار الأسد. كما أن الحسابات هاجمت بشكل متزامن مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتبرز القرار باعتباره "استهدافًا سياسيًا لسوريا". وروّجت المنظومة للأسد كضامن وحيد لوحدة البلاد وحامٍ للاستقرار في وجه التدخلات الخارجية، ملوّحةً بأن سقوط نظامه سيقود جغرافيا المنطقة بأسرها نحو الفوضى والانهيار.  

وعند مراجعتنا للمحتوى الذي نشرته تلك الحسابات خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، اكتشفنا أن مجموعة كبيرة منها تحركت في اتجاه واحد. حيث قامت بنشر رسائل متشابهة تهاجم مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتقدم القرار باعتباره استهدافاً سياسياً لسوريا. كما روّجت للأسد بوصفه حاميًا لاستقرار البلاد، وقائدًا يواجه التدخلات الخارجية، فيما ركزت منشورات أخرى على أن إبعاده سيقود إلى الفوضى وانهيار الاستقرار في المنطقة.

وكما هو ملاحَظٌ من النماذج المرفقة أعلاه، تروّج هذه الحسابات المضامين ذاتها في التوقيتات نفسها بالرغم من تباين جنسياتهم المزعومة.

الهجوم على الإدارة السورية الجديدة

وبعد سقوط نظام الأسد وهروبه إلى روسيا، انتقل نشاط الحسابات بشكل متزامن في مهاجمة الإدارة السورية الجديد بقيادة أحمد الشرع. حيث بثّت شبكة الحسابات عشرات المنشورات التي تربط الإدارة الانتقالية بالعنف والتطرف، وضخّمت مقاطع مصورة تزعم وقوع إعدامات ميدانية وانتهاكات ضد النساء.

كما ضاعفت تلك الحسابات تداول مقاطع زُعم أنها منسوبة إلى هيئة تحرير الشام، بعضها نُشر باللغتين الفرنسية والإنجليزية، في محاولة لتوسيع انتشار هذه السرديات خارج الفضاء العربي.

من دمشق إلى غزة

لم يقتصر الأمر على الشأن السوري، إذ رصد الفريق انخراط الحسابات ذاتها في نشر روايات متشابهة تنال من حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية. وصنّفت بعض الحسابات الحركة كـ "تنظيم إرهابي"، متبنّية السردية العبرية التي تتهم المقاومة باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

كما أعادت الشبكة إنتاج سرديات الاحتلال حول أحداث السابع من أكتوبر، واتهام الحركة بخطف وقتل المدنيين الإسرائيليين واستغلال معاناة الفلسطينيين، زاعمة ارتباط الحركة بتنظيم داعش وجماعة الإخوان المسلمين.

حملة متزامنة ضد رغد التكريتي

وبذات النمط، رصد فريق "إيكاد" تزامنًا في استهداف ذات الحسابات للناشطة الحقوقية، رغد التكريتي، أول امرأة تترأس الرابطة الإسلامية في بريطانيا. وكان من اللافت تقاطع هذا الهجوم مع منشورات الصحفي الإسرائيلي، إيدي كوهين؛ حيث تطابق محتوى الشبكة مع تغريداته التي هاجمت التكريتي ضمن الإطار الزمني نفسه.  

السودان.. ساحة جديدة لنفس السرديات

وعبر الأنماط التشغيلية ذاتها، نقلت الشبكة نشاطها إلى الملف السوداني. وتركزت رسائلها في الهجوم على الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ساعيةً إلى ربطه بجماعة الإخوان المسلمين وإيران.

شبكات متعددة

وأثناء تحليل هذه الشبكة، لاحظ الفريق تشابه نمط عمل الحسابات المرصودة أعلاه مع شبكة الفتيات اللائي ينتحلن الهوية الغزاوية ويهاجمن المقاومة، والتي كشفتها "إيكاد" في تحقيق سابق. فعند المقارنة، ظهرت أوجه تشابه قوية بين الشبكتين، منها النشاط الصباحي المكثف نفسه، واستخدام الصور المسروقة، والانتقال الجماعي بين السرديات.

فما بدأ في التحقيق السابق كشبكة تنتحل هوية فلسطينية، ظهر في هذا التحقيق بصورة أوسع، عبر حسابات تحمل هويات عربية وإقليمية متعددة، لكنها تتحرك وفق الأنماط ذاتها وتدور حول الملفات السياسية نفسها.

لذلك فإن أخطر ما تكشفه هذه الشبكات مدى قدرتها على إخفاء هويتها الحقيقية خلف عشرات الهويات العربية المختلفة، بحيث يبدو الخطاب وكأنه صادر من داخل المجتمعات نفسها، بينما تشير الأدلة الرقمية إلى نمط تشغيل واحد يتكرر عبر الحدود والملفات والقضايا، سعيًا إلى التلاعب بالرأي العام العربي.

ما علاقة رجل الأعمال الإسرائيلي الذي قتل في الإسكندرية بالاستيطان؟

تحقيق

ما علاقة رجل الأعمال الإسرائيلي الذي قتل في الإسكندرية بالاستيطان؟

25/5/2024

في الثامن من مايو/ آيار 2024، تداولت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي خبر مقتل رجل الأعمال الإسرائيلي "Ziv Kipper"، الحامل للجنسيتين الأوكرانية والكندية، في مدينة الإسكندرية بمصر.

وبتتبع أصل القصة، وجدنا أن منشأ الخبر كان قناة أنشئت حديثًا على تطبيق "تيليغرام"، وسمت نفسها: "مجموعة الشهيد محمد صلاح طلائع التحرير"، في إشارة إلى الجندي المصري الذي نفذ في يونيو/ حزيران 2023، عملية استهدفت نقطة حراسة إسرائيلية قرب معبر نيتسانا (معبر العوجة)، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين.

مرفق 46 تغريدة بفيديو الاغتيال على منصة "X" — 8 مايو 2024.

إذ نشرت المجموعة، في السابع من مايو/ آيار 2024، بيانًا تبنّت فيه عملية قتل "زيف كيبر"، ووصفته بأنه "عميل إسرائيلي" يجمع المعلومات ويجنّد العملاء لصالح الموساد. لافتة إلى أن العملية جاءت ردًا على المجازر الإسرائيلية في غزة، وأنها تمَّت بعد رصدٍ وتحرٍّ دقيقَين أثبتا صلة "كيبر" بالموساد. 

وفي اليوم التالي، بثَّت المجموعة مقطعًا مصوَّرًا للعملية مدته 19 ثانية، ظهر فيه شخص مجهول يطلق الرصاص على سائق سيارة قائلًا: "شالوم من أبناء غزة"، ويتركه قتيلًا داخل سيارته.

وفي الحادي عشر من مايو/ آيار 2024، نشرت المجموعة نفسها على "تلغرام" مقطعًا مصوَّرًا جديدًا مدته أربع دقائق و11 ثانية، بيّنت فيه مزيدًا من تفاصيل العملية التي نفذتها، وكشفت تفاصيل رصد تحركات كيبر بمصر وخارجها، ووثَّقت زياراته لبلدان عديدة؛ من بينها مصر وإسرائيل والأردن وبلغاريا وأوكرانيا، وكذلك تركيا وباكستان والسعودية وألمانيا. كما أشارت المجموعة في المقطع إلى أنها تمكنت من اختراق هاتف القتيل والوصول لمعلومات أثبتت أن نشاطه التجاري ما هو إلا غطاء لنشاط تجسسي يشتمل على جمع المعلومات، وتجنيد مصريين لصالح جهاز الموساد.

وفي مقابل هذه السردية، نشرت عدة صحف ووسائل إعلام إسرائيلية وغربية مقالات دعمت رواية أخرى تشير إلى أن كيبر قُتل في مصر لأسباب تتعلق بمعاداة السامية، في نفي غير مباشر للدعاوى التي أشارت لارتباطه بالحكومة والجيش الإسرائيليين، أو انخراطه في أنشطة داعمة للمصالح والممارسات الإسرائيلية. ومن بين تلك الصحف التي سوقت هذه الرواية "The Globe and Mail" و"Mivzak Live" و"Jewish News Syndicate" و"The Times of Israel" و"Cleveland Jewish News"، وغيرها.

مرفق 53 لقطات من تقارير وتغطيات نشرتها وسائل إعلام دولية وإسرائيلية حول الحدث، شملت صحفًا ومواقع إخبارية من كندا وإسرائيل والولايات المتحدة

لكن فريق "إيكاد"، وعبر هذا البحث المعمَّق، يكشف جانبًا آخر غيبته رواية "معاداة السامية"، ويُميط اللثام عن تعاون وثيق بين "زيف كيبر" وحكومة الاحتلال، كتبنّيه الأجندة الاستيطانية الإسرائيلية بالكامل، من خلال مشاريع البنى التحتية ودعم مساعي هجرة اليهود إلى إسرائيل، إضافة إلى دوره في تقديم دعم مالي ولوجستي للحكومة والجيش الإسرائيليين، وتنشيط التجنيد العسكري. 

من هو "زيف كيبر" قتيل الإسكندرية؟

"زيف كيبر" رجل أعمال أوكراني المولد، حامل للجنسيتين الكندية والإسرائيلية، نشأ في تورنتو بكندا، حيث حصل على البكالوريوس في إدارة الأعمال الدولية من جامعة "Seneca Polytechnic" أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

مرفق 54 صورتان شخصيتان لزيف كيبر.

يملك كيبر شركة "O.K Group" التي تأسست عام 2008، وتتخذ من مدينة الإسكندرية مقرًا رئيسيًا لها، ولها فروع في أوكرانيا وإسرائيل، وهي متخصصة في تجارة وتصدير الفحم والخضراوات والفواكه المجمدة، ويتفرع عنها أربع علامات تجارية هي: (O.K Frozen، Egypt Frozen، Egypt Fruits، وO.K Charcoal)". 

بدأ كيبر عمله في مصر منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، لكنه عاد للإقامة في إسرائيل في يناير/ كانون الثاني 2015، ورغم ذلك ظل يتردَّد على مصر -وتحديدًا على الإسكندرية حيث مقر شركته- خلال الفترة اللاحقة.

مرفق 55 منشور كيبر على "فيسبوك" يوثّق انتقاله للإقامة في إسرائيل.

كيبر يُفصح عن نفسه

بمراجعة أرشيف حساب كيبر على "فيسبوك" بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وجدنا أنه نشر العديد من المنشورات الداعمة للحرب على غزة، حيث وصف حماس بـ "الإرهاب"، وأيّد استهداف المستشفيات والمراكز الصحية. فبتاريخ الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أي بعد انطلاق "طوفان الأقصى" بيوم، شبَّه كيبر في منشور على "فيسبوك" عملية "طوفان الأقصى" بالغزو الروسي لأوكرانيا.

مرفق 56 منشور كيبر يشبّه طوفان الأقصى بالغزو الروسي لأوكرانيا.

وفي الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك كيبر مقطعًا مصوَّرًا تضمَّن إساءة لدين الإسلام، ووصف فيه حركة حماس بأنها "إرهابية إسلامية متطرّفة"، وشبَّهها بتنظيم "داعش" و"القاعدة" وحركة "طالبان".

وبتاريخ السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك مقطعًا مصوَّرًا آخر بثَّه إعلام الجيش الإسرائيلي بعنوان "Hamas Kids Terrorist Training Camps"، أي "مخيمات تدريب أطفال حماس الإرهابيين"، كنوع من التبرير لقتل الأطفال.

وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك "كيبر" جزءًا من مقابلة أجراها الإعلام العسكري للجيش الإسرائيلي مع أسرى فلسطينيين، عنوانها "The hospitals, most of them are hidden in the hospitals"؛ تضمَّنت اعترافات فلسطينيين قالوا بأنهم من قيادات حماس، وبأن مخازن الأسلحة والمئات من قادة المقاومة يختبئون داخل مشافي غزة وخاصة مشفى الشفاء. ولم تكن هذه المقابلة إلا جزءًا من الحملة الإعلامية الإسرائيلية الداعمة لاستهداف المشافي بحجة احتوائها على مخازن للأسلحة واتخاذها كمخابئ للمقاومة.

مرفق 57 منشور كيبر لفيديو الجيش الإسرائيلي عن مشافي غزة.

أرشيف أنشطة رجل الأعمال الإسرائيلي ورحلاته يكشف علاقته بإسرائيل

كشف تحليل البيانات المستخرَجة من حسابات كيبر بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي أنه قام بأكثر من 274 رحلة موثَّقة بين مارس/ آذار 2014 ويناير/ كانون الثاني 2024، شملت 19 دولة بينها الإمارات والأردن وإسرائيل وأوكرانيا. وجاءت مصر في المرتبة الأولى بـ 134 زيارة، تلتها إسرائيل بـ80 زيارة، ثم أوكرانيا بـ15 زيارة، فيما كانت آخر زيارة مُعلَنة وموثَّقة لإسرائيل في يونيو/ حزيران 2019.

 وقد شهدت الفترة بين يناير/ كانون الثاني ..  وديسمبر/ كانون الأول 2016 أعلى معدل موثق لرحلات تنقّله بين مصر وإسرائيل، قبل أن يستقر في مصر بعدها. وتتطابق هذه النتائج مع ما تضمَّنه مقطع "الفيديو" الذي نشرته المجموعة وأشار إلى تنقلات وصفتها بالـ "مشبوهة" بين عدة دول على رأسها الأردن وإسرائيل ومصر وأوكرانيا وألمانيا.

أما الغرض من تلك الرحلات المتكرّرة، فقد كشفه أرشيف حساب كيبر على "لينكد إن"؛ إذ وجدنا علاقات تجمعه بشخصيات إسرائيلية صادقت على مهاراته الشخصية، أحدها يُدعى "אורי אהלי / Uri Oholy"، ويُعرِّف نفسه على صفحته بأنه "ممثل خاص لمؤسسة Keren Hayesod-UIA الخيرية"، ويقيم في إسرائيل.

مرفق 60 حساب كيبر على "لينكدإن" — صفحة Uri Oholy.

وبالبحث في خلفية مؤسسة "Keren Hayesod-UIA"، تبيَّن أنها منظمة يهودية تجمع التبرعات لدعم التعليم اليهودي ومساعدة اليهود الفقراء في أوكرانيا، بحسب لقاء أجرته صحيفة "The Globe and Mail" الأمريكية مع Uri Oholy نفسه. 

وخلال اللقاء نفسه، أشار أوهولي إلى أن كيبر كان صديقه لأكثر من 15 سنة، وأنه كان "داعمًا بشكل هائل لإسرائيل والمجتمعات اليهودية في أوكرانيا"، و"أحد المتبرّعين المُخلصين لمشاريع المنظمة".

مرفق 61 تقرير "The Globe and Mail" يوم 8 مايو 2024.

إذن، كان كيبر أحد ممولي منظمة "Keren Hayesod-UIA" الرئيسيين، ولكن هل كانت أموال هذه المنظمة تذهب إلى دعم تعليم اليهود ومساعدة فقرائهم في أوكرانيا فقط، كما زعم "أوري أوهولي" Uri Oholy في لقائه مع الصحيفة، أم أن أنشطتها تتعدّى ذلك؟

أنشطة منظمة "Keren Hayesod-UIA"

قادنا البحث المعمَّق الذي أجريناه حول المنظمة إلى أنها مسجَّلة وتتمتع بقانون الحماية في ثلاث دول (بريطانيا ونيوزيلندا وإسرائيل) منذ تأسيسها في فبراير/ شباط 1956، وهي مسؤولة بشكل رئيسي عن جمع التبرعات لصالح إسرائيل في أكثر من 45 دولة، عبر أكثر من 57 حملة. وقد عرَّفت نفسها على موقعها بأنها "ذراع إسرائيل الأبرز" حول العالم لجمع التبرعات، وأنها الداعم الأول لمشروع "Aliyah" — أي "هجرة اليهود من دول الشتات إلى إسرائيل".

وبالتوازي مع تمويلها مشروع "Aliyah"، تبين أن منظمة "Keren" تمول برامج ومشاريع أخرى مرتبطة بشكل مباشر بالجيش الإسرائيلي. أحد أهم هذه المشاريع هو "Lone Immigrants Soldiers" (الجنود المهاجرون الوحيدون)، الذي يهدف إلى دعم جنود الجيش الإسرائيلي الشباب الحاملين لجنسيات أخرى ممَّن انتقلوا إلى إسرائيل في سن الخدمة العسكرية، حيث يشتمل الدعم المقدم على توفير فرص عمل، وتقديم منح مالية لمساعدتهم على الاندماج.

وهناك أيضاً مشروع "Mechinot" (أكاديميات القيادة قبل العسكرية)، الذي يهدف إلى تأهيل الشباب من الفئات المُصنَّفة بأنها عرضةً للخطر داخل إسرائيل مثل (الدروز والبدو والجنود المهاجرين الوحيدين، والمراهقين الأثيوبيين، واليهود الأرثوذكس). يشتمل التأهيل على دورات تعليمية تحضيرية لتعميق التزامهم تجاه المجتمع اليهودي والدفاع عن إسرائيل وتجهيزهم للخدمة العسكرية.

مرفق 67 صفحة مشروع "Mechinot".

تدعم المنظمة أيضًا مشروع "Urban and Rural Communities Establishment" (بناء المستوطنات)، وهو متخصص بشكل رئيسي في بناء المستوطنات للإسرائيليين داخل الأراضي المحتلَّة. وبحسب نتائج البحث، موَّلت المنظمة منذ تأسيسها مشاريع بناء أكثر من 900 مستوطنة والبنى التحتية الصناعية والتجارية والتعليمية المصاحبة لها في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلَّة. كما ترعى المنظمة مشروع "Development of National and Public Organization" المعني بتمويل مؤسسات حكومية إسرائيلية عديدة؛ مثل الخطوط الجوية الإسرائيلية "EL AL"، والجامعة العبرية، والجمعية الموسيقية الوطنية "The Israeli Philharmonic".

تجمع منظمة "Keren" التبرعات من رجال الأعمال اليهود والإسرائيليين، وتعقد فعاليات دورية حول العالم، إضافة إلى مؤتمر سنوي في إسرائيل لتكريم قادة إسرائيل. اللافت أن المنظمة قدَّمت في حفلها السنوي، الذي أقيم في  16 أبريل/ نيسان 2018، جائزة "إشيعيا" لـ"بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي. وهي جائزة تقدمها المنظمة حصريًا للقادة الذين يُسْدون خدمات كبيرة لإسرائيل. وخلال الكلمة التي ألقاها نتنياهو في المؤتمر ذاته، أشار إلى أن "منظمة Keren قدَّمت منذ عقود طويلة -ولا تزال- دعمًا كبيرًا لإسرائيل، لا سيما في مشاريع التهجير والاستيطان، وصناعة مستقبل إسرائيل"، حسب توصيف نتنياهو.

مرفق 70 نتنياهو في مؤتمر "Keren" السنوي — 16 أبريل 2018.

دور المنظمة في دعم الإبادة بغزة

تُعرّف منظمة "Keren" نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها واحدة من أكبر أربع منظمات صهيونية عالمية، تقدم الدعم للمشروع الصهيوني واليهود حول العالم، بجوار كل من "المنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية لإسرائيل" و"صندوق التمويل القومي اليهودي".

تحظى المنظمة بنفوذ بغطاء وعلاقات رفيعة مع قادة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تربط "سام غروندويرغ" الرئيس العالمي للمنظمة علاقة وثيقة بكل من إسحاق هرتسوغ، الرئيس الإسرائيلي، ونتنياهو رئيس الوزراء. إضافة لذلك، يرتبط «ستيفن لوي» رئيس مجلس أمناء المنظمة بعلاقة وثيقة مع مسؤولين إسرائيليين. 

 وتجدر الإشارة أن "ستيفن لوي" هو ابن "فرانك لوي" أحد  قادة منظمة الهاغاناه العسكرية الصهيونية المتطرفة،  المسؤولة عن ارتكاب عمليات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين عام 1948، والموصوفة بالتنظيم الصهيوني العسكري الأكثر إرهابًا خلال القرن الماضي، والتي أصبحت لاحقًا نواة الجيش الإسرائيلي بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948

مرفق 71 توثيق لاجتماع رسمي في مقر الرئاسة الإسرائيلية، إلى جانب عرض معلومات تعريفية حول الوكالة اليهودية ومكانتها ضمن المؤسسات القومية الإسرائيلية.

ومنذ بدء معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى منتصف يناير/ كانون الثاني 2024، قدَّمت المنظمة أكثر من 190 مليون دولار لإسرائيل ضمن سبع حملات طارئة هدفت لدعم الحكومة والجيش الإسرائيلي، بحسب صحيفة "The Jerusalem Post" الإسرائيلية. 

وقد خصَّصت المنظمة لتلك الحملات قسمًا خاصًا على موقعها الإلكتروني الرسمي حملَ اسم "Swords of Iron War" (حرب السيوف الحديدية)؛ وهو ذات الاسم الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي على حملته العسكرية على قطاع غزة. وتضمَّنت تلك الحملات تقديم الدعم للحكومة الإسرائيلية وجنود الجيش، وللبلديات الإسرائيلية والمستوطنين في مستوطنات جنوب وشمال إسرائيل وفي محيط قطاع غزة، بجانب دعم الخدمات الطبية وتجهيزات الحماية، وتوفير الملاجئ.

الخلاصة

تبنّت مجموعة -سمّت نفسها: "مجموعة الشهيد محمد صلاح طلائع التحرير"- عملية اغتيال رجل الأعمال الإسرائيلي "زيف كيبر" في مدينة الإسكندرية بمصر، معللة ذلك بضلوعه في أنشطة استخباراتية لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي. وفي المقابل، قدمت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية الحادث باعتباره مدفوعًا بـ "معاداة السامية"، في نفي غير مباشر لأنشطة كيبر.

لكن البحث الذي أجراه فريق "إيكاد" يثبت أن كيبر كان  أحد "المتبرعين المخلصين" لمشاريع منظمة تتبنى مشاريع تخدم جيش الاحتلال بشكل مباشر، وتدعم المشاريع الاستيطانية، وهو ما لا يتوافق مع الصورة التي قدمته بها وسائل إعلام غربية وإسرائيلية.