"إيكاد" توثّق تنسيق ميليشيات الهجري مع الاحتلال الإسرائيلي

مقال

"إيكاد" توثّق تنسيق ميليشيات الهجري مع الاحتلال الإسرائيلي

20/4/2026

نشر المقاتل الدرزي، حسام درويش، نهاية يناير/ كانون الثاني 2026، مقطعًا مصورًا ظهر فيه بكامل عتاده العسكري في السويداء. ورصدت الكاميرا في إحدى اللقطات مروحيتين عسكريتين تحلّقان في السماء، بالتزامن مع تحدثه عبر جهاز لاسلكي ومراقبته للمسار الجوي.

تزامن هذا الظهور مع تقارير صحفية تواترت طوال أشهر حول تقديم الاحتلال الإسرائيلي دعمًا عسكريًا للميليشيات المحلية في السويداء، بموازاة توغلات ميدانية شبه يومية في الجنوب السوري. ومع ذلك، ظلّ الدليل البصري المباشر على هذا التنسيق غائبًا.

مرفق 01 حسام درويش بزيّ عسكري يحمل قاذفًا صاروخيًا

ومن لقطة المروحيات، التقط فريق "إيكاد" خيطًا لفتح تحقيق موسع. فمن خلال تتبع الأقمار الصناعية، ومطابقة الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل شبكة الحسابات المتفاعلة معه، حاول الفريق تفكيك النشاط العسكري لـ"درويش"، وهو ما أوصلنا في النهاية إلى عدد من الدلائل البصرية التي توثق التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي.

من "نسور الزوبعة" إلى سجون نظام الأسد

بمراجعة أرشيف الحسابات الرقمية لحسام درويش عبر منصة "فيسبوك"، وثَّق الفريق بداياته العسكرية ضمن بيئة مسلحة موالية لنظام بشار الأسد؛ إذ انخرط مبكرًا في صفوف ما يسمّى بـ "نسور الزوبعة" -الجناح المسلح لـ "الحزب السوري القومي الاجتماعي" الذي كان مساندًا للنظام السابق. كما ظهر برفقة عناصر، قُتل بعضهم لاحقًا في معارك السويداء كـ "نشوان الشاعر"، ونشر صورة قديمة بجانب جثة يرجّح أنها التُطت أثناء قتاله في صفوف "نسور الزوبعة".

مرفق 02 حسام درويش وعناصر "نسور الزوبعة"، بينهم نشوان الشاعر

ثم اعتقلته أجهزة نظام الأسد لاحقًا داخل الفرع "215"، قبل أن يخرج ضمن قوائم المفرج عنهم عقب سقوط النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024. 

مرفق 03 تعليق على "فيسبوك" يشير إلى اعتقاله في الفرع "215"

الولاء للهجري

وحسبما رصده الفريق، التحق درويش عقب الإفراج عنه بصفوف "المجلس العسكري في السويداء" المشكّل حديثًا. كما وثّق مقطع فيديو نشره في 4 مايو/ آيار 2025 زيارته لقبر عصام زهر الدين، مطلِقًا عليه صفة "الشهيد"، ومستخدمًا خطابًا طائفيًا أكد فيه تبعيته المباشرة لـ "الهجري"؛ مما يثبت تموضعه داخل الميليشيات المحلية المرتبطة به. 

تمهيد لمعارك السويداء

كان من اللافت كذلك ما رصده الفريق من مؤشرات رقمية سبقت اندلاع أحداث السويداء؛ إذ عمَّم درويش في 29 أبريل/ نيسان 2025 منشورًا يحذّر فيه الدروز القاطنين في أحياء مشتركة مع البدو من إخلائها، ملوّحًا باستهداف المنطقة بقذائف الهاون حال تحرك البدو. وعزّز هذا التحذير بنشر مقطع قبل الأحداث بنحو شهر، وتحديدًا في 14 يونيو/ حزيران 2025، وتظهر فيه تدريبات مسلحة لمجموعات محلية، مما يضع نشاطه ضمن سياق ممهّد للتصعيد.

توثيق الانتهاكات

كما وثّق درويش انتهاكات ميدانية روَّج لها وشارك فيها بالتزامن مع أحداث السويداء؛ إذ نشر في 13 يوليو/ تموز 2025 مقطعًا مصورًا للتحقيق مع ثلاثة مدنيين، معلقًا بعبارة "العدد عزود"، في إشارة إلى نية اعتقال آخرين. 

ونشر في 13 أغسطس/ آب 2025 لقطات لاعتقال شخص آخر يُرجح أنه من أحداث السويداء، وتبعه في 21 أغسطس/ آب بنشر صورة لقدم تدوس رأس قتيل ينتمي لفصيل "العصائب الحمراء" الموالي للحكومة السورية، متباهيًا بالانتقام، مع بقاء الهوية المباشرة لصاحب اللقطة متأرجحة بينه وبين أحد أفراد عائلته.

دعاية للعمل في إسرائيل

ووفق ما أظهره المحتوى المنشور على حسابه، تصدّر درويش المجموعات المحلية التي روّجت علنًا للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي؛ وتجلّى ذلك في منشورات بثها عبر حسابه تضمنت دعوات صريحة للعمل داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى نشر صور لعناصر جيش الاحتلال على قمة جبل الشيخ.

مرفق 11 منشورات لحسام درويش تروّج للعمل في إسرائيل، مارس/ آذار 2025

مروحيات عسكرية في سماء السويداء

وفي 29 يناير/ كانون الثاني 2026، ظهر درويش بزي عسكري كامل، تزامنًا مع تحليق مروحيتين عسكريتين فوق موقعه وتحدثه عبر اللاسلكي.

مرفق 12 لقطتان من فيديو 29 يناير/ كانون الثاني 2026: مروحيتان وحسام يراقبهما مسلّحًا

وعبر مطابقة الخصائص البصرية للمروحيتين -المتمثلة في هندسة الجسم، وشكل الذيل، وبقاء العجلات ظاهرة أثناء الطيران- رجح الفريق تطابقهما مع طراز "بلاك هوك" (Black Hawk) التابع لسلاح الجو الإسرائيلي.

وقارن التقرير المقاطع بأخرى رُصدت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لتحليق فوق السويداء؛ وهو ما كشف عن تشابه واضح في الطراز، مع فارق وحيد يكمن في خلوّ مروحيات فيديو "درويش" من الأجنحة الجانبية المخصصة لحمل قاذفات الصواريخ أو خزانات الوقود الإضافية، وهي ميزة تركيبية تتبع طبيعة المهمة العسكرية.

نمطٌ يتكرر فوق الجنوب

لم تكن تلك الحادثة فريدة، إذ أثبت الرصد الملاحي أنها متسقة مع نمط طيران متكرر فوق الجنوب السوري؛ فقد رصد الفريق تحليقًا مماثلًا لطائرات -رجّح الفريق أنها من طراز "بلاك هوك" أيضًا- فوق "بصرى الشام" باتجاه السويداء في 20 أبريل/ نيسان 2026. ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في المقطع مع صور الأقمار الصناعية، حدد الفريق إحداثيات اللقطة بدقة عند: "32.517884, 36.482770".  

ولاستبعاد الفرضيات البديلة، طابق الفريق تلك المعالم بمروحيات الجيش السوري روسية الصنع؛ فلم يثبت أي تقاطع هيكلي سوى مع طراز "مي-24" (MI-24). غير أن تباين الهيكل العام، واختفاء عجلات الطائرات السورية أثناء التحليق بعكس طراز "بلاك هوك"، أكدا تبعية المروحيات لأطراف خارجية.  

أين هبطت؟

وبتحليل اتجاه التحليق في فيديو "درويش"، تبين أن المروحيات حلّقت فوق بلدة "عتيل" قادمة من جهة الجولان السوري المحتل باتجاه مدينة السويداء. ووفقًا لهذا الخط الملاحي، يرجح الفريق هبوط الطائرات إما في مقر الفوج "44" شمال المدينة، أو فوق مدرج بلدة "الكفر" الزراعي، الذي سبق أن استخدمته القوات الإسرائيلية في عملية هبوط مروحية، كما تداولت مصادر صحفية.

وبتحليل شبكة التفاعلات الرقمية حول الفيديو، وصل الفريق إلى حساب شخص مقرب من "درويش" يدعى "كناز البني"، أثبتت تفاعلاته أنه مُصور الفيديو. وعزز "البني" هذه الفرضية بنشر مقطع لاحق يظهره بجانب مدرج "الكفر"؛ مما يربط الميليشيا بالموقع بروابط بشرية ومكانية تدعم فرضية استخدام المدرج في هبوط المروحيات

مرفق 22 صور لـ"كناز البني" على "إنستغرام" قرب مدرج "الكفر"

دعمٌ إسرائيلي وهمي

نشر درويش كذلك عددًا من المنشورات حول الدعم الإسرائيلي المقدم لهم، لكن بعض ما نُشر لم يصمد أمام الفحص الفني. فعلى سبيل المثال، نشر في مارس/ آذار 2026 مقطعًا تظهر فيه أسلحة، بينها رشاش إسرائيلي من طراز "تافور" (Tavor). وبالعودة إلى أرشيف حسابه، تبيّن أنه نشر الصورة ذاتها، في مارس/ آذار 2025، لكن دون الرشاش والراية الدرزية. كما أكدت برامج كشف التلاعب وجود تعديل مولد بالذكاء الاصطناعية بنسبة 26%. 

وبالمثل، بثّ درويش صورة تجمعه بأشخاص يرتدون زيًّا عسكريًّا يحمل شعار جيش الاحتلال الإسرائيلي. وأثبت الفحص التقني التلاعب بها والتعديل عليها؛ نظرًا لوجود تشوّهات في العلم، وظهور قبعتين -واحدة على الكتف وأخرى فوق الرأس- في وقت واحد، وهي مؤشرات بصرية غير طبيعية تدل على التلاعب.

مرفق 26 نتيجة أداة كشف الذكاء الاصطناعي لصورة الزيّ الإسرائيلي

الخلاصة

يضع هذا التحقيق -عبر تتبع الأدلة البصرية الرقمية- الميليشيات المسلحة في السويداء أمام كشف استقصائي يُثبت التنسيق العملياتي المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي. إذ  لم تعد الاستعانة بالدعم الخارجي مجرد فرضية تتداولها التقارير؛ بل عززها التحقيق بقرائن بصرية لتحليق مروحيات "بلاك هوك" يرجّح تبعيتها لإسرائيل فوق الأراضي السورية، فضلًا عن سلوك العناصر الميدانية على الأرض مثل "حسام درويش". ومع ذلك، لم يغفل التحقيق عن الفصل بين "الدعاية الوهمية" المصنوعة بأدوات التلاعب بالصور، وبين النمط العسكري المثبَت للاختراق الجوي الإسرائيلي للجنوب السوري.

مؤتمر الأقليات في تل أبيب.. واجهة عربية لمشروع إسرائيلي

مقال

مؤتمر الأقليات في تل أبيب.. واجهة عربية لمشروع إسرائيلي

28/10/2025

بث الإعلامي الإسرائيلي، إيدي كوهين، مقطعًا مصورًا باللغة العربية دعا فيه متابعيه على منصات التواصل لمتابعة البث المباشر لما أطلق عليه مؤتمر "الأقليات". وانعقد الحدث في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 تحت شعارات إنسانية تبحث قضايا الأقليات الدينية والعرقية في سوريا والعراق، مستهدفًا مد جسور التطبيع بينها وبين كيان الاحتلال.  

تتبع فريق "إيكاد" البث المباشر للفعالية، وأخضع الوجوه المشاركة للفحص والتدقيق الرقمي؛ للتحقق من خلفياتهم، ومدى تمثيلهم للطوائف التي ينتمون إليها.

مؤتمر إسرائيلي بلسان عربي

كشفت صفحة حجز التذاكر الرقمية للمؤتمر عن مكان عقده داخل قاعة "بيت صهيونيي أمريكا" (ZOA House) في قلب تل أبيب، بتذكرة بلغت قيمتها 400 شيكل. وتولّت قنوات عبرية، بينها "القناة 14" العبرية، التغطية المرئية، بالتوازي مع ترويج كوهين -الإعلامي الإسرائيلي ذي الأصول اللبنانية والباحث الأول في مركز "بيغن-السادات"- وإدارته للمنصة.

وأظهرت المقاطع المرئية التي شاركتها الناشطة الإسرائيلية الدرزية، جوليا، من داخل القاعة حضورًا متواضعًا ومقاعد فارغة، ما ينفي وجود حشد كبير روج له منظمو الحدث كجزء من تضخيم صداه في الداخل السوري. 

مرفق 30 مقاعد فارغة في القاعة، من فيديو الناشطة جوليا

أردني  يتبنّى السردية الإسرائيلية

استضاف المؤتمر المعارض الأردني، عبد الإله المعلا، المقيم في الولايات المتحدة ورئيس ما يسمى "الائتلاف الأردني للتغيير". وفي الوقت الذي يدّعي فيه نصرة الأقليات والسنة في العراق، كشف تتبع نشاطه الرقمي عبر منصة "X" تبنّيه المطلق للسردية الإسرائيلية؛ إذ شارك منشورات تهاجم سكان قطاع غزة، وتكذّب المجاعة، بالتوازي مع ترويجه لتصريحات الوزير المتطرف، إيتمار بن غفير، ودعمه حظر عمل وكالة "الأونروا" الإغاثية في القطاع، فضلًا عن سخريته من الصحفي الغزاوي صالح الجعفراوي.

محور السويداء والدروز

بدوره، افتتح مروان كيوان -أحد مشايخ الدروز في السويداء- الكلمات المسجلة عبر الفيديو، حيث ظهر وخلفه علَما الدروز والاحتلال الإسرائيلي، مطالبًا بضم السويداء إلى كيان الاحتلال، وهو ما لاقى ترحيبًا فوريًا من كوهين. ورصد الفريق تسجيلات سابقة لكيوان تضمنت إساءات للذات الإلهية، ومباركة لـ "قسد" على ما وصفه بانتصارها على "الشرع".

وتقاطع خطاب كيوان مع تحركات كمال شاية، الناشط الدرزي المغترب الذي زار قرى الجولان المحتلة. وأعلن شاية -المقيم في أمريكا الجنوبية- عزمه زيارة الكنيست وخارجية الاحتلال خلال أسبوع عقد المؤتمر لطلب الدعم الإسرائيلي في حماية الطائفة، كما وثّق أرشيفه الرقمي دعوات سابقة لرفع علم الاحتلال فوق سفارة رسمية في دمشق عقب سقوط النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024. ودعا كذلك -في منشور آخر- إلى تحويل مساجد السويداء لحظائر.

وعلى الساحة الأوروبية، برز قحطان حسون ممثلًا لما يسمى "التجمع السياسي للموحدين الدروز" -وهو كيان حديث أُسس في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 للترويج لاستقلال السويداء- معتمدًا على بث أخبار مفبركة تتعلق بالمشهد السوري، والسخرية من الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. وتكاملت هذه الأدوار مع تصريحات مشاركين طالبوا بفرض حظر طيران وتأسيس "فيدرالية تابعة لإسرائيل".  

ومن زاوية أخرى، منح دروز الاحتلال المؤتمر غطاءً مؤسسيًا عبر مشاركة عضو الكنيست، أكرم حسون، الذي حرّض سابقًا على اغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع. وتبعه الإمام يونس عماشة، عضو المجلس الديني الدرزي الأعلى، ثم أنور عامر، نائب رئيس أركان شرطة الاحتلال المتقاعد، الذي دعا سابقًا إلى القتال المسلح داخل سوريا دفاعًا عن الدروز. وبذلك يتحول خطاب حماية السويداء إلى دعوات للضم والاستقلال والفيدرالية التابعة لإسرائيل.

مرفق 43 عضو الكنيست أكرم حسون متحدثًا في المؤتمر

صناعة الصوت العلوي

كما حاول المنظّمون صُنع واجهات علوية تفتقر للرمزية الشعبية؛ إذ صعد للمنصة سامر إبراهيم، وأثبت فحص بيانات حسابه الرقمي أنه أُنشئ عام 2013 وظل خامدًا بلا منشورات حتى مايو/ آيار 2025، عندما وضع علم الاحتلال غلافًا له؛ مما يشير إلى أن ظهوره المفاجئ في المؤتمر إلى جانب كوهين يهدف إلى ترميزه وتضخيم دوره واعتباره ممثلًا عن علويّي سوريا. 

وتكرر النمط ذاته مع معن يحيى (معن أبو شمعون)، أحد مؤسسي "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، والذي تظهر منشوراته استهزاء بالدين الإسلامي. إضافة إلى تميم خرماشو، عضو "مجلس المشرق العلوي"، الذي يُثني على دعاة ما يعرف بـ "الديانة الإبراهيمية". والكيانان أُسسا حديثًا في عام 2025 لترويج أفكار اضطهاد الأقليات والترويج للديانة الإبراهيمية البديلة.  

وانضم إليهم حسن مرهج، المنحدر من قرية "الغجر" العلوية المحتلة والإعلامي في قناة "i24" الإسرائيلية. وتكشف منشوراته أنه كان من مؤيدي النظام السابق ويعتبر بشار الأسد الرئيس الشرعي لسوريا، وتبنّى عام 2020 رواية نظامه بأن "الخوذ البيضاء" استخدموا الكيماوي في إدلب. واليوم يروّج مرهج روايات ضد الدولة السورية الجديدة، منها خبر سرقة المتحف الوطني في دمشق، رغم أن المتحف لم يُسرق منه شيء.

المسار الكردي ومخطط "مملكة داوود"

وامتدّ المؤتمر من الدروز والعلويين إلى مسارٍ كردي يربط القضية الكردية بإسرائيل، فظهرت على المنصة شخصيات ترفع العلم الكردي إلى جانب علم إسرائيل.

مرفق 52 أعلام كردية وإسرائيلية ودرزية على منصة المؤتمر

ومن العراق، يظهر على المنصة عارف ضهوجاني، رئيس حزب "حرية كوردستان"، وهو أحد المروّجين لــ "ممر داود" بين إسرائيل والأكراد في شمال شرق سوريا والعراق، مستندًا إلى خرائط تبشيرية ترسم "مملكة داوود" على امتداد ما يعرف بـ "إسرائيل الكبرى".

مرفق 53 خريطة "مملكة داود" من موقع تبشيري، روّجها ضهوجاني

ومن أوروبا، أَطَلَّ الكردي السوري، آلان والي، عبر الشاشات العبرية -بعد المؤتمر- مترحّمًا على القتلى الإسرائيليين في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كما وصف التحالف الإسرائيلي الكردي بالاستراتيجي. وفي منشوراته السابقة، رصد الفريق دعوته قادة كردستان للاصطفاف العسكري مع الدروز. 

وتناغم معه وليد شيخو، المطالب بتقسيم سوريا وتحويلها إلى "دولة مركبة". كما ألقى يهودا بن يوسف، الذي يقدم نفسه رئيسًا للأكراد في إسرائيل، كلمة بالتزامن مع وجود شخصيات كردية على المنصة.

غطاء ديني للتطبيع

ولتوفير غطاء ديني لسياسات الاحتلال، ظهر حسن الشلغومي على شاشة عرض المؤتمر، وهو تونسي معروف بنشاطه مع المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، ويظهر دائمًا باعتباره وجهًا إسلاميًا داخل مشهد التطبيع. حيث زار إسرائيل مع شخصيات مسلمة، وزار حائط البراق في ذروة الإبادة في غزة، والتقى رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ (Isaac Herzog). وفي لقاء مع الوزير الإسرائيلي موشيه أربيل (Moshe Arbel)، حاول الشلغومي تقبيل يده، في مشهد أثار استنكارًا واسعًا واتهامات بأنه لا يمثل المسلمين.

مشاركة أمنية واستخباراتية

وإلى جانب الوجوه التي أريد تقديمها كممثلة عن الأقليات، حضر المؤتمرَ شخصيات أمنية إسرائيلية. فقد ألقى تسفي يحزقيلي (Zvi Yehezkeli) -ضابط الشاباك السابق والمستوطن في الضفة الغربية المحتلة- كلمة بعنوان "الإسلام والأقليات"، والذي يعد محرضًا بارزًا على قتل الصحفيين في غزة، وقصف سوريا.

كما شارك المستشرق، مردخاي كيدار (Mordechai Kedar) -الذي خدم لمدة 25 عامًا في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية- بكلمة عنوانها "الإمارات السورية المتحدة". ويمثل هذا العنوان امتدادًا عملياتيًا لمشروعه القديم "حل الدول الثماني" القائم على تفكيك الدول العربية الكبرى وإحلال كيانات قبلية وهياكل أمنية معزولة مكانها. وكذلك يعد كيدار من الداعمين لجرائم الاحتلال في غزة، ويصف الدولة السورية بـ"داعش"، ويدافع عن التدخل الإسرائيلي تحت عنوان حماية الدروز.

إكس
تغريدة لكيدار بصورتي قبل وبعد عن الوضع في غزة

الخلاصة

يتضح مما سبق أن معجم حقوق الأقليات في المؤتمر يلتفّ بالأساس حول تصور أمني وفكري قديم يقوم على تفكيك المنطقة إلى كيانات أصغر. وقد سعى المؤتمر إلى إبراز الحضور الموالين لإسرائيل باعتبارهم ممثلين عن طوائفهم، في حين أن ما تتبّعه الفريق من سجلات هؤلاء المتحدثين، لا تثبت أنهم يمثلون الطوائف التي يتحدثون باسمها. كما تبيّن أن القاسم المشترك بينهم جميعًا الاصطفاف التام مع الرواية الإسرائيلية.

وبهذا يتحول مؤتمر الأقليات من فعالية حقوقية مزعومة إلى محاولةٍ لتقديم الكيان المحتل كدولة مسالمة تتّسع لكل الطوائف وتحمي الأقليات، وذلك عبر شخصيات عربية تُستخدم كواجهة للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة.

موالون لإسرائيل.. "إيكاد" تكشف شبكة من مقاتلي السويداء

مقال

موالون لإسرائيل.. "إيكاد" تكشف شبكة من مقاتلي السويداء

14/11/2024

فوق مدرعة عسكرية في السويداء، وقف مقاتل سوري يدعى "ميلاد جودة" وبيده اليمنى علَما الدروز والاحتلال الإسرائيلي جنبًا إلى جنب، وبيده الأخرى يرفع إشارة النصر. تزامن هذا المشهد -الذي نشره جودة بنفسه على حسابه في فيسبوك- مع جولات من المواجهات المسلحة بين ميليشيات محلية وقوات الحكومة السورية.

وعبر تتبع الحسابات الرقمية المرتبطة بالصورة؛ توصل الفريق إلى شبكة مقاتلين عسكريين تنشط في السويداء، وترتبط بروابط ميدانية، ويجمعها خطاب طائفي متشابه، وصولًا إلى ضباط ومجندين في مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي السياسية والأمنية والعسكرية، أظهروا دعمًا مباشرًا لعدد منهم.

مرفق 62

التبرؤ من الهوية السورية

قاد التحليل الرقمي لتفاعلات حساب "ميلاد جودة" إلى حساب "غسان المقط"، المنخرط سابقًا فيما يسمى "سرايا الجبل". ووثّقَ تسجيل مرئي ظهر فيه المقطّ خلال إعلان "سرايا الجبل" اندماجها ضمن "قوات شيخ الكرامة" و"قوة مكافحة الإرهاب"، إضافة لولائها المباشر لحكمت الهجري، القائد الديني البارز في السويداء، وقائد مشروع الانفصال. 

كما نشر المقط منشورات تفاخر فيها بمشاركته في القتال ضد القوات الحكومية السورية واختطاف جنودها. غسان تبرّأ في أحد منشوراته أيضًا من الهوية السورية والسوريين، معرّفًا نفسه كمنتسب إلى "دولة جبل الدروز"، وأن لإسرائيل فضلًا على دروز السويداء، مرفقًا ذلك بصورة تجمع راية الطائفة الدرزية بعلم الاحتلال الإسرائيلي.  

دعوة علنية للانضمام لإسرائيل

وبتتبع الحسابات، توصل الفريق إلى حساب "أشرف جمول"، قائد مجموعة "فزعة شباب الجبل" المقربة من الهجري. وأثبت أرشيف حسابه انخراطه في معارك السويداء منذ 12 يوليو/ تموز، وتعرضه لإصابات ميدانية وثّقها بالصور إلى جانب ظهوره أمام آليات عسكرية تابعة للأمن السوري العام استُهدفت واحتُجِزَت خلال المواجهات. 

وكان لافتًا كذلك دعوة جمول صراحة، في أحد منشوراته، لرفع علم الاحتلال في السويداء، وتأكيده أن حل أزمة المحافظة يكمن في ضم السويداء للاحتلال الإسرائيلي، معلنًا استعداده لبذل "الغالي والنفيس" في سبيل ذلك.

الحليف الأقرب

كما توصّل الفريق إلى حساب المقاتل الدرزي "مازن حمدان"، ووثّقت مراجعة أرشيفه الرقمي سياقًا تحالفيًا مع الاحتلال الإسرائيلي قبل اندلاع مواجهات السويداء؛ إذ نشر في 14 يونيو/ حزيران 2025 صورة لرئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، معلقًا عليها بعبارة: "كلنا معك"، وواصفًا الكيان بأنه "الحليف الأقرب". 

ونشر حمدان لقطات لعناصر مسلحة بجوار مركبة تحمل ملصقات تجمع بين راية الدروز والنجمة السداسية الإسرائيلية، متبوعًا بلقطات وثّق فيها مشاركته في المعارك في بلدة عريقة ورفعه العلم الإسرائيلي إلى جانب راية طائفته في ساحة الكرامة، إضافة إلى منشورات أخرى عرّف فيها نفسه بأنه "قاطع طريق". 

مقاتلو "اللواء 164"

ومن تتبع الحسابات السابقة، تمكن الفريق من الوصول إلى حلقة أكثر تماسكًا وتنسيقًا، تبيّن أنها تنشط تحت اسم "اللواء 164"، ويقودها الثلاثي: مضر مقلد (أبو خطار)، وليث الجغامي، ورضا مراد

وظهر مقلد في زيارات متكررة لمقر حكمت الهجري، وبث مقاطع لرصد تحركات القوات الحكومية السورية قرب قرية "المزرعة"، كما وثّق مشاركته في معارك "نجران" و"المجدل"، إلى جانب نشره عدة صور جمعته بالجغامي ومراد وهم يثبّتون شارات علم الاحتلال الإسرائيلي على بدلاتهم العسكرية ومركباتهم المسلحة.  

كما رافق رفع الرموز الإسرائيلية بثّ محتوى طائفي؛ إذ رصد التحقيق نشر مضر مقلد وليث الجغامي مقاطع تحوي عبارات تتوعّد بـ "الانتقام وتركيع بني أمية"، في إشارة إلى الحكومة السورية وعامة السوريين الداعمين لها.

وهو ما يعكس توظيفًا متزايدًا للخطاب المذهبي لخدمة التعبئة المسلحة ومشاريع الانفصال.  

فلول النظام السابق

وفي نفس شبكة التفاعلات التي يرصدها الفريق، برز اسما "باسل معين الشاعر" و"فجر باسل الصحناوي"، اللذين وثقت "إيكاد" في تحقيق سابق أنهما كانا جزءًا من المنظومة العسكرية المرتبطة بنظام الأسد المخلوع التي ارتكبت مجازر بحق السوريين، ولا يزالون يمجّدون رموز النظام المرتكبة لجرائم الحرب أمثال عصام زهر الدين.

الشاعر لم يكن مقاتلًا عاديًا، بل ينتمي لعائلة عُرفت بولائها المطلق للنظام السابق وتورطها في جرائم خطف ومجازر ضد السوريين، وخاصة عشيرة "العميرات" القاطنة في محيط السويداء، عام 2018.

وأبرز ما لفت الانتباه إقرار "باسل" وتفاخره بتلك الجرائم صراحة على حسابه على فيسبوك بعد أحداث السويداء. ففي 24 أغسطس 2025، أقرّ "باسل الشاعر" علنًا عبر فيسبوك قيامه مع والده "مُعين" و شقيقه "رياض" بخطف وقتلِ ثمانية من أبناء العشيرة، ومبديًا ندمه لعدم إبادتها بالكامل.  

وفيما يخص الكيان، بثّ الشاعر مقاطع لسيارات تجوب شوارع السويداء ترفع أعلام الاحتلال تحت شعار "أرض إسرائيل الكبرى"، موجهًا الشكر للكيان على دعمه، كما نشر لقطات تُظهره بجوار دبابة مدمرة تابعة للحكومة السورية، إضافة إلى ظهوره حاملًا قاذف "آر بي جي" بيد وعلم الاحتلال باليد الأخرى وسط مواقع عسكرية محصنة.

الشاعر تبنى أيضًا خطابًا تحريضيًا مناطقيًا ضد السوريين، حيث شتم في منشور له أهالي درعا، كما أظهر شماتة بانتهاكات وجرائم النظام في حقهم. 

الارتباط  بعناصر أمنية وعسكرية إسرائيلية

مثّل حساب دانيال حسون -الذي ظهر سابقًا خلال معارك السويداء وسط جثث مجهولة الهوية- المدخل الأبرز لكشف الارتباط الرقمي بجنود الاحتلال. فمن خلال تفكيك شبكة تفاعلاته، وصل الفريق إلى حسابات انستغرام وفيسبوك لـ "ديفيد حسون"، المجند الحالي ضمن كتيبة الاستطلاع في جيش الاحتلال الإسرائيلي. 

ووثّق رصدُ التعليقات تفاعلَ دانيال مع حساب انستغرام التابع لـ "ديفيد" عبر تعليقه على صورته بـ "ابن العم، خالع باب بني أمية"؛ ليكون هذا التفاعل دليلًا رقميًا يعزز أدلة سابقة لارتباط بعض مقاتلي الداخل السوري بمنتسبي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ومن خلال شبكة علاقات ديفيد حسون، وصلنا إلى "علي عطيلة"، أحد دروز إسرائيل، الذي يثبت محتوى حسابه عمله في شرطة الحدود الإسرائيلية. أعاد عطيلة نشر صور ومحتوى عملياتي يعود لعدد من المقاتلين الذين رصدناهم خلال التحقيق، من بينهم أشرف جمول ومضر مقلد، خلال تمثيلهم بجثامين قوات الحكومة السورية.  

كما كشف أرشيف حسابه انخراطه في عمليات الاحتلال الإسرائيلي في "مجدل شمس" على الحدود السورية، تزامنًا مع التحركات التي شهدتها المنطقة عندما حاول عدد من دروز إسرائيل اقتحام الحدود والعبور باتجاه الأراضي السورية. وأثارت صور أخرى نشرها على حسابه الشكوك حول مشاركته في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

وتقاطعت هذه الصلات مع حساب "أنان خير"، الدرزي الإسرائيلي المنخرط في سلك الشرطة الإسرائيلية، والذي أعلن صراحة استعداد دروز الكيان للقتال الميداني إلى جانب ميليشيات السويداء، وتبنّى خطابًا معاديًا للحكومة السورية وداعمًا لحكمت الهجري.

وإلى جانب ما سبق، كشفت مراجعة التفاعلات الرقمية لغسان المقط عن تفاعله مع المدعو "معضاد خير"، أحد دروز السويداء، الذي عمل في وقت سابق كمستشار تقني لوزير الاتصالات الإسرائيلي السابق "أيوب كرا".

رُصد هذا التفاعل عندما نشر معضاد صورة مقاتلين من السويداء بينهم غسان المقط، حيث تبادل معضاد والمقط عبارات دعم متبادلة، عكست احتمالية وجود معرفة مسبقة بينهما.  

هذه القرائن والصلات تعزز من فرضية ارتباط الوجوه المسلحة المحلية المشاركة في معارك السويداء بشبكات سياسية وعسكرية تابعة للاحتلال، وهو ما رصدته "إيكاد" في تحقيقات سابقة. كما يبرهن على وجود تعزيز وتأييد رقمي علني من عناصر عسكرية وأمنية تابعة للاحتلال الإسرائيلي، ويعزز حقيقة وجود شبكة دعم إسرائيلية رقمية تعمل لتضخيم سردية دعوات الانفصال في جنوب سوريا. 

مرفق 85

الخلاصة

كانت البداية من مشهد مقاتل من ميليشيات السويداء الدرزية يرفع علم الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب راية الدروز خلال معارك السويداء، لكن التحقيق اللاحق برهن على أن ظهور هذا العلم لم يكن حدثًا معزولًا أو تصرفًا فرديًا عابرًا.

إذ تكشف الخيوط عن شبكة تربط -رقميًا على الأقل- بين مقاتلي الميليشيات المحلية الدرزية من جهة، وقيادات سياسية وعناصر عسكرية وأمنية داخل الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.

خالد حبوباتي.. كيف حوّل "الهلال الأحمر" إلى أداة بيد نظام الأسد؟

مقال

خالد حبوباتي.. كيف حوّل "الهلال الأحمر" إلى أداة بيد نظام الأسد؟

21/8/2024

بعد نحو 10 أيام من سقوط نظام بشار الأسد، تداولت حسابات ووسائل إعلام سورية صورة طلب استقالة مذيّل باسم خالد حبوباتي، رئيس منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، موجَّهًا إلى رئيس وزراء الحكومة الانتقالية محمد البشير. وبعد ساعات، صدر قرار عن رئاسة مجلس الوزراء بقبول الاستقالة، لتُطوى بذلك صفحة رجلٍ ظلّ ثمانية أعوام على رأس أكبر مؤسسة إغاثية في البلاد.

أثارت الاستقالة موجةً من التكهنات على منصات التواصل الاجتماعي بأن خروج حبوباتي مرتبطٌ بسياساته التي جعلت "الهلال الأحمر" أداةً بيد نظام الأسد، لتوجيه المساعدات الإغاثية إلى الموالين ودعم عملياته العسكرية وقمع معارضيه. 

سعى فريق "إيكاد" للتحقق من هذه التكهنات، مُجريًا -عبر المصادر المفتوحة والخاصة- بحثًا معمقًا عن شخصية الرجل ومساره، وهو ما انتهى إلى إثبات تورطه في تسييس المساعدات الإنسانية وتوليد الإيرادات لخزينة الأسد.

مرفق 86 طلب الاستقالة المذيّل باسم "خالد حبوباتي" في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وإلى جانبه قرار مجلس الوزراء بقبولها وعزله من رئاسة "الهلال الأحمر العربي السوري"

من خالد حبوباتي؟

وُلد خالد بن أحمد توفيق حبوباتي، كما ورد اسمه الكامل في قرار مجلس الوزراء المؤقت، في دمشق عام 1957 لعائلةٍ ثرية التصقت بالنخبة الحاكمة منذ وقتٍ مبكر. إذ ملَك والده أحمد توفيق عددًا من النوادي الليلية والكازينوهات، أبرزها "نادي الشرق" سيّء السمعة الذي تأسّس عام 1951 وارتاده كبار رجال النظام في الثمانينيات. ودرس خالد العمارة في دمشق، حيث تعرّف إلى باسل الأسد، وانضمّ إلى حلقةٍ ضمّت أبناء الطبقة المخملية، فنسج من حينها روابط عميقة بعائلة الأسد.

وقد عمّق الزواج حضور حبوباتي في دائرة الحكم الضيّقة؛ إذ اقترن بــ "لينا الشلاح"، ابنة راتب الشلاح الملقّب بـ "شهبندر تجار سوريا" ورئيس اتحاد غرف التجارة السورية سنواتٍ طويلة، فيما كان جدّها بدر الدين الشلاح أحد أعمدة اقتصاد حافظ الأسد. وأسهم هذا الزواج في توسيع شبكة علاقاته مع عائلات نافذة قريبة من آل الأسد، من بينها "آل مخلوف"، كما زوّج ابنته "مي" من نجل وزير الخارجية الأسبق "وليد المعلم".

وقبل توليه أي منصبٍ حكومي، ورث خالد إمبراطورية أبيه الاقتصادية، وبرز كرجل أعمال في الفنادق والمطاعم وشركات الاستثمار. وأسّس شركة "نادي المحيط" للاستيراد وتطوير الفنادق بالشراكة مع ياسر حمود عام 2010، وشارك في شركة "الرخاء" لتجارة السيارات مع راتب وعمر الشلاح، وأعاد عام 1998 تشغيل "نادي الشرق" كمطعم فاخر، فعاد من خلاله إلى الواجهة الاقتصادية.

وفي 2003، شارك حبوباتي في تأسيس "الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة" مع 15 رجل أعمال قريبين من آل الأسد. وأفادت تقارير بارتباط تلك الجمعية ببيع مئات الخيول السورية وتهريبها في السوق السوداء خلال الثورة، بعد سرقتها من الغوطة الشرقية بريف دمشق والقلمون تحت الحصار، وهو ما يُرجّح انخراطه في تلك العمليات. ويشار في هذا السياق إلى أن عضوية سوريا في "منظمة الجواد العربي" (AHO)، ومقرّها جنيف، سهّلت حركة نقل الأموال إلى سويسرا، وغطّت جزءًا من عمليات تبييضٍ نفّذتها شخصيات مقرّبة من النظام بعد عقوبات 2011.

وفي أواخر 2010، افتتح حبوباتي أول نادٍ للقمار في سوريا على طريق مطار دمشق الدولي، في مشروعٍ أثار جدلًا واسعًا وواجه معارضة تيارات دينية بقيادة الشيخ محمد سعيد البوطي، حتى أُوقف في نهاية المطاف. وكشفت تقارير لاحقًا أن المشروع كان جزءًا من خطةٍ أكبر وقف خلفها بشار الأسد وشريكٌ خفيٌّ هو ياسر حمود، لإنشاء ثلاثة نوادٍ إضافية في "يعفور" بريف دمشق و"تدمر" وحلب، قبل أن يغير اندلاع ثورة 2011 المسار. وآنذاك، باع خالد "نادي الشرق" بـ 20 مليون دولار لرجل الأعمال موفق قداح مطلع 2011، قبل أن يبيعه الأخير عام 2018 إلى سامر الفوز، المقرّب من بشار. 

موضع ثقة

ساهمت هذه النشأة القريبة من الدائرة الداخلية في جعل حبوباتي شخصية موثوقة لدى نظام الأسد. وقد حصل فريق "إيكاد" على صورةٍ حصرية غير منشورة تجمعه ببشار الأسد وزوجته أسماء وأحد المقرّبين من النظام، يُرجَّح أنها التُقطت في السنوات الأولى للثورة.

مرفق 87 صورة حصرية حصلت عليها "إيكاد" تجمع "خالد حبوباتي" بـ"بشار الأسد" وزوجته "أسماء" وأحد المقرّبين من النظام

وبالنظر إلى هذه الثقة، انتدبه الأسد مبعوثًا خاصًا لاستمالة رجال الأعمال السوريين المغتربين إلى تأييده وتمويل حربه، مقابل ضماناتٍ بعدم المحاسبة وطلبِ اعتذاراتٍ علنية. غير أن بعض من حاول استمالتهم، ومنهم فراس طلاس وعماد غريواتي وموفق قداح، قابلوا طلبه بالرفض.

كما أن هذه الثقة مكّنت حبوباتي من الحصول على مكاسب مالية مقابل نشاطاته خلال سنوات الثورة. فحسب دراسةٍ لبرنامج "مسارات الشرق الأوسط" في مركز روبرت شومان، حصل حبوباتي أواخر عام 2016 على عقد ترسيم معبر "خربة غزالة" الحدودي في درعا جنوبي سوريا بتفويضٍ رئاسي، ويعد "ترسيم" المعابر أحد أنشطة اقتصاد الحرب التي مكّنته من فرض ضرائب على حركة المعبر. كما مُنح صلاحية إدارة نقاط التفتيش والتحكّم في تدفّق البضائع إلى المناطق المحاصرة، ولا سيّما الغوطة الشرقية، حيث استخدم نفوذه في ابتزاز المدنيين وبيع المواد الغذائية بأسعار باهظة.

كيف تحوّلت مساعدات "الهلال الأحمر" إلى دعم النظام؟

في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2016، فوجئت العديد من الأوساط بصدور قرار بتعيين حبوباتي رئيسًا للهلال الأحمر السوري، وكانت المفاجأة بسبب عدد من الإجراءات التي سبقت القرار؛ إذ عُدّل النظام الأساسي ليتيح لرئيس الوزراء تعيين رئيس المنظمة مباشرة، كما أُجبر رئيسها السابق عبد الرحمن العطار على الاستقالة بعد قيادته لها منذ عام 1981، وعُطّل النظام الانتخابي الداخلي الذي يشترط في المرشّح عضوية المكتب التنفيذي وقِدَمًا لا يقلّ عن خمس سنوات، بينما لم يكن خالد من كوادر المنظمة ولا يملك خبرة في العمل الإنساني.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهلال الأحمر العربي السوري يعمل شريكًا رسميًا لمؤسسات الأمم المتحدة داخل سوريا، إذ تشترط وزارة الخارجية توقيع اتفاقاتٍ مُلزمة تحصر تنفيذ المشاريع الدولية عبره، ما يجعله المتحكّم شبه الرئيسي في صرف المساعدات. ووَضع أحد أبرز المقربين من دوائر النفوذ في نظام الأسد "حبوباتي" على رأس هذه المنظومة يفقدها استقلاليتها ومصداقيتها إلى حد كبير. 

وبالفعل، تحدثت مجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs)، في تقرير نشرته خلال سبتمبر/ أيلول 2018، عن غياب أي مؤشر على استقلال المنظمة عقب اندلاع الثورة، حيث جمّدت الحكومة انتخاباتها وأقصت المستقلّين وفصلت الكوادر المؤهّلة.

مرفق 88 من تقرير "فورين أفيرز" في سبتمبر/ أيلول 2018 حول اشتراط دمشق توقيع المنظمات الدولية اتفاقًا مع الهلال الأحمر

وقدّر التقرير نفسه أن مساعدات الأمم المتحدة أسهمت في دعم النظام بصورة غير مباشرة بنحو 30 مليار دولار، دُفع منها رواتب عناصره وتكاليف عملياته العسكرية، بعد أن استُخدم الهلال الأحمر كباب رئيسي لتحصيل الأموال.

مرفق 89 التقرير يشير إلى سيطرة النظام على استجابةٍ إنسانية بنحو 30 مليار دولار استُخدمت في الالتفاف على العقوبات

وحسب تقريرٍ أصدره معهد "نيولاينز" (New Lines Institute) الأمريكي في يوليو/ تموز 2022، فإن ما بين 40% و60% من المساعدات النقدية المخصّصة للهلال الأحمر كانت تعود إلى حكومة الأسد، وترتفع النسبة أحيانًا إلى 90%.

مرفق 90 من ملف معهد "نيولاينز" الذي قدّر تحويل ما بين 40% و60% من المساعدات النقدية إلى النظام، وأحيانًا 90%

كيف تحوّلت مساعدات "الهلال الأحمر" إلى دعم النظام؟

استفاد النظام من تلك المساعدات عبر عمليات عديدة متشابكة؛ منها تضخيم أعداد المستفيدين في مناطق سيطرة النظام لاجتذاب مزيدٍ من المساعدات، ثم بيع كثير منها في السوق السوداء أو تحويلها إلى مخزوناتٍ عسكرية. 

وتُمثل إحدى الوثائق التي حُصل عليها من شعبة المخابرات "الفرع 235" ودقّقها فريق "إيكاد" قرينة إثبات رسمية على هذه العملية؛ إذ كان يُطلب فيها من "الفرع 227" الإشراف المباشر على تلقّي المساعدات الواردة عبر مطار دمشق الدولي ونقلها إلى مستودعات الدولة ثم طرحها في الأسواق تدريجيًا لحساب الخزينة. وأظهرت وثيقةٌ أخرى دقّقها الفريق أن توزيع المساعدات كان يجري بإشراف فروع المخابرات وموافقتها، حيث تتطلّب نماذج الاستلام تواقيع الأمن العسكري والأمن الجوي، إلى جانب ممثّل وزارة الصحة.

لم يقتصر التلاعب على تضخيم أرقام المستفيدين، بل وصل إلى هوياتهم؛ فقد شملت القوائم جنودًا من النظام وعناصر من الميليشيات الأجنبية قُدّم لهم دعمٌ إضافي تحت غطاء الإغاثة، حتى أن الجيش كان يسجّل عناصره ضمن المستفيدين لتعويض رواتبهم المتدنّية، بحسب معهد "نيولاينز".

مرفق 93 ملف "نيولاينز" يشير إلى أن أجهزة الأمن والجيش من أكبر المستفيدين من تحويل المساعدات

وإضافة إلى ما سبق، حُوِّلت مستودعات الإغاثة المخصّصة لمتضرّري الزلزال إلى مخازن عسكرية وخزينة الدولة، وكشفت مواقع محلية وجود تلاعب في تعويضات "الهلال الأحمر" لمتضرّري الزلزال في اللاذقية، حيث سلّمت مكاتب الحوالات مبالغ ناقصة.

مرفق 94 من تحقيق "عنب بلدي" حول التلاعب في تعويضات متضرّري الزلزال في مدينة اللاذقية

كذلك كان يعترض عناصر النظام شحنات إغاثية مخصصة لمناطق خارج سيطرة النظام وينقلها لمناطقه،  ويحجبون المساعدات عن بلداتٍ يُشتبه بتعاطفها مع المعارضة عقابًا لها. ثم تُرفع إلى المانحين تقارير مغلوطة عن كميات المساعدات في إدلب شمال غربي البلاد للتغطية على سرقتها من قبل النظام، وأخرى تزعم نزوح المدنيين نحو مناطق النظام.

وفي هذا الصدد، أشار معهد "نيولاينز" إلى أن شركات المراقبة والتقييم التي كانت تبرّر تحويل المساعدات لمناطق النظام مملوكةٌ لبشار الأسد وزوجته أسماء. كذلك كان يستفيد نظام الأسد ماديًا من خلال إلزام وكالات الأمم المتحدة بسعر صرفٍ رسميٍّ مصطنع أتاح له سحب مليارات الدولارات من أموال المساعدات.

مرفق 95 من ملف "نيولاينز" بشأن شركات المراقبة التي تُعِدّ تقارير مغلوطة لتبرير تحويل المساعدات

تحوّل "الهلال الأحمر" إلى مقار للتعذيب

وإلى جانب المال، تحوّل الهلال الأحمر إلى أداة للقمع. فبحسب "فورين أفيرز"، تسلّل عناصر المخابرات إلى المنظمة بصفة متطوّعين، فيما تعرّض من خالف قواعدها الجديدة من الموظفين للاعتقال والتعذيب حتى القتل.

مرفق 96 التقرير يذكر تسلّل عناصر أمنية بصفة متطوّعين، واعتقال من يخالف القواعد الجديدة وتعذيبه

ونسّقت المنظمة مع فروع المخابرات للتغطية على عمليات التعذيب عبر شهادات وفاةٍ مزوّرة، واستُخدمت سياراتها وستراتها غطاءً لنقل المعتقلين وعناصر الأمن. وامتلأ مركزها الرئيسي بدمشق بأبناء مسؤولين متورّطين، من بينهم "تمّام محرز"، مدير العمليات وابن شقيق آصف شوكت، وابنة حسام لوقا رئيس المخابرات العامة، التي شغلت موقعًا في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بدمشق.

إدراج "حبوباتي" على قائمة "قيصر"

وترتّب على هذه الممارسات أثرٌ دولي. ففي يوليو/ تموز 2021، أدرجت الولايات المتحدة خالد حبوباتي على قائمة عقوبات "قانون قيصر"، ضمن حزمةٍ شملت 32 شخصية وكيانًا داعمًا للنظام، واتّهمته وزارة الخزانة الأمريكية باستخدام مقارّ منظمة "الهلال الأحمر" مراكزَ لاعتقال المدنيين وتعذيبهم، وبتسخير المساعدات الإنسانية لدعم النظام اقتصاديًا وعسكريًا ومعاقبة معارضيه

مرفق 97 من تغطيةٍ صحفية توثّق إدراج حبوباتي على عقوبات قيصر ضمن حزمةٍ من 32 شخصية وكيانًا داعمًا للنظام

اعتراف صوتي حصلت عليه "إيكاد"

وإلى جانب تلك التقارير الإعلامية والحقوقية والإجراءات الدولية، حصلت "إيكاد" -عبر مصادرها الخاصة- على دليل مادي ملموس يثبت تورط "حبوباتي" في تحويل المساعدات إلى خزينة الأسد ونظامه؛ ففي تسجيل صوتي خلال اجتماع داخلي، حذّر حبوباتي زملاءه من خطورة معرفة المنظمات الدولية بكيفية إدارة "الهلال الأحمر" لملف المساعدات وتوجيهها إلى خزينة الدولة. وقد تحقّق الفريق من التسجيل بصورةٍ مستقلة؛ إذ طابق البصمة الصوتية للمتحدث مع صوت "حبوباتي" في مقابلاته التلفزيونية، وهو ما أثبت التطابق بين الصوتين.

مرفق 98 مقارنةٌ للبصمة الصوتية بين التسجيل ومقابلةٍ للمهندس خالد حبوباتي بثّها حساب الهلال الأحمر على "إنستغرام" من جنيف في أكتوبر/ تشرين الأول 2024

وفي التسجيل الذي بلغت مدّته نحو دقيقة، يشير حبوباتي إلى تلقّيه تعليماتٍ بفصل 80% من العاملين خشية الانكشاف، ويؤكّد أن المنظمات الدولية ستوقف تمويلها كليًا حال معرفتها بما يحدث، وأنه يعمل تحت إشرافٍ مباشر من الرئيس بشار الأسد، وأن روسيا والحكومات الغربية على اطّلاعٍ بقوّة علاقته به.

نهاية مسار 

هكذا تُطوى صفحة رجلٍ بدأت علاقته بآل الأسد في كازينوهات الستينيات وانتهت رئيسًا لمنظمةٍ إنسانية على قائمة العقوبات. فمن المصاهرة إلى المعابر إلى رئاسة الهلال الأحمر، راكم حبوباتي نفوذًا سخّره لخدمة النظام حتى صارت الإغاثة في يده موردًا لتمويل الحرب وأداةً لقمع من رُفعت المساعدات باسمهم. وإذ يلتقي إقرارُه المسجَّل بما وثّقته التقارير الدولية، تبدو استقالته بعد سقوط الأسد آخر صفحةٍ في مسارٍ حوّل عون المنكوبين إلى سلاحٍ بيد النظام.

السياق الأوسع

وتندرج هذه النتائج ضمن مشهد أوسع لم ينته فيه العبء الإنساني بتغيّر السلطة، فقد قدّرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2026 أن 15.6 مليون شخص ما زالوا بحاجة إلى المساعدة، ما يبقي سلامة قنوات التوزيع والرقابة مسألة حاضرة تتجاوز سنوات الحرب السابقة. وبعد أربعة أيام من استقالة حبوباتي، أطلق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر نداءً بقيمة 130 مليون فرنك سويسري لمساندة خمسة ملايين شخص في سوريا، وذكر أن الهلال الأحمر السوري كان يضم 14 فرعًا و64 شعبة نشطة وأكثر من تسعة آلاف متطوع، وهي شبكة واسعة استمرت الحاجة إليها بالتزامن مع تغير قيادة المؤسسة.

وتغير بالتوازي الإطار الدولي الذي يحكم تدفق الأموال والتعاملات إلى سوريا، ففي يونيو/حزيران 2025 أنهت وزارة الخزانة الأميركية برنامج العقوبات الشامل على سوريا، وأزالت 518 فردًا وكيانًا من قائمة العقوبات، مع استمرار التدابير الموجهة ضد بشار الأسد وشبكاته ومنتهكي حقوق الإنسان. وبعد رفع العقوبات الاقتصادية العامة في مايو/أيار 2025، مدد الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2026 التدابير المقيدة ضد المرتبطين بالنظام السابق حتى مطلع يونيو/حزيران 2027. ويضع هذا الانتقال من القيود الاقتصادية الواسعة إلى العقوبات الأكثر استهدافًا مسألة الحوكمة والإفصاح والرقابة داخل المؤسسات التي تمر عبرها المساعدات في قلب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.