مجموعة من القساوسة الإنجيليين يحيطون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو جالس على كرسيه مغمضًا عينيه، ويدعون ربهم أن يحفظ رئيسهم ويجعل النصر حليفه.
رابط
كان ذلك المشهد بعد أيام قليلة من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/ شباط 2026. فيما بدا كنوع من التعبئة الدينية خلال الحرب. نظمت هذا المشهدَ الروحاني تلك المرأة التي ترتدي بزة حمراء. فمن هذه المرأة؟ وما قصتها؟
إنها باولا وايت.. قسيسة إنجيلية، باتت تُعرف في واشنطن بأنها "المستشارة الروحية" لدونالد ترامب، فهي واحدة من أقرب الشخصيات الدينية إليه.
◆
المرفقات 01–02 1 / 2
عاشت وايت، ذات الـ 60 ربيعًا، طفولة مضطربة بعد انفصال أبويها، ثم انتحار والدها لاحقًا. ومنذ المراهقة، بدا عليها ملامح التدين، إذ اعتنقت المسيحية الإنجيلية، وأسست بعد ذلك مع زوجها كنيسة "Walls Without Walls" في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، والتي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكبر الكنائس المرتبطة بتيار ما يعرف بـ "إنجيل الرخاء"، وهو تيار ديني مسيحي يربط بين الإيمان الديني والنجاح المادي والدنيوي.
خلال عام 2002، شاهد دونالد ترامب برنامجًا تلفزيونيًّا دينيًّا تقدمه باولا وايت، ونال أسلوبها إعجابه، وهو ما حدا به إلى التواصل معها ودعوتها لاحقًا لإلقاء عظات دينية في بعض المحافل. كانت تلك نقطة تحول كبرى في مسيرتها، إذ مثل ذلك بداية لعلاقة طويلة جمعتهما سويًا، وجعلت وايت واحدة من أهم مستشاريه الروحيين.
ومع دخول ترامب عالم السياسة، باتت وايت فاعلًا رئيسًا في الأوساط الدينية الداعمة له. حيث شاركت في المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملته الرئاسية عام 2016. كما أنها قادت مراسم الصلاة خلال حفل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2017.
مرفق 03
ثم عُيّنت رسميًا، في عام 2019، مستشارة لمبادرة الإيمان والفرص في البيت الأبيض، لتصبح أول امرأة إنجيلية تتولى هذا الدور داخل الإدارة الأمريكية. وفي فبراير/ شباط 2025، أنشأ ترامب ما يسمى "مكتب الإيمان"، وأوكل رئاسته إليها.
خطاب ديني منخرط في المعارك السياسية
ما يلفت النظر في الخطاب الديني لباولا وايت هو انخراطها الشديد في السياسة والصراعات الدولية، حيث تقدم تفسيرات دينية للكثير من الأحداث الجارية في العالم، وتتعامل مع الكثير منها بمنظور "النبوءات". فقبيل أيام من حسم نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020، ظهرت وايت متحمسة في صلاة بُثت مباشرة من إحدى الكنائس في فلوريدا، متحدثة عن "قوى شيطانية" تحاول سرقة الانتخابات، وداعية ربها لتدخل الملائكة لحماية ترامب، معتبرة أن ما يحدث جزء من معركة روحية دينية أوسع.
يوتيوب
لا يقتصر الأمر، فيما يبدو، على السياسة الداخلية فقط، بل تتجاوز وايت إلى ما يمكن وصفه بـ "الحشد والتعبئة الدينية" في قضايا تتعلق بالحروب والسياسات الخارجية للولايات المتحدة. ففي فبراير/ شباط 2026، تحدثت وايت، خلال مؤتمر ديني بولاية فلوريدا، عن "المؤمنين الذين يتقدمون الصفوف في سبيل الله". وكان ذلك قبل أيام فقط من بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وكما ذُكر في صدر التقرير، نظمت وايت مراسم صلاة داخل البيت الأبيض بعد أيام قليلة من بدء الحرب، وتحديدًا في 5 مارس/ آذار 2026. وشارك في الجلسة عدد من القساوسة الإنجيليين، وهو ما يعطي للحرب ما يمكن وصفه بـ "الغطاء الديني".
مرفق 04
دعم مطلق لإسرائيل
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فالخطاب الديني لباولا وايت حدود السياسة المحلية الأمريكية ليتقاطع مع عقيدة لاهوتية راسخة تتماشى مع منطلقات "الصهيونية المسيحية"، ولها تأثير كبير على السياسات الخارجية تجاه إسرائيل. فبالنسبة لها، لا تعد إسرائيل مجرد ملف في أجندتها السياسية، بل جزءًا لا يتجزأ من تكوينها العقدي. فهي ترى بوضوح أن "هناك ثوابت إلهية لا تقبل الجدل، وإسرائيل في مقدمتها"، وتعتبر دعم إسرائيل واجبًا شرعيّا.
وخلال حوارها مع بنيامين نتنياهو عبر شبكة "Daystar"، استنطقت وايت الأحداث الجارية لربطها بـ 'نبوءات آخر الزمان"، التي تربط عودة اليهود إلى إسرائيل بنهاية العالم. وانطلاقًا من ذلك، ترى وايت أن من يخذل إسرائيل يضع نفسه في مواجهة حتمية مع القدر الإلهي ومسار التاريخ المرسوم في الكتب المقدسة.
مرفق 05
كما يتضح، يعكس هذا الخطاب رؤية منتشرة داخل بعض الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي ترى في أحداث الشرق الأوسط جزءًا من معركة روحية كبرى، وتعتبر دعم إسرائيل تحقيقًا لنبوءات توراتية عن أحداث آخر الزمان والصراعات التي تسبقه.
وإذا نظرنا إلى هذا الخطاب من زاوية تحليلية أوسع، من الممكن القول إن ظاهرة "باولا وايت" لا تنفك عن صعود التيارات اليمينية في العالم، لا سيما الغربي، إذ تتعزز السرديات الدينية والقومية المتطرفة، وتهيمن الرؤى الأحادية الحَدّية، ويتلاشى صوت الحوار والتعايش. وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل تهدد هذه الظاهرة بالانقلاب على عالم ما بعد "صلح وستفاليا" وتعيد الحروب الدينية إلى الواجهة مرة أخرى؟
"هدية" ترامب الوهمية.. كيف كذّب الواقع الملاحي في هرمز تصريحات واشنطن؟
خبر
"هدية" ترامب الوهمية.. كيف كذّب الواقع الملاحي في هرمز تصريحات واشنطن؟
في إطار المتابعة الدورية لحالة الملاحة في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، رصد فريق "إيكاد"، يومي 26 و27 مارس/ آذار 2026، فشل محاولات 3 سفن أجنبية العبور من مضيق هرمز، إذ أظهرت بيانات المواقع الملاحية المختصة محاولتها التوجه نحو المضيق والعبور للضفة المقابلة، ثم ما لبثت أن عادت أدراجها.
منع 3 سفن من المرور عبر "هرمز"
ورُصدت السفينة الأولى أثناء توجهها للمضيق ظهيرة يوم 26 مارس/ آذار 2026، وخلال أقل من ساعة، شوهدت وهي تعكس مسارها وتقفل عائدةً من ذات الطريق الذي قدمت منه، وبالبحث، تبين أنها ترفع علم جزر مارشال، ذات الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة.
◆
المرفقات 06–08 1 / 3
صورة توضح مسار السفينة الأولى أثناء توجهها نحو مضيق هرمز (Marine Traffic)
الصورة توضح مسار العودة للسفينة الأولى (Marine Traffic)
السفينة ترفع علم جزر مارشال، ذات الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة (Marine Traffic)
أما السفينتان الأخريتان، فشوهدا، عصر 27 مارس/ آذار 2026، وهما يغيران مساريهما ليتجها نحو إمارة رأس الخيمة، بعد عدم تمكنهما من عبور المضيق والوصول إلى وجهتيهما، وحسب البيانات الملاحية، ترفع السفينتان علم هونغ كونغ.
◆
المرفقات 09–11 1 / 3
صورة توضح مسار عودة السفينتين (Marine Traffic)
المسار يوضح عودتهما تجاه دول الخليج العربي (Marine Traffic)
البيانات الملاحية توضح رفع السفينتان علم هونغ كونغ (Marine Traffic)
تناقضات مع تصريحات ترامب
جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح، صبيحة 26 مارس/ آذار 2026، بأن إيران قدمت "هدية" للولايات المتحدة، وذلك في إطار ما زعم أنه "مفاوضات غير مباشرة" بين الجانبين. وحسب التصريح، تمثلت الهدية الإيرانية في سماحها بمرور 10 ناقلات نفط عبر مضيق هرمز.
وفي الجهة المقابلة، أعاد الحرس الثوري، بعد ساعات من تصريحات الرئيس الأمريكي، تأكيده على أن أي سفينة تحاول المرور من وإلى موانئ حلفاء الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز ستواجه "منعًا تامًّا للمرور". معلنًا عن منع 3 سفن من المرور عبر مضيق هرمز بعد تحذير من "بحرية الحرس الثوري".
وحسب ما رصدته "إيكاد" حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات ميدانية تدل على صحة ما أعلنه ترامب.
يأتي ذلك في ظل نزاع عسكري متصاعد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، أدى بدوره إلى قفزة في أسعار النفط، لا سيما بعد قرار طهران، في الثاني من مارس/ آذار 2026، بتقييد الملاحة في مضيق هرمز، ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ولكونه شريانًا يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًّا، تسبب هذا التوتر في مضاعفة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يثير قلقًا دوليًّا من أزمة اقتصادية عالمية وشيكة.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/ شباط 2026، وما أسفرت عنه من إغلاق إيراني لمضيق هرمز، شهدت أسعار النفط العالمية حالة من عدم الاستقرار الحاد.
تتبع فريق "إيكاد" أسعار خام "برنت" منذ بدء الحرب وحتى مطلع أبريل/ نيسان 2026، وهو ما أنتج رسمًا بيانيًا كشف لنا عن نمط متكرر؛ إذ يؤدي وعيد ترامب باستهداف المنشآت الحيوية مثل "جزيرة خرج" إلى قفزات سعرية فورية، بينما تساهم تغريداته حول "قرب نهاية الحرب" في تهدئة الأسواق وتراجع الأسعار.
تذبذبات متكررة
قبل إعلان ترامب بدء عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران، استقر خام "برنت" عند 72 دولارًا، ليدخل بعدها مسارًا تصاعديًا حاداً مع بدء المعارك وإعلان طهران إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وتزامن ذلك مع تصريحات الرئيس ترامب، في 2 مارس/ آذار 2026، التي توقع فيها استمرار الحرب لأسابيع، ليقفز بعدها سعر البرميل إلى 77 دولارًا.
وبعد أربعة أيام، سجلت الأسعار قفزة كبرى لتصل إلى 92 دولارًا، عقب منشور لترامب عبر منصة "تروث سوشيال" رفض فيه أي اتفاق مع إيران دون "استسلام غير مشروط". واستمر الزخم الصعودي مدفوعًا بنبرة التصعيد الأمريكية، ليلامس سعر البرميل حاجز 98 دولارًا بحلول 9 مارس/ آذار 2026، في واحدة من أسرع موجات الارتفاع السعري.
مرفق 12واصل النفط صعوده مدفوعًا بالتصعيد الأمريكي، مقتربا من 98 دولارًا للبرميل
وفي اليوم التالي، سجلت الأسعار انخفاضًا حادًا بلغ نحو 11 دولارًا، لتستقر عند 87 دولارًا للبرميل، عقب تصريحات توقع فيها ترامب انتهاء الحرب "قريبًا جدًّا".
مرفق 13تراجعت الأسعار بنحو 11 دولارًا إلى 87 دولارًا للبرميل، عقب تصريحات لترامب توقع فيها قرب انتهاء الحرب
لكن المسار الهبوطي تبدد في 13 مارس/ آذار 2026؛ إذ عاودت الأسعار الارتفاع بعد استهداف واشنطن لعدد من الأهداف العسكرية في جزيرة "خرج" النفطية، لتواصل الصعود حتى لامست حاجز 112 دولارًا في 20 مارس/ آذار 2026.
وفي 23 مارس/ آذار، شهدت الأسواق تراجعًا مؤقتًا لتهبط إلى 99 دولارًا، إثر تصريح ترامب عن إجراء "محادثات مثمرة" مع طهران وتأجيل الضربات العسكرية ضد مواقع الطاقة الإيرانية لخمسة أيام. وذلك رغم نفي إيران إجراء أي محادثات، مباشرة أو غير مباشرة.
مرفق 14استمر تذبذب الأسعار حتى مطلع أبريل/ نيسان 2026، ليصل يومها إلى 101 دولارًا للبرميل.
ثم قفزت الأسعار مجددًا، في 2 أبريل/ نيسان 2026، مدفوعة بخطاب تصعيدي توعد فيه ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، مهددًا بتكثيف العمليات العسكرية في الأسابيع المقبلة، وهو ما دفع الأسعار إلى تجاوز 108 دولارات للبرميل.
مرفق 15قفزت الأسعار فوق 108 دولارات للبرميل في 2 أبريل/ نيسان 2026، عقب تهديدات ترامب بتصعيد العمليات ضد إيران
الخلاصة
يتضح مما سبق وجود علاقة طردية بين النبرة السياسية للرئيس الأمريكي وتذبذات أسعار خام "برنت" خلال فترة الحرب.
مرفق 16
حيث يظهر المنحنى صعودًا يتناسب مع تصعيد لهجة ترامب، في حين تظهر الانكسارات المفاجئة في المنحنى بعد تصريحاته حول "محادثات مثمرة" أو "قرب انتهاء الحرب".
"ألم قصير لمكسب طويل".. كيف برّر إعلام ترامب الحرب على إيران؟
مقال
"ألم قصير لمكسب طويل".. كيف برّر إعلام ترامب الحرب على إيران؟
"short-term pain for long-term gain".. عبارة قصيرة ذات صياغة أدبية وإيقاع موسيقي، لاحظ فريق "إيكاد" تكرارها في الخطاب الإعلامي لمسؤولي الإدارة الأمريكية والموالين لها خلال فترة الحرب. إذ يبررون إشعال الحرب، التي يرى كثير من الأمريكيين أنها غير ضرورية ولا علاقة لهم بها، بأنها "ألم قصير المدى لتحقيق مكسب طويل المدى".
ولما لاحظ فريقنا جدلًا أمريكيًّا داخليًّا حول هذه العبارة، قرر تتبع كيفية انتشارها، في محاولة لفهم كيف تُبرَّر الحرب على إيران للرأي العام الأمريكي. إضافة إلى رصد طبيعة تفاعل المجتمع الأمريكي معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
جملة واحدة يكررها المسؤولون الأمريكيون
كانت البداية من المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، حيث بررت ارتفاع أسعار النفط والغاز جراء الحرب بأنه "اضطراب قصير الأمد مقابل مكسب طويل الأمد"، معتبرة أن هذا المكسب هو "القضاء على النظام الإيراني الإرهابي، وتحرير تدفق الطاقة في الشرق الأوسط"، وهي ذات العبارة التي رددها مايك والتز، السفير الأمريكي في الأمم المتحدة.
إنستغرام
كما رصد فريقنا وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، والمتحدث باسم البيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى، شون سبايسر، والإعلامي الأمريكي الموالي لترامب، جيسي واترز، يرددون الجملة نفسها. فضلًا عن ترويج العديد من الوسائل الإعلامية والصحفية الأمريكية لذات السردية. وهو ما جعل الأمر يبدو كخطاب سياسي إعلامي منسق يهدف إلى تبرير الحرب وتسويقها للشعب الأمريكي.
فكيف استقبل الرأي العام الأمريكي هذه التبريرات؟
يبدو أن الشعب الأمريكي لاحظ هذا التكرار، فلاقت العبارة تفاعلًا محليًّا واسعًا، وتحولت من خطاب رسمي يردده المسؤولون الأمريكيون إلى مادة للسخرية والغضب على منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر البعض أن تكرار العبارة ذاتها من كافة المسؤولين وعلى جميع المنصات الإعلامية يهدف إلى "السيطرة على العقول" و"التأثير على الوعي"، لافتًا إلى أن شركتين فقط تملكان جميع وسائل الإعلام في الولايات المتحدة.
◆
المرفقات 17–19 1 / 3
نماذج لمنشورات ساخرة من عبارة "ألم قصير لمكسب طويل" (تيك توك/ إكس)
نماذج لمنشورات ساخرة من عبارة "ألم قصير لمكسب طويل" (تيك توك/ إكس)
نماذج لمنشورات ساخرة من عبارة "ألم قصير لمكسب طويل" (تيك توك/ إكس)
من زاوية أخرى، انتقد عضو المجلس التشريعي في ولاية تكساس، جيمس تالاريكو، عبارة "ألم قصير المدى"، مشددًا على أن وفاة الجنود "ألم طويل المدى"، ورافضًا اختزال تكاليف الحرب في معادلة اقتصادية باردة، وطالب مردديها بقولها في وجوه أهالي الجنود الذين فقدوا أرواحهم، معتبرًا أن إرسال الجنود الأمريكيين إلى حرب أخرى لا نهاية لها أمر "غير أخلاقي".
إكس
Q: The Trump admin is saying that the war is 'short term pain for long term gain.' What do you make of that message?
Talarico: I'd like them to tell that to the parents of American troops who have lost their lives. For Trump to recklessly send our men and women in uniform to the… pic.twitter.com/NmCW9X9nnf
وبتتبع مختلف وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية، رصد فريق "إيكاد" أكثر من 11 ألف حساب شاركوا ما يربو على 17 ألف منشور ساخر وناقد لهذه الجملة، وهو ما يعكس حجم الجدل الشعبي الذي أثارته هذه العبارة في الداخل الأمريكي.
مرفق 20إحصائيات التفاعل الساخر والناقد مع جملة "ألم قصير لمكسب طويل" (إيكاد)
انقسام شعبي ورسمي حول سردية الإدارة
ومما سبق، يتضح وجود حملة منسقة من إدارة ترامب والإعلام الموالي لها، كان عمادها عبارة "ألم قصير لمكسب طويل"، تهدف إلى شرعنة الحرب الإيرانية وتسويغ آثارها المنعكسة على الشعب الأمريكي، لكن ذلك قوبل بموجة واسعة من الرفض والسخرية، وفق ما رصده فريق "إيكاد".
وإجمالًا، تحاول السردية الرسمية الأمريكية تبرير الحرب بوجود "تهديد إيراني وشيك"، ما يعني أن الحرب "ضرورية"، وأن خسائرها وتكاليفها "ألم قصير لتحقيق مكسب طويل"، لكن يبدو أن الرفض للمبررات الرسمية لا يقتصر على الرأي الأمريكي العام، إذ امتدت لتشمل الإدارة الأمريكية ذاتها.
حيث تشهد الإدارة منذ الحرب ما يمكن وصفه بحالة من "التخبط والتوتر" بين دعم الرئيس ترامب وسياساته، وبين المبادئ الانعزالية التي يتبناها جزء كبير من قاعدته الشعبية. برز ذلك في استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، معلنًا عدم قدرته على تأييد حرب ضد دولة "لا تمثل أي تهديد وشيك"، متهمًا إسرائيل بدفع الولايات المتحدة لمهاجمة إيران.
فضلًا عن موقف مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، التي رفضت خلال جلسة استماع أمام الكونغرس في 18 مارس/ آذار 2026، تأكيد ما إن كان البرنامج النووي الإيراني يمثل "تهديدًا وشيكًا" قبل ضربات 28 فبراير/ شباط 2026، وفق ما رصدته شبكة "فرانس 24". هذا بالإضافة إلى الضغوط السياسية التي يواجهها مسؤولون كبار في الإدارة نتيجة معارضتهم للتصعيد أو صمتهم عنه، حيث باتوا يجدون أنفسهم مضطرين للدفاع عن حرب كانوا يحذرون منها سابقًا.
دفعت ثلث تكاليف حملة ترامب الرئاسية.. كيف تؤثر "أديلسون" في السياسة الأمريكية؟
مقال
دفعت ثلث تكاليف حملة ترامب الرئاسية.. كيف تؤثر "أديلسون" في السياسة الأمريكية؟
لم يكن مبلغ 105.8 مليون دولار رقمًا عابرًا في تقارير تمويل الانتخابات الأمريكية التي فاز بها دونالد ترامب في ولايته الثانية، مع إحكام الجمهوريين سيطرتهم على الكونغرس، بل شكل مدخلًا لفهم شبكة نفوذ أوسع. وعند الشروع في تتبع هذا الرقم داخل قوائم كبار ممولي الحزب الجمهوري، لم يقدنا إلى شركة معروفة أو جماعة ضغط تقليدية مرتبطة بإسرائيل، بل إلى اسم واحد يتكرر في قلب شبكة النفوذ الممتدة بين واشنطن وتل أبيب: "ميريام أديلسون".. ومن هنا بدأ مسار التحقيق.
مرفق 21
أثر التمويل على سياسات الجمهوريين
في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أُعلن فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، متفوقًا على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، في سباق انتخابي وصف بأنه من الأكثر حدة في تاريخ البلاد، وذلك بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في التوترات بالشرق الأوسط، حيث كانت الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان في ذروتها، بينما دخلت إيران المواجهة بشكل مباشر أكثر من مرة.
وبينما كانت أنظار العالم تتجه صوب نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كنا في "إيكاد" نتابع مسارًا مختلفًا تمامًا، لم يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من قوائم التمويل، التي حَوَت رجال أعمال ومنظمات وشركات إسرائيلية، للتأثير المباشر في مواقف المرشحين عبر الضغط لتوجيه سياسات واشنطن الخارجية بما يتماشى مع مسار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
ومن داخل هذه القوائم، تتبعنا تقارير التمويل السياسي خلال عام 2024، والتي وضعت بدورها اسم "ميريام أديلسون" ضمن أكبر ثلاثة ممولين للحزب الجمهوري، وأكبر ممول داعم لإسرائيل في هذه الانتخابات.
مرفق 22قائمة تضم أكبر ممولي الحزب الجمهوري (Read Sludge)
ولم يكن ما وجدناه في 2024 استثناء، إذ عدنا إلى انتخابات 2012، وتتبعنا تقارير التمويل، فوجدنا أن عائلة أديلسون "Adelson" الداعمة لإسرائيل، كانت حينها أكبر ممول للحزب الجمهوري، بأكثر من 100 مليون دولار. ثم انتقلنا إلى انتخابات 2016، وكشف تحليلنا للبيانات أن تلك العائلة ضخت نحو 133 مليون دولار، أي ما يعادل 30.6% من إجمالي تمويل الحملة الجمهورية الذي بلغ 434 مليون دولار.
مرفق 23مساهمات عائلة أديلسون في تمويل الحزب الجمهوري خلال الانتخابات الرئاسية منذ عام 2012 (إيكاد)
كما كشفت المصادر أن تبرعاتها لحملة دونالد ترامب ومجموعات الحزب الجمهوري في انتخابات 2020 ارتفعت بنسبة 23% مقارنة بعام 2016، لتصل إلى نحو 173 مليون دولار من إجمالي 1.087 مليار دولار، أي ما يقارب 16% من التمويل الكلي للحملة.
لم تكن هذه الزيادات رقمية فحسب، لكنها كشفت نمطًا واضحًا: فكلما زاد التمويل عبر السنوات، ازداد انحياز الحزب الجمهوري لليمين الإسرائيلي. هذه العلاقة تفتح بابًا للسؤال حول خلفية "أديلسون" الأيديولوجية وأجندتها الداعمة لإسرائيل، ورؤيتها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وارتباطها بدعم الاستيطان.
شبكة اقتصادية وإعلامية ضخمة
بالبحث في قواعد بيانات مثل "Open Corporates"، وتحليلنا لسجلات الشركات، وتقارير "Bloomberg"، بدأ يتضح أن "ميريام أديلسون" ليست مجرد متبرعة سياسية. فهي طبيبة أمريكية يهودية تحمل الجنسية الإسرائيلية، وزوجة رجل الأعمال "شيلدون أديلسون"، أحد أبرز المليارديرات في الولايات المتحدة، ومالك صحيفة "Israel Hayom" الإسرائيلية اليمينية، وإمبراطورية "LAS VEGAS SANDS CORP" التي تدير كازينوهات وفنادق في الولايات المتحدة وسنغافورة ومناطق أخرى.
مرفق 24بيانات شركة "Las Vegas Sands" من سجلات قاعدة البيانات العالمية (OpenCorporates)
وبعد وفاة "شيلدون أديلسون" عام 2021، ورثت ميريام شبكة اقتصادية وإعلامية ضخمة، إلى جانب ثروة تقدر بنحو 37 مليار دولار. لكن الأهم من ذلك، أنها ورثت دورًا سياسيًا نشطًا، فمن خلال "Adelson Family Foundation"، التي تتبعنا بياناتها، إلى جانب شبكة منظمات غير ربحية، بينها مدارس يهودية في لاس فيغاس ومؤسسات طبية لمعالجة الإدمان، بدأت الأموال تتحرك في اتجاهات تتجاوز "العمل الخيري".
◆
المرفقات 25–26 1 / 2
بروفايل مؤسسة "Adelson Family Foundation"
بروفايل مؤسسة "Adelson Family Foundation"
دعم مطلق لإسرائيل
لم يكن فهم هذه الشبكة ممكنًا دون تفكيك جذورها الأيديولوجية؛ لذا قمنا بمراجعة أرشيف المقابلات التي أجرتها صحف أجنبية مع أديلسون على مدار العقدين الماضيين. كما تتبعنا التسريبات والبرقيات المتداولة في أروقة البيت الأبيض، والتي توصلت إليها "إيكاد" عبر "ويكيليكس".
وقد أتاح لنا ذلك رسم صورة أوضح لتوجهاتها السياسية، وكشف دور ثروتها في تعزيز التيار اليميني في إسرائيل، إلى جانب تأثيرها في ترجيح كفة مرشحين محددين في السباق الرئاسي الأمريكي، ودعم الجناح المحافظ داخل الحزب الجمهوري.
ما وجدناه لم يكن مجرد مواقف سياسية، بل رؤية متكاملة تدعم بشكل كامل السياسات اليمينية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الذين تراهم "أمة مخترعة"، حيث تعارض حل الدولتين وتدعم الاستيطان وتمول برنامج حق الولادة في إسرائيل، كما أنها تدعم السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس.
وخلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عارضت أديلسون بشدة الاتفاق النووي مع إيران، داعية إلى توجيه ضربة نووية ضد إيران. ومن خلال رسائل بريد إلكتروني مرتبطة بهيلاري كلينتون، توصلنا إلى أن عائلة "أديلسون" أسست مجموعة ضغط (لوبي) تسمى "لجنة الطوارئ من أجل إسرائيل"، وضخت فيها عشرات الملايين لاستهداف صورة أوباما والدفاع عن نتنياهو، كما استخدمت صحيفة "Israel Hayom" كمنصة دعائية لتحقيق هذا الهدف.
مرفق 27
ثم انتقلنا إلى انتخابات 2016، وبالمقارنة بين تصريحات أديلسون ومواقف حملة ترامب الأولى، يتبين أن الدعم المالي الذي قدمته عائلة "أديلسون" لترامب كان ممهورًا بثلاثة مطالب رئيسية: الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم الاستيطان في الضفة الغربية.
وقد تحققت الشروط جميعها بعد دخول ترامب إلى البيت الأبيض في عهدته الأولى؛ حيث انسحب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو/أيار 2018 ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الشهر نفسه، وتبنى موقفًا أكثر تساهلًا مع سياسات الاستيطان. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ كشفت تسريبات ويكيليكس بيع الحكومة الأمريكية مقر إقامة السفير الأمريكي السابق شمال تل أبيب لعائلة "أديلسون" مقابل 67 مليون دولار.
دعم سخي للمنظمات الداعمة لإسرائيل
وعند نقطة فاصلة من مسار التحقيق، اكتشفنا أن خمسًا من أبرز المنظمات الداعمة للاستيطان والهجرة اليهودية إلى إسرائيل تتقاطع عند ممول واحد: عائلة أديلسون. إذ كانت العائلةُ الأكثرَ سخاءً في دعم كيانات تنشط في توسيع الاستيطان وتسليح المستوطنين وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على القدس، بأكثر من نصف مليار دولار.
مرفق 28شبكة الكيانات المرتبطة بعائلة "أديلسون"
◆
المرفقات 29–30 1 / 2
قائمة المنظمات التي تدعمها "أديلسون"
قائمة المنظمات التي تدعمها "أديلسون"
أكبر ميليشيا إسرائيلية
بدأنا بمنظمة "HaShomer HaChadash"، المعروفة أيضًا باسم (The Suckers) أي "المصاصون"، والتي تأسست عام 2007 على يد يوئيل زيلبرمان" الضابط اليميني الإسرائيلي، ويرأسها حاليًا "رام شمويلي"، رئيس الاستخبارات السابق في سلاح الجو الإسرائيلي. وحسب البيانات المتاحة، تلقت المنظمة 6 ملايين دولار من عائلة "أديلسون" بين عامي 2019 و2021
تحظى المؤسسة بتأييد سياسيين إسرائيليين مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، حيث إنها تدعم توسيع الوجود اليهودي وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية والنقب والجليل، بما يشمل الدفع نحو تهجير الفلسطينيين من هذه المناطق.
وبسبب جهودها وانتشارها، وصفتها صحيفة "هآرتس" بأنها "أكبر ميليشيا إسرائيلية"، حيث يزيد عدد المتطوعين فيها عن 120 ألف إسرائيلي، وقد حصلت على دعم بحوالي 13.5 مليون دولار من وزارة الاستيطان. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن متطوعيها تورطوا -حسب توثيق تقارير متعددة- في أعمال عنف استهدفت فلسطينيين في الضفة الغربية.
وبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، رصد الفريق توسعًا كبيرًا في نشاطها، شمل تسليح آلاف الإسرائيليين، وتسيير دوريات على جانبي الخط الأخضر، وإعادة بناء مستوطنات غلاف غزة، وإنشاء مدارس صهيونية قرب القطاع في 2024، كما أنها تعهدت بتوفير نحو 15 ألف نوبة حراسة لتأمين المستوطنات في الضفة الغربية.
الاستحواذ على المواقع الأثرية في القدس
ثم انتقلنا إلى "Ir David Foundation" أو "ELAD"، وكشف تتبعنا لمسارات التمويل أن المنظمة تلقت 3 ملايين دولار عام 2018 من عائلة أديلسون دعمًا لأنشطتها. ومن خلال تحليل أنشطة المنظمة ومراجعة تسريبات استخباراتية ومصادر مفتوحة، تبين أنها تنشط في توطين عائلات يهودية داخل البلدة القديمة في القدس، وترويج السياحة الدينية اليهودية، إلى جانب تنفيذ حفريات وشق أنفاق قرب الحرم المقدسي للتنقيب عن آثار يهودية، مع تحويل هذه المواقع إلى مزارات سياحية دينية.
مرفق 32شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بـ "Ir David Foundation" (إيكاد)
ومنذ تأسيسها عام 1986، عملت "ELAD" على الاستحواذ على عشرات المنازل والعقارات الفلسطينية في القدس الشرقية وحفرها أنفاقً تحت منازل الفلسطينيين ومسجد "مجمع سلوان" في القدس، حسبما كشفته تسريبات ويكيليكس وتقارير صادرة عن مراصد متخصصة في رصد الاستيطان والتلاعب القانوني. كما كشف التتبع أن المنظمة وسعت نفوذها لاحقًا، لتستحوذ بحلول عام 2016 على مواقع أثرية داخل البلدة القديمة، وتديرها فعليًا بالنيابة عن الحكومة الإسرائيلية، في حين لا تخضع أنشطتها لرقابة حكومية مباشرة.
مواجهة الأنشطة الطلابية والشعبية المناهضة لإسرائيل
وضمن رصدنا لشبكة التمويل، برز اسم "المجلس الإسرائيلي الأمريكي - Israeli-American Council"، باعتباره أحد أهم مفاصل النفوذ في واشنطن. وقد قدمت له عائلة "أديلسون"، عام 2018، منحة تتجاوز 12 مليون دولار.
مرفق 33شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بـ "المجلس الإسرائيلي الأمريكي" (إيكاد)
يعمل المجلس، الذي أسسه رجال أعمال إسرائيليون عام 2007، كمجموعة ضغط تستهدف نقل أجندات سياسية إلى الداخل الأمريكي. وقد تصاعد نشاطه بشكل لافت بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023، حيث انخرط في ممارسة ضغوط على مؤسسات أمريكية للتضييق على الاحتجاجات المناهضة للإبادة الإسرائيلية داخل الجامعات.
كما قاد المجلس حملات إعلامية منظمة لتعزيز الرواية الإسرائيلية ومواجهة تصاعد التعاطف مع الفلسطينيين في الأوساط الطلابية، بالتوازي مع دعم وتمويل منظمات مثل "Israel on Campus Coalition"، التي تنشط في رصد وتتبع الطلاب المؤيدين للفلسطينيين، في سياق حملات تشهير منسقة بالتعاون مع وكالات الاستخبارات الإسرائيلية.
وبالتعاون مع ذراعه السياسي "IAC for Action"، ضغط المجلس على المستوى الفيدرالي لمواجهة حركة المقاطعة "BDS" وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، في مسعى لتجفيف مصادر دعمها ووقف تمددها داخل الولايات المتحدة.
تكريس الاستيطان الديموغرافي
قادنا البحث إلى رقم تمويلي استثنائي؛ بلغت قيمته نصف مليار دولار وزعت على دفعات بدءًا من عام 2006.كان هذا المبلغ من نصيب "مؤسسة حق الولادة في إسرائيل - Birthright Israel Foundation"، التي تنشط في تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل عبر تنظيم رحلات مجانية من مختلف دول العالم، كما تدعم منح الجنسية لليهود غير الإسرائيليين، وتتبنى مواقف مؤيدة للسياسات الأمنية المتشددة لحماية المستوطنات، وبطبيعة الحال ترفض حل الدولتين.
الجدير بالذكر أن المنظمة تأسست وبدأت أنشطتها منذ عام 1999 على يد "مايكل شتاينهارت"، الملياردير الأمريكي اليهودي، صاحب العبارة الشهيرة "إسرائيل هي الدولة الأكثر أخلاقية على هذا الكوكب".
◆
المرفقات 34–36 1 / 3
وخلال العقدين الماضيين، وسعت المنظمة انتشارها داخل الولايات المتحدة وكندا بشكل لافت، إذ افتتحت عشرات الفروع الجديدة آخرها كان في 2017 في أمريكا، ولا يزال 22 فرعًا من فروعها الإجمالية نشطًا حتى اليوم. ومما لوحظ أن تضاعف البنية التنظيمية تزامن مع تدفق تمويل أديلسون، ما يشير إلى دور مباشر في تسريع وتيرة أنشطة المنظمة، بما يخدم أجندة التيار اليميني الإسرائيلي، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز الهجرة وتثبيت الوجود الإسرائيلي في القدس.
مرفق 37
دعم التوسع الاستيطاني
وضمن شبكة التمويل التي تتبعناها، برز اسم منظمة "One Jerusalem" كأحد الأذرع النشطة في هذا المسار. وكسابقاتها، تتبنى المنظمة التي تأسست عام 2000 توجهًا يمينيًا متطرفًا، إذ تعارض "حل الدولتين"، وتدعم السيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس، وتدعو إلى اعتبار القدس عاصمة حصرية لإسرائيل.
مرفق 38شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بمؤسسة "One Jerusalem" (إيكاد)
تتركز أعمال المنظمة على دعم التوسع الاستيطاني داخل القدس الشرقية، خصوصًا في الأحياء ذات الأغلبية الفلسطينية، بالتوازي مع قيادة حملات ضغط سياسي وإعلامي وتنظيم مسيرات ضد "تقسيم القدس" أو إبقاء أجزاء منها تحت إدارة فلسطينية.
وبتتبع قياداتها تبين أن ثلاثة من أبرز أعضائها ينتمون إلى التيار اليميني المتطرف في إسرائيل؛ أولهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وثانيهم مدير المنظمة المعروف بمواقفه المتشددة، ناتان شارانسكي، ويعلن باستمرار رفضه لاتفاقيتي أوسلو وكامب ديفيد، كما أنه استقال من منصبه كوزير عام 2006 اعتراضًا على الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
مرفق 39
دعم جيش الاحتلال الإسرائيلي
كذلك قدمت عائلة "أديلسون"، خلال عام 2020، 11 مليون دولار لمنظمة "أصدقاء الجيش الإسرائيلي - Friends of the Israel Defense Forces"، التي تضم شبكة من الحاخامات والسياسيين ورجال الأعمال والعسكريين السابقين، وتعمل كذراع يقدم دعمًا ماليًا واجتماعيًا لمنتسبي جيش الاحتلال الإسرائيلي وذويهم.
الاستثمار في الإسلاموفوبيا
لم يقتصر تمويل "أديلسون" على دعم المنظمات المرتبطة بالاستيطان أو الضغط السياسي، بل امتد ليشمل كيانات تساهم في تشكيل الصورة الذهنية عن العرب والمسلمين في الغرب. ففي عام 2018، قدمت أكثر من مليون دولار لمعهد الشرق الأوسط للإعلام والبحوث "MEMRI"، المعني برصد المحتوى الإعلامي العربي المتعلق باليهود وإسرائيل وترجمته للجمهور الغربي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعهد تأسس عام 1998، وأن مؤسسه، ييغال كارمون، كان ضابطًا في الاستخبارات الإسرائيلية.
مرفق 40شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بمعهد الشرق الأوسط للإعلام والبحوث "MEMRI" (إيكاد)
كما أن البحث المعمق أظهر أن أنشطة المعهد في رصد وترجمة المحتوى العربي لم تكن حيادية، بل انتقائية. فبحسب تقارير صادرة عن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "CAIR" كشفت نمطًا من الترجمة الانتقائية التي يقوم بها المعهد، تبين أنها تصب في تعزيز صورة سلبية عن العالمين العربي والإسلامي، من خلال ربطهما بخطابات التطرف والإرهاب.
وأخيرًا، قد يتقاطع هذا الدور مع ما وثقته صحيفة "نيويورك تايمز"عام 2012، إذ كشفت عن مساهمة أديلسون في تمويل حملات إعلامية مناهضة للمسلمين؛ من بينها فيلم "The Third Jihad"، الذي قدم صورة تربط المسلمين بالإرهاب.
مرفق 41
من يتحكم في السياسة الأمريكية؟
بالوصول إلى هذه النقطة، يكون تحقيقنا قد تتبع مسار أكثر من مليار دولار بذلتها عائلة "أديلسون" للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، سواء كان ذلك بشكل مباشر من خلال الدعم السخي المشروط للحزب الجمهوري الأمريكي، أو بشكل غير مباشر عبر تمويل مجموعات ضغط بارزة، تتبنى سياسات متشددة مناهضة للفلسطينيين.
وبهذه الصورة أو تلك، تركز التمويل الذي تقدمه العائلة على دعم سياسة خارجية أمريكية داعمة لإسرائيل بشكل شبه مطلق، وكان من الملاحظ أن سياسات الحزب الجمهوري تزداد قربًا من اليمينيين الإسرائيليين كلما زاد دعم "أديلسون"، وقد حدث ذلك -كما أسلفنا- في ولاية ترامب الأولى.
وفي ضوء عودته إلى البيت الأبيض، واستمرار دعم "أديلسون" له، تتصاعد التساؤلات حول شكل السياسة التي ستنتهجها إدارة ترامب الثانية، لا سيما فيما يتعلق بالسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
ما توصل له هذا التحقيق يعيد التساؤل حول الدور المتنامي للأثرياء في تحديد السياسات الأمريكية، على الصعيدين الداخلي والخارجي، فبعد أن كانت مساهمات أغنى 100 أمريكي في الانتخابات الفيدرالية الأمريكية لا تتجاوز 0.25% من إجمالي الإنفاق الانتخابي مطلع العقد الجاري، إذ بها تقفز لتشكل وحدها نحو 7.5% بحلول عام 2024، الأمر الذي يثير المخاوف من تحول الديمقراطية الأمريكية إلى "أوليغارشية" تتحكم فيها الثروة والقوة بشكل متزايد، حسب وصف "واشنطن بوست".