أقدم ملاعب غزة.. من شاهد على البطولات إلى ساحة للدمار والنزوح

خبر

أقدم ملاعب غزة.. من شاهد على البطولات إلى ساحة للدمار والنزوح

18/6/2026

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار صوب الملاعب المستضيفة لكأس العالم في أمريكا وكندا والمكسيك، يوثّق فريق "إيكاد" وجهًا آخر للحرب في غزة؛ إذ تحوّل ملعب "اليرموك"، أحد أبرز الملاعب التاريخية في المدينة، من مساحة رياضية احتضنت مباريات وبطولات، إلى مساحة تملؤها الخيام وتؤوي نازحين.

وكان الملعب، وفق توصيف بلدية غزة، "المقرّ الرسمي لعدد من الأندية الرياضية المحلية" في المدينة، واحتضن مباريات الدوري الفلسطيني الممتاز والبطولات الرسمية، قبل أن يطاله الدمار والتهجير اللذان يفرضهما الاحتلال على القطاع في ظلّ حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ عام 2023.

من أرضية خضراء إلى خيام

تكشف المقارنة بين صور الأقمار الصناعية الملتقطة للملعب على مدار سنوات كيف حلّت الخيام مكان الأرضية الخضراء؛ ففي صورة عام 2022، أي قبل حرب الإبادة، يظهر الملعب بمضماره الأحمر ومساحته الخضراء واضحَين. وفي صورة عام 2026، تغطّي الخيام ومنشآت الإيواء كامل مساحة الملعب تقريبًا.

قبل
بعد

وتؤكّد صور القمر الصناعي "سنتينل-2" (Sentinel-2) المسار نفسه؛ إذ يظهر مستطيل الملعب الأخضر واضحًا في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2022، ويتلاشى تمامًا في صورة 13 يونيو/ حزيران 2026، لتحلّ محلّه مساحة بلون التراب.

في حين تُتيح لقطتان أوسع رؤية محيط الملعب قرب "بنك القاهرة عمّان" و"مركز القطان للطفل"؛ إذ يتوسّط الملعب حيًا سكنيًّا قائمًا عام 2022، بينما يبدو المحيط عام 2026 وقد طاله الدمار على نطاق واسع.

قبل محيط الملعب والنسيج السكني عام 2022
بعد المحيط نفسه وقد طاله الدمار عام 2026

ويُعدّ ملعب "اليرموك"، الذي تأسّس عام 1952 واتسع لآلاف المتفرجين واحتضن مباريات وبطولات محلية، واحدًا من أقدم الملاعب في فلسطين ومن علامات الحياة الرياضية في غزة قبل الحرب. لكن صوره بين عامَي 2022 و2026 تكشف تبدّل وظيفته بالكامل؛ من أرضية خضراء ومدرجات وجمهور ولاعبين، إلى مساحة خيام ومدينة إيواء لعائلات نازحة. 

لا توثّق صور "اليرموك" تغيّر معلم رياضي واحد فحسب، بل تختصر تحوّلًا أوسع أصاب البنية الرياضية والحياة المدنية في القطاع؛ إذ صارت الملاعب في غزة شاهدة على الدمار والنزوح، بدلًا من أن تكون ساحات للرياضة والبطولات.

"إيكاد" تفكك نشاط ميليشيا المنسي في مناطق سيطرة الاحتلال شمال غزة

مقال

"إيكاد" تفكك نشاط ميليشيا المنسي في مناطق سيطرة الاحتلال شمال غزة

30/11/2025

بعد عدة أشهر من ظهور ميليشيا "ياسر أبو شباب" جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في بداية سبتمبر/ أيلول 2025، أعلن أشرف المنسي -المكنى بـ "أبو الكاسر"- تأسيس ميليشيا جديدة شمال القطاع، سماها "الجيش الشعبي - قوات الشمال". وقد شُكّلت المجموعة -بحسب وسائل إعلام فلسطينية- من ذوي السوابق في قضايا المخدرات والسرقة والفساد.

وفي حسابه المعلن على "فيس بوك"، نشر أبو الكاسر عددًا من المقاطع والصور تجمعه مع عناصر مجموعته مسلحين ملثمين، وفيها يحرض الشعب الغزاوي على فصائل المقاومة الفلسطينية. وفي إطار متابعتنا للواقع الميداني والإنساني بغزة، قرر فريق "إيكاد" تتبع الميليشيا، في محاولة لفهم هيكليتها ورصد أبرز عناصرها وأماكن تواجدها وطريقة نشاطها، فضلًا عن ارتباطاتها.

مرفق 01 نماذج من منشورات أشرف المنسي (أبو الكاسر) على فيسبوك

من أبرز عناصر الميليشيا؟


بدأ التحقيق من حساب المنسي على الفيسبوك، حيث وصلنا من خلاله -عبر التحليل اليدوي والبحث عبر الأدوات المتخصصة- إلى حسابات عدد من أبرز عناصر الميليشيا، وفي مقدمتهم العنصر الذي يُعتقد أنه الرجل الثاني في المجموعة؛ أحمد عبد الكريم السماعنة، الذي أعدمت المقاومة والده، مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، بتهمة "الخيانة والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي". 

وبعدها، تبرأت قبيلة "السواركة" من عبد الكريم وأبنائه الثلاثة: أحمد ومحمد ومحمود، ونعتتهم بأنهم "خانوا عهد الله ودماء الشهداء"، متهمة إياهم بـ "التورط في تسليم المقاومين الأبطال والتسبب في استشهاد عدد منهم".

ومن خلال تتبع حساب أحمد السماعنة على فيسبوك، المسمى "طرف خير - أبو رمزي"، رصدنا صورًا ومقاطع متعددة لتدريبات المجموعة المسلحة، يظهر فيها السماعنة بجانب المنسي باستمرار، ما يعزز من احتمالية كونه نائب قائد الميليشيا، كما هو الحال بالنسبة لغسان الدهيني في ميليشيا "ياسر أبو شباب" المتمركزة في منطقة رفح جنوب القطاع.

مرفق 02 حساب أحمد عبد الكريم السماعنة على فيسبوك

كما توصلنا إلى حساب آخر باسم "محمود السماعنة"، الذي يُعتقد أنه شقيق أحمد عبد الكريم السماعنة (أبو رمزي)، دأب على نشر صور له وهو ملثم مسلح، برفقة عدد من العناصر المسلحة. كما أنه يكتب متوعدًا حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ويتفاعل بإيجابية مع منشورات "أبو الكاسر"، قائد الميليشيا.

مرفق 03 نماذج من منشورات حساب "محمود السماعنة" على "فيسبوك"

ومن خلال التتبع اليدوي لحسابات القادة، توصل الفريق إلى صفحة الميليشيا الرسمية على "الفيس بوك"، المسماة "الجيش الشعبي - محافظة الشمال"، التي تبين أنها أُنشئت مؤخرًا، وتحديدًا في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

ومنذ ذلك الحين، تدعو الصفحة أهالي قطاع غزة إلى الانخراط في نشاطات الميليشيا، عبر الإعلان عن طلبات توظيف أو تطوع في الجانب العسكري، أو المشاركة ضمن فرق الدعم والإغاثة.

لم يتمكن الفريق من الحصول على معلومات إضافية من منصة الفيسبوك، ولذا استكمل البحث في منصات أخرى، وهو ما أوصلنا إلى حسابات القائد ونائبه على منصة "تيك توك"؛ حيث يعود حساب "قوات الشمال - أبو الكاسر" لأشرف المنسي، و"أبو رمزي" لأحمد السماعنة.

مرفق 09

ومن خلال رصد التفاعلات مع الحسابين، ظهر للفريق حساب لأحد أبرز عناصر الميليشيا؛ وهو "علي أبو صبيح"، المنحدر من عشيرة "الرميلات"، والمعروف بنشاطه المناصر للميليشيا على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما منصة "تيك توك"، إذ رصدنا في حسابه عددًا من المقاطع والصور التي استندنا إليها في هذا التحقيق.

كما توصلنا -عبر تحليل التفاعلات مع حسابات القادة- إلى شبكة من الحسابات المناصرة، التي تلعب دورًا في الترويج لعناصر الميليشيا وتضخيم التفاعل مع منشوراتهم، في محاولة لتشكيل رأي عام داعم لهم عبر منصات التواصل، أو تجنيد أفراد جدد. 

مرفق 14 شبكة الحسابات المتفاعلة مع حسابي المنسي والسماعنة على "تيك توك" (إيكاد)

وتشمل هذه الشبكة حسابات وهمية، وأخرى حقيقية. ومن بين أبرز هذه الحسابات أبو آدم شعبان، ومالك، وقوات الشمال، وعقيد الشمال. وجُلُّ نشاطها قائم على مهاجمة حماس وشيطنتها، والترويج للميليشيا.

أين تتمركز ميليشيا المنسي؟

وبعد رصد حسابات الشبكة وأبرز قيادييها وبعض عناصرها ومناصريها، انتقل فريق "إيكاد" إلى تحليل المحتوى الذي نشرته هذه الحسابات، لا سيما تلك التي تخص قادة الميليشيا.

ومن ذلك تعرفنا على المنطقة التي يتمركز فيها نشاط المجموعة المسماة بـ "الجيش الشعبي". إذ نشر حساب "أبو الكاسر" -على تيك توك- مقطعين مصورين من نقطة مرتفعة يومي 26 و29 سبتمبر/ أيلول 2025، وفيهما تظهر عربات جيب تتحرك حول المنطقة التي يتمركزون فيها.

مرفق 19

وبتحليل المعالم الجغرافية الظاهرة في المقطعين، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين للفريق أن أشرف المنسي (أبو الكاسر) صوّر المقطعين من فوق مبنى مدرسة "عزبة بيت حانون الابتدائية"، بجوار أبراج الندى شمال القطاع، عند الإحداثيات: "31.54759106754087, 34.518182555575095".

مرفق 20 تحديد الموقع الجغرافي الذي صور منه أشرف المنسي مقاطع الفيديو المنشورة على صفحته (إيكاد)

لاحظ الفريق أن الزاوية التي التُقط منها المقطعان السابقان مشابهة لتلك التي صُور منها مقاطع أخرى نشرها "أبو رمزي" بتاريخ 9 سبتمبر/ أيلول 2025، حيث وثق من خلالها تحركات عدد من عربات الجيب. وبذات الوسيلة التحليلية السابق ذكرها، تبين لنا أن تلك المقاطع ملتقطة من نفس المكان الذي صورت منه التسجيلات التي نشرها أشرف المنسي؛ أعلى مدرسة "عزبة بيت حانون الابتدائية".

مرفق 21 تحديد الموقع الجغرافي الذي صور منه أحمد السماعنة مقاطع الفيديو المنشورة على صفحته (إيكاد)

ولزيادة التحقق من موقع نشاط الميليشيا، حلّل الفريق مقطعًا آخر صوره "أبو صبيح" من داخل سيارة يستقلها. ومن خلال التحليل البصري للمعالم الظاهرة في الفيديو، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين أنه كان يتحرك بالقرب من خزان مياه مقابل أبراج الندى، بين بيت حانون وبيت لاهيا، وبالتحديد عند الإحداثيات: "31.550332545914515, 34.523902116346854".

وبقياس المسافة بين هذا الخزان والمدرسة التي نشر منها المنسي والسماعنة مقاطعهما، وجدنا أنها تبلغ نحو نصف كيلومتر فقط.

مرفق 24 قياس المسافة بين الخزان ومدرسة "عزبة بيت حانون الابتدائية" (Google Earth)

وبالنظر إلى الخريطة الكلية للقطاع، وجدنا أن كلا الموقعين -المدرسة والخزان- يقعان خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، الذي يفصل عمليًا بين المنطقة التي يتواجد بها حاليًا أهالي غزة والمنطقة التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي.

مرفق 25

واستنادًا إلى هذين الموقعين، ومواقع أخرى استخلصها الفريق من مقاطع نشرتها الحسابات التابعة للميليشيا، أعد فريق "إيكاد" خريطة ميدانية تكشف نطاق تحرك المنسي ومجموعته، حيث يتركز في منطقة "أبراج الندى" و"العودة"، وتحديدًا عند منطقة "عزبة بيت حانون" شمال القطاع، وهو ما يعني أن الميليشيا تتمركز داخل مناطق سيطرة الاحتلال.

مرفق 26 خريطة ميدانية لنطاق تحركات ميليشيا "الجيش الشعبي" خلف الخط الأصفر شمال قطاع غزة (إيكاد)

يتميز الموقع الذي تتمركز فيه المجموعة بارتفاع جغرافي مُطِلّ على بيت لاهيا والقرية البدوية ومعسكر جباليا، وهو ما يمنحها إمكانية تنفيذ هجمات على مواقع المقاومة في المناطق الثلاث، مع ميزة تكتيكية هامة تتمثل في القدرة على الهروب السريع نحو مناطق سيطرة الاحتلال خلف الخط الأصفر. وهو ما يشير إلى علاقة تبادلية تعاونية بين الميليشيا الناشئة والاحتلال الإسرائيلي ضد الفصائل الفلسطينية.

مرفق 27

ومما يعزز من هذه النتيجة أن المنطقة التي تتخذها ميليشيا "الجيش الشعبي" موقعًا لها كانت حتى شهور معدودة موقعًا لإيواء النازحين. حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية أن المنطقة المقابلة للمدرسة التي يتموقع فيها المنسي ومجموعته كان يوجد بها ما يبدو أنه خيام للنازحين، حتى أزيلت نهاية مارس/ آذار 2025. ومنذ ذلك الحين، سيطر الاحتلال على المنطقة حتى قدوم الميليشيا بداية سبتمبر/ أيلول 2025. 

وبالتزامن مع ذلك، كشفت صور الأقمار الصناعية وجود أعمال تجريف وتمهيد طريق باتجاه مدرسة "أحمد الشقيري"، المجاورة لمدرسة "عزبة بيت حانون"، التي رصدنا تمركزهم فيها أعلاه، فيما بدا كمحاولة لتسهيل حركة المجموعة.

التواجد داخل الأراضي المحتلة

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الأمر لم يقتصر على التمركز داخل أراضي غزة الواقعة تحت سيطرة الاحتلال حاليًا، بل تجاوز إلى التواجد داخل المناطق المحتلة ذاتها، وهو ما خلص إليه تحليل سابق لفريق "إيكاد".

ففي مساء الأربعاء 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نشر أبو رمزي على حسابه في "تيك توك" مقطعًا مصورًا داخل سيارة، يُرى من نوافذها لافتات عبرية. وبمقارنة المشاهد الظاهرة في الفيديو عبر نظام "ستريت فيو" (Street View) من خرائط "غوغل"، حدّد الفريق المسار داخل الأراضي المحتلة، وتحديدًا في شارع "إلياهو ناوي" (Eliyahu Nawi) بمدينة "بئر السبع".

التنسيق بين الميليشيات في إطار مشروع "غزة الجديدة"

وبعيدًا عن المواقع الجغرافية التي تتمركز فيها المجموعة، رصد الفريق صورة تجمع غسان الدهيني -نائب قائد ميليشيا "ياسر أبو شباب" النشطة في جنوب القطاع- مع أشرف المنسي وأحمد السماعنة، قبيل الهدنة بعدة أيام. 

مرفق 33

واللافت أن هذه الصور التُقطت في ذات المدرسة التي تتمركز فيها مجموعة المنسي شمال القطاع (مدرسة عزبة بيت حانون). وهو ما يعني أن الدهيني انتقل من أقصى جنوب غزة إلى شمالها ليجتمع بالمنسي في منطقة واقعة تحت سيطرة الاحتلال. الأمر الذي يشير إلى تنسيق وتعاون بين ميليشيا الجنوب والشمال، تحت عين الاحتلال.

وهو ما يطرح التساؤل حول حقيقة الأدوار التي تضطلع بها هذه المجموعات، ويفتح الاحتمالات بأنها لن تعمل كحركات منفردة، بل ضمن منظومة وظيفية أوسع تعيد تشكيل خارطة النفوذ الميداني في إطار مشاريع الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تقويض المقاومة، وفرض وقائع ميدانية جديدة تدعم مشروع "غزة الجديدة"؛ القائم في مرحلته الأولى على تثبيت السيطرة الإسرائيلية داخل نطاق الخط الأصفر، حيث تتمركز مليشيات المنسي وأبو شباب.

وتتلاقى هذه النشاطات الميدانية مع تحركات سياسية أوسع؛ إذ صوّت مجلس الأمن الدولي لصالح قرار صاغته واشنطن يؤيد خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المؤلفة من 20 نقطة بشأن غزة، والتي تتضمن إنشاء قوة دولية "للاستقرار" بمشاركة دولية لم تُسمّها الولايات المتحدة. 

وفي المقابل، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز"، في تقرير لها منتصف نوفمبر/ تشرين الأول 2025، عن معارضة دول عربية للمقترح الأمريكي الرامي لإعادة بناء "غزة الجديدة" داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية خلف "الخط الأصفر". وبالموازاة مع هذا الرفض، نقلت وسائل إعلام عن صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية خطة أمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية قرب حدود قطاع غزة؛ بدعوى الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار.

ومما يعزز من احتمال ضلوع الميليشيات في هذا المخطط السياسي هو التصريح العلني الذي أيدت فيه ميليشيا أبو شباب العمل في إطار الاشتراك المباشر مع "مجلس السلام"، وهو ذاته الكيان السياسي المذكور في خطة ترامب؛ والتي تقضي بنزع سلاح فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، لإحلال واقع أمني جديد يقع تحت الوصاية والإشراف الدوليين.   

مرفق 36

الخلاصة

في هذا التحقيق، تتبع فريق "إيكاد" شبكة من حسابات أبرز عناصر ميليشيا "الجيش الشعبي - قوات الشمال"، بقيادة أشرف المنسي. ومن خلال المحتوى المنشور عليها، تمكن من تحديد المنطقة الجغرافية التي تتمركز فيها المجموعة، والتي تبين أنها تقع بالكامل تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي خلف الخط الأصفر.

كما رصد زيارة غسان الدهيني -نائب قائد الميليشيا النشطة في أقصى جنوب القطاع- للقاء قيادات ميليشيا المنسي المتموضعة في شمال غزة، تحت بصر الاحتلال، يشي باحتمالية وجود منصة تنسيقية تربط بين الميليشيات الناشئة قد تتوسع مستقبلًا لتشكل جبهة متصلة بين شمال القطاع وجنوبه، سعيًا لفرض واقع جديد يتسق مع الخطط الإسرائيلية، عبر تأسيس كيانات موازية لحركة حماس وفصائل المقاومة، وهو ما قد يعيد تشكيل ميزان القوى ويعقد المشهد الوطني والميداني داخل غزة.

إيكاد تكشف شبكة من جنود وحدة الاستطلاع الصحراوية "585" في غزة

تحقيق

إيكاد تكشف شبكة من جنود وحدة الاستطلاع الصحراوية "585" في غزة

28/4/2025

عند تخوم بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، فجّر مقاتلو "كتائب القسام"، في 19  أبريل/ نيسان 2025، عبوة ناسفة في جيب عسكري إسرائيلي ضمن كمين "كسر السيف"؛ أسفر عن مقتل جندي وإصابة خمسة آخرين. وأعلن إعلام الاحتلال -ممثلًا في صحيفة "معاريف" وموقع "i24"- أن الجندي القتيل هو الرقيب أول، غالب النصاصرة.

لفت انتباهنا اسم الجندي القتيل ذي الأصول العربية، الذي كشفت صحيفة "معاريف" أنه عمل متعقبًا وقصّاص أثر في اللواء الشمالي بفرقة غزة لمراقبة المنطقة الفاصلة، ضمن "وحدة الاستطلاع الصحراوية" المؤلَّفة من بدو النقب.

وحسب المصادر العبرية، نشأت هذه الوحدة قبل نحو 37 عامًا، وتتْبع تنظيميًا لـ"لواء جفعاتي"، ونشطت بكثافة في محاور رفح وخان يونس ونتساريم وجباليا، متخذة من "النسر" شعارًا لها، إلى جانب راية ميدانية مكتوب عليها باللغة العربية "بدو".

مرفق 37 شعار وحدة الاستطلاع الصحراوية "585"

ومن هذه الخلفية العسكرية، انطلق فريق "إيكاد" محاولًا تقصّي أثر هذه الوحدة أو أيٍّ من عناصرها، سعيًا لمعرفة نشاطاتها داخل قطاع غزة، ومدى انخراط الجنود العرب في الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق أهالي القطاع.

وبينما كان يرصد فريق التحقيقات في "إيكاد" جرائم جنود الاحتلال الموثّقة على وسائل التواصل الاجتماعي، وجد من بينهم حساب جنديٍّ عربي يدعى علي أبو فريحة. وبرصد تفاعلات الحساب وتحليل شبكته الرقمية، توصل الفريق إلى حساب جندي ثان اسمه حمزة، الذي وصلنا من خلاله إلى الثالث، محمد شبانة. وهي الحسابات الثلاثة التي شكّلت الخط الرئيسي لهذا التحقيق، نظرًا للأرشيف الرقمي الكبير الذي حوَته.

الجنود الثلاثة في وحدة الاستطلاع الصحراوية

يقدّم علي أبو فريحة نفسه على حسابه في "إنستغرام" جنديًا في الوحدة. وبتفحّص منشوراته، رصد الفريق رايتها المكتوب عليها "بدو" ترفرف في صوره، وما يشير إلى أنه برتبة رائد فيها، فيما يرفع علم الاحتلال في معظم ما يصوّر.

أما الجندي الثاني، حمزة، فتكشفه شارة وحدة الاستطلاع الصحراوية على كتفه. وبالبحث في حسابه، عثر الفريق على شهادة دورة إسعاف ميدانية حملت اسمه وصورته وشعار الوحدة 585. كما أنه أعاد نشر تقرير تلفزيون "مكان" عن الوحدة بعد اقتطاع جزء منه، في تلميح إلى أنه أحد الظاهرين فيه.

والجندي الثالث، محمد شلابنة، فقادت إليه التعليقات المتبادلة مع حمزة، وحالات نشراها معًا للمقاطع ذاتها، وتظهر فيها راية الوحدة 585. واكتملت حلقة الشبكة حين كشف التتبّع علاقة علي بحمزة في مقطع مشترك لاقتحام منزل واحد بخان يونس، نسبه حمزة إلى الوحدة.

بهذه الخيوط، اجتمعت ثلاثة حسابات حول راية واحدة وشارة واحدة وشهادة تحمل اسم الوحدة، وربطتها إشارات وتعليقات ومقاطع مشتركة، لتتشكل أمام الفريق شبكة حسابات لجنود من وحدة 585. فما الذي وثّقناه من محتوى هذه الحسابات؟

التمركز والتفاخر داخل المدن

في الجنوب، تُظهر صفحة علي أبو فريحة حضوره اليومي داخل مدينة رفح. نشر علي مقاطع فيها شتائم نابية وحركات بذيئة، موجهة -حسب المؤشرات- للفلسطينيين. وبعد مقتل رئيس المكتب السياسي لحماس يحيى السنوار في معارك رفح، حيث كان علي وفرقته، وضع علامة على صورة السنوار في ملصق لقادة الحركة.

كما استعرض أبو فريحة سلاحًا مذَخّرًا من خلف ساتر ترابي في رفح، موجّهًا إياه نحو المربعات السكنية، كما وثّق صفائح ذخيرة كُتب عليها "غزة كرم أبو سالم". وأرفق مقاطع لإطلاق نار عشوائي، أحدها في 24 يوليو/ تموز 2024 على رفح التي اجتاحها الاحتلال في مايو/ آيار 2024، وصوّر دبابة ميركافا تطلق قذيفة مدفعية دون إظهار هدفها.

وتَظهر نبرة الاحتفاء في مقاطع أخرى لعلي؛ إذ نشر إطلاق نار قرب السياج الفاصل، وأرفقه بـ "إيموجي" مبتسم وقلوب وعلامة موسيقية، في تقديم لصوت الرصاص كأنه مادة للبهجة. ثم كرّر المشهد في خان يونس وسط قنابل مضيئة، وأطلق النار ليلًا من بندقية "إم 4" باتجاه أحد المنازل، وأرفق المقطع بعبارة "تصويب جيد"، بما قد يوحي بتدريب أو رمي حي في بيئة مدنية.

ولم يكن علي أبو فريحة وحده؛ فحمزة يتموضع هو الآخر ببندقيته أمام راية الوحدة في رفح، وفي مقطع آخر كتبَ عليه "أخيرًا نوبة"، إشارة إلى انتظار دوره في المناوبة داخل أحد المواقع العسكرية، بما يعكس نمط التفاخر نفسه بالانتماء إلى الوحدة وحضورها الميداني.

الآليات والتوغّل

وثّقت حسابات الشبكة حضور الآليات الثقيلة في مسار التوغّل داخل القطاع. حيث صوّر أبو فريحة دبابات الاحتلال أثناء دخولها رفح، ودبابة ميركافا أخرى قرب معبر كرم أبو سالم، كما نشر مشاهد لتوغّل تتقدّمه جرافات "دي 9" وناقلة جند، وظهر داخل مدرعة أثناء اقتحام.

وفي السياق ذاته، نشر حمزة مشاهد لدبابتي ميركافا تتقدّمان نحو القطاع، ومروحية تهبط قرب الآليات، ولقطات من داخل دبابات كُتب عليها "غزة"، إلى جانب مقاطع توثق حضوره في معارك خان يونس.

حرق المزارع

ومن رفح، وثّق أبو فريحة حرائق في بيوت وأراضٍ زراعية، أرفق أحدها بأغنية لـ"حمود الرغد" ذات طابع هجومي، وكرّر مشاهد إحراق الأرض وتدمير ما حولها -وهو سلوك تكرّر طوال الحرب لاستخدام الجوع سلاحًا- وصولًا إلى مقطع في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لأرض محترقة يتصاعد منها الدخان.

مرفق 75 حريق في أراضٍ زراعية صوّره علي أبو فريحة

تدمير المنازل واستهدافها

ينقل توثيق محتوى الشبكة المشهد من الأرض إلى البيوت. ففي حي النصر بمدينة غزة، نشر أبو فريحة صور هدم وتجريف ودخان، ودمارًا واسعًا في حي آخر ذيّله بإشارة يد ساخرة، واستهدف -رفقة زملائه- أحد المنازل في خان يونس، وهو المنزل ذاته الذي ظهر في مقطع حمزة المشترك.

وفي مقطع وثّق فيه حمزة توغّلًا للجيش، يتصاعد الدخان من الأبنية، ويتمترس جنود الوحدة داخل منازل الغزّيين موجّهين أسلحتهم من نوافذها نحو الأبنية والأزقة، دون وجود ما يدل على "خطر مباشر".

مرفق 80 مشاهد متتالية يوثق فيها الجندي تمترس جنود وحدة الاستطلاع في جيش الاحتلال في منازل الغزيين

ثم يتصاعد التوثيق مع حمزة إلى مشاهد أكثر خطورة؛ صاروخ محمول على الكتف يستهدف مبنى سكنيًا، أرفقه بأغنية تقول "مفيش عصفور بيعادي نسور". ويلي ذلك توثيق تفخيخ منازل تمهيدًا لنسفها، ثم إحراق منازل أخرى بعد اقتحامها، لضمان عدم استفادة أهلها منها حال عودتهم.

الدروز إلى جانب البدو

وفي أحد المشاهد التي رصدنا من حساب حمزة، تمترست آليات الاحتلال بين المنازل المدنية للتحصّن بها. كما أظهر المقطع مشاركة جنود دروز في القتال إلى جانب البدو داخل القطاع.

مرفق 83 مشاهد تُظهر جنديًا يرفع علم الدروز على سطح في غزة، وآخر يتخذ موقعًا للرماية من نافذة منزل وهو يضع العلم على كتفه.

الكلاب البوليسية

وأظهر مقطع آخر لحمزة كلبًا بوليسيًا من تلك التي تستخدمها وحدة "عوكيتس"، كُتب عليه "معبر رفح". وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد وصف، في يونيو/ حزيران 2024، استخدام الجيش الكلاب لمهاجمة المدنيين في القطاع ونهشهم بأنه سلوك ممنهج وواسع النطاق.

مرفق 84 كلب بوليسي داخل مركبة عند معبر رفح

تأمين القدس

لم يقتصر حضور الشبكة على غزة؛ فعلى حسابه وثّق حمزة وجوده في مدينة القدس يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وشهد المسجد الأقصى في ذلك الشهر مخاطر غير مسبوقة خلال موسم "الأعياد اليهودية" الممتد حتى 25 من ذات الشهر؛ ما يرجّح أنه كان ضمن قوات تأمين اقتحامات الأقصى.

مرفق 85 حمزة في مدينة القدس قرب المسجد الأقصى

انتهاكات شمال غزة

وعند الحديث عن الجندي الثالث، محمد شلابنة، ينتقل التوثيق شمالًا. ففي مقطع نشره في 18 مارس/ آذار 2025، تظهر دورية للاحتلال وهي تسير على شارع الرشيد الساحلي. ومن لقطة عابرة في خلفية الفيديو، التقط الفريق لوحة محل كُتب عليها "Q Cafe"، وجعلها نقطة انطلاق للتحقق الجغرافي.

وبالبحث العكسي عن اللوحة عبر "خرائط غوغل"، ثم مطابقة واجهة المحل وخط الساحل مع صور الأقمار الصناعية، حدّد الفريق الإحداثيات بدقة عند "31.501783450294052, 34.413358399238454". حيث يقع الموقع على مسافة تقارب 600 متر من الرصيف العائم الذي أنشأته الولايات المتحدة عام 2024، وعلى محور نتساريم الذي فصل شمال القطاع عن جنوبه.

مرفق 86 تحديد موقع  "Q Cafe" من خرائط "غوغل" والإحداثيات

ومن الشمال أيضًا وثّق محمد دمارًا هائلًا في حي سكني شارك في اقتحامه، ومسير جندي تتصاعد خلفه أعمدة الدخان، في مشاهد بدا منها تباهيه بالدمار.

مرفق 87 جندي يسير وعمود دخان خلفه في غزة

التورط في "خطة الجنرالات"

وفي مقطع آخر، يتجوّل جنود الوحدة قرب ثلاث مدارس إيواء متجاورة في معسكر جباليا، وقد بدت آثار الحرق والدمار واضحة على مبانيها. وبمقارنة معالم الفيديو، من المباني وزواياها إلى خطوط الشوارع، مع صور الأقمار الصناعية، طابق الفريق المشهد وحدّد موضعه في الشارع الخلفي لمدارس السوق.

وتقع المدارس ضمن نطاق دُمّر خلال معركة جباليا الثالثة، في سياق "خطة الجنرالات" الرامية إلى تفريغ شمال القطاع من سكانه، وهي مرحلة شهدت تصعيدًا أوسع في تدمير مناطق الإيواء والبنية المدنية مقارنة بمراحل سابقة من الاجتياح. وعلى نهج رفيقيه في الجنوب، صوّر شبانة مع جندي آخر مشهدًا يطلقان فيه النار عشوائيًا.

خريطة التواجد داخل القطاع

واستنادًا إلى المعالم الظاهرة في المقاطع والوسوم المرفقة بها، رسم الفريق خريطة لحضور الجنود الثلاثة داخل القطاع؛ من رفح وخان يونس ومعبر كرم أبو سالم جنوبًا، إلى محور نتساريم ومخيم جباليا شمالًا.

وتثبت توثيقات الشبكة حضور الجنود الثلاثة في هذه المواقع، وتعرض أفعالًا مصوّرة تشمل التوغّل، وإطلاق النار نحو مناطق سكنية، وحرق الأراضي والبيوت، والتمترس بين منازل المدنيين ومدارسهم. 

الخلاصة

من مقتل غالب النصاصرة في كمين بيت حانون، قاد الخيط فريق "إيكاد" إلى وحدة الاستطلاع الصحراوية 585، ومنها إلى شبكة من ثلاثة حسابات تجمعها راية الوحدة وشارتها وعلاقات رقمية متبادلة؛ علي أبو فريحة وحمزة في الجنوب، ومحمد شلابنة في الشمال.

وقد برهن التحقيق على أن الانتهاكات المصورة لا تمثل تصرفات فردية، بل تكشف عن عقيدة عملياتية موحدة تتحرك من خلالها "وحدة الاستطلاع الصحراوية 585". وتحولت المقاطع التي بثها الجنود الثلاثة بأيديهم من مباهاة افتراضية رقمية إلى شهادات إدانة قانونية تضعهم تحت طائلة القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.  

وإذ توثق المواد تهجيرًا قسريًا، وإطلاقًا عشوائيًا للنيران، وتدميرًا واسعًا للمنازل والمزارع، واستهدافًا للمنشآت الأممية ومراكز التعليم، فإنها تشكل أركانًا متكاملة لجرائم حرب وتطهير عرقي ارتكبها مجندون عرب بحق من يشاركونهم الأرض والأصل داخل قطاع غزة.