خالد حبوباتي.. كيف حوّل "الهلال الأحمر" إلى أداة بيد نظام الأسد؟
خالد حبوباتي.. كيف حوّل "الهلال الأحمر" إلى أداة بيد نظام الأسد؟
بعد نحو 10 أيام من سقوط نظام بشار الأسد، تداولت حسابات ووسائل إعلام سورية صورة طلب استقالة مذيّل باسم خالد حبوباتي، رئيس منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، موجَّهًا إلى رئيس وزراء الحكومة الانتقالية محمد البشير. وبعد ساعات، صدر قرار عن رئاسة مجلس الوزراء بقبول الاستقالة، لتُطوى بذلك صفحة رجلٍ ظلّ ثمانية أعوام على رأس أكبر مؤسسة إغاثية في البلاد.
أثارت الاستقالة موجةً من التكهنات على منصات التواصل الاجتماعي بأن خروج حبوباتي مرتبطٌ بسياساته التي جعلت "الهلال الأحمر" أداةً بيد نظام الأسد، لتوجيه المساعدات الإغاثية إلى الموالين ودعم عملياته العسكرية وقمع معارضيه.
سعى فريق "إيكاد" للتحقق من هذه التكهنات، مُجريًا -عبر المصادر المفتوحة والخاصة- بحثًا معمقًا عن شخصية الرجل ومساره، وهو ما انتهى إلى إثبات تورطه في تسييس المساعدات الإنسانية وتوليد الإيرادات لخزينة الأسد.
من خالد حبوباتي؟
وُلد خالد بن أحمد توفيق حبوباتي، كما ورد اسمه الكامل في قرار مجلس الوزراء المؤقت، في دمشق عام 1957 لعائلةٍ ثرية التصقت بالنخبة الحاكمة منذ وقتٍ مبكر. إذ ملَك والده أحمد توفيق عددًا من النوادي الليلية والكازينوهات، أبرزها "نادي الشرق" سيّء السمعة الذي تأسّس عام 1951 وارتاده كبار رجال النظام في الثمانينيات. ودرس خالد العمارة في دمشق، حيث تعرّف إلى باسل الأسد، وانضمّ إلى حلقةٍ ضمّت أبناء الطبقة المخملية، فنسج من حينها روابط عميقة بعائلة الأسد.
وقد عمّق الزواج حضور حبوباتي في دائرة الحكم الضيّقة؛ إذ اقترن بــ "لينا الشلاح"، ابنة راتب الشلاح الملقّب بـ "شهبندر تجار سوريا" ورئيس اتحاد غرف التجارة السورية سنواتٍ طويلة، فيما كان جدّها بدر الدين الشلاح أحد أعمدة اقتصاد حافظ الأسد. وأسهم هذا الزواج في توسيع شبكة علاقاته مع عائلات نافذة قريبة من آل الأسد، من بينها "آل مخلوف"، كما زوّج ابنته "مي" من نجل وزير الخارجية الأسبق "وليد المعلم".
وقبل توليه أي منصبٍ حكومي، ورث خالد إمبراطورية أبيه الاقتصادية، وبرز كرجل أعمال في الفنادق والمطاعم وشركات الاستثمار. وأسّس شركة "نادي المحيط" للاستيراد وتطوير الفنادق بالشراكة مع ياسر حمود عام 2010، وشارك في شركة "الرخاء" لتجارة السيارات مع راتب وعمر الشلاح، وأعاد عام 1998 تشغيل "نادي الشرق" كمطعم فاخر، فعاد من خلاله إلى الواجهة الاقتصادية.
وفي 2003، شارك حبوباتي في تأسيس "الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة" مع 15 رجل أعمال قريبين من آل الأسد. وأفادت تقارير بارتباط تلك الجمعية ببيع مئات الخيول السورية وتهريبها في السوق السوداء خلال الثورة، بعد سرقتها من الغوطة الشرقية بريف دمشق والقلمون تحت الحصار، وهو ما يُرجّح انخراطه في تلك العمليات. ويشار في هذا السياق إلى أن عضوية سوريا في "منظمة الجواد العربي" (AHO)، ومقرّها جنيف، سهّلت حركة نقل الأموال إلى سويسرا، وغطّت جزءًا من عمليات تبييضٍ نفّذتها شخصيات مقرّبة من النظام بعد عقوبات 2011.
وفي أواخر 2010، افتتح حبوباتي أول نادٍ للقمار في سوريا على طريق مطار دمشق الدولي، في مشروعٍ أثار جدلًا واسعًا وواجه معارضة تيارات دينية بقيادة الشيخ محمد سعيد البوطي، حتى أُوقف في نهاية المطاف. وكشفت تقارير لاحقًا أن المشروع كان جزءًا من خطةٍ أكبر وقف خلفها بشار الأسد وشريكٌ خفيٌّ هو ياسر حمود، لإنشاء ثلاثة نوادٍ إضافية في "يعفور" بريف دمشق و"تدمر" وحلب، قبل أن يغير اندلاع ثورة 2011 المسار. وآنذاك، باع خالد "نادي الشرق" بـ 20 مليون دولار لرجل الأعمال موفق قداح مطلع 2011، قبل أن يبيعه الأخير عام 2018 إلى سامر الفوز، المقرّب من بشار.
موضع ثقة
ساهمت هذه النشأة القريبة من الدائرة الداخلية في جعل حبوباتي شخصية موثوقة لدى نظام الأسد. وقد حصل فريق "إيكاد" على صورةٍ حصرية غير منشورة تجمعه ببشار الأسد وزوجته أسماء وأحد المقرّبين من النظام، يُرجَّح أنها التُقطت في السنوات الأولى للثورة.
وبالنظر إلى هذه الثقة، انتدبه الأسد مبعوثًا خاصًا لاستمالة رجال الأعمال السوريين المغتربين إلى تأييده وتمويل حربه، مقابل ضماناتٍ بعدم المحاسبة وطلبِ اعتذاراتٍ علنية. غير أن بعض من حاول استمالتهم، ومنهم فراس طلاس وعماد غريواتي وموفق قداح، قابلوا طلبه بالرفض.
كما أن هذه الثقة مكّنت حبوباتي من الحصول على مكاسب مالية مقابل نشاطاته خلال سنوات الثورة. فحسب دراسةٍ لبرنامج "مسارات الشرق الأوسط" في مركز روبرت شومان، حصل حبوباتي أواخر عام 2016 على عقد ترسيم معبر "خربة غزالة" الحدودي في درعا جنوبي سوريا بتفويضٍ رئاسي، ويعد "ترسيم" المعابر أحد أنشطة اقتصاد الحرب التي مكّنته من فرض ضرائب على حركة المعبر. كما مُنح صلاحية إدارة نقاط التفتيش والتحكّم في تدفّق البضائع إلى المناطق المحاصرة، ولا سيّما الغوطة الشرقية، حيث استخدم نفوذه في ابتزاز المدنيين وبيع المواد الغذائية بأسعار باهظة.
كيف تحوّلت مساعدات "الهلال الأحمر" إلى دعم النظام؟
في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2016، فوجئت العديد من الأوساط بصدور قرار بتعيين حبوباتي رئيسًا للهلال الأحمر السوري، وكانت المفاجأة بسبب عدد من الإجراءات التي سبقت القرار؛ إذ عُدّل النظام الأساسي ليتيح لرئيس الوزراء تعيين رئيس المنظمة مباشرة، كما أُجبر رئيسها السابق عبد الرحمن العطار على الاستقالة بعد قيادته لها منذ عام 1981، وعُطّل النظام الانتخابي الداخلي الذي يشترط في المرشّح عضوية المكتب التنفيذي وقِدَمًا لا يقلّ عن خمس سنوات، بينما لم يكن خالد من كوادر المنظمة ولا يملك خبرة في العمل الإنساني.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهلال الأحمر العربي السوري يعمل شريكًا رسميًا لمؤسسات الأمم المتحدة داخل سوريا، إذ تشترط وزارة الخارجية توقيع اتفاقاتٍ مُلزمة تحصر تنفيذ المشاريع الدولية عبره، ما يجعله المتحكّم شبه الرئيسي في صرف المساعدات. ووَضع أحد أبرز المقربين من دوائر النفوذ في نظام الأسد "حبوباتي" على رأس هذه المنظومة يفقدها استقلاليتها ومصداقيتها إلى حد كبير.
وبالفعل، تحدثت مجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs)، في تقرير نشرته خلال سبتمبر/ أيلول 2018، عن غياب أي مؤشر على استقلال المنظمة عقب اندلاع الثورة، حيث جمّدت الحكومة انتخاباتها وأقصت المستقلّين وفصلت الكوادر المؤهّلة.
وقدّر التقرير نفسه أن مساعدات الأمم المتحدة أسهمت في دعم النظام بصورة غير مباشرة بنحو 30 مليار دولار، دُفع منها رواتب عناصره وتكاليف عملياته العسكرية، بعد أن استُخدم الهلال الأحمر كباب رئيسي لتحصيل الأموال.
وحسب تقريرٍ أصدره معهد "نيولاينز" (New Lines Institute) الأمريكي في يوليو/ تموز 2022، فإن ما بين 40% و60% من المساعدات النقدية المخصّصة للهلال الأحمر كانت تعود إلى حكومة الأسد، وترتفع النسبة أحيانًا إلى 90%.
كيف تحوّلت مساعدات "الهلال الأحمر" إلى دعم النظام؟
استفاد النظام من تلك المساعدات عبر عمليات عديدة متشابكة؛ منها تضخيم أعداد المستفيدين في مناطق سيطرة النظام لاجتذاب مزيدٍ من المساعدات، ثم بيع كثير منها في السوق السوداء أو تحويلها إلى مخزوناتٍ عسكرية.
وتُمثل إحدى الوثائق التي حُصل عليها من شعبة المخابرات "الفرع 235" ودقّقها فريق "إيكاد" قرينة إثبات رسمية على هذه العملية؛ إذ كان يُطلب فيها من "الفرع 227" الإشراف المباشر على تلقّي المساعدات الواردة عبر مطار دمشق الدولي ونقلها إلى مستودعات الدولة ثم طرحها في الأسواق تدريجيًا لحساب الخزينة. وأظهرت وثيقةٌ أخرى دقّقها الفريق أن توزيع المساعدات كان يجري بإشراف فروع المخابرات وموافقتها، حيث تتطلّب نماذج الاستلام تواقيع الأمن العسكري والأمن الجوي، إلى جانب ممثّل وزارة الصحة.
لم يقتصر التلاعب على تضخيم أرقام المستفيدين، بل وصل إلى هوياتهم؛ فقد شملت القوائم جنودًا من النظام وعناصر من الميليشيات الأجنبية قُدّم لهم دعمٌ إضافي تحت غطاء الإغاثة، حتى أن الجيش كان يسجّل عناصره ضمن المستفيدين لتعويض رواتبهم المتدنّية، بحسب معهد "نيولاينز".
وإضافة إلى ما سبق، حُوِّلت مستودعات الإغاثة المخصّصة لمتضرّري الزلزال إلى مخازن عسكرية وخزينة الدولة، وكشفت مواقع محلية وجود تلاعب في تعويضات "الهلال الأحمر" لمتضرّري الزلزال في اللاذقية، حيث سلّمت مكاتب الحوالات مبالغ ناقصة.
كذلك كان يعترض عناصر النظام شحنات إغاثية مخصصة لمناطق خارج سيطرة النظام وينقلها لمناطقه، ويحجبون المساعدات عن بلداتٍ يُشتبه بتعاطفها مع المعارضة عقابًا لها. ثم تُرفع إلى المانحين تقارير مغلوطة عن كميات المساعدات في إدلب شمال غربي البلاد للتغطية على سرقتها من قبل النظام، وأخرى تزعم نزوح المدنيين نحو مناطق النظام.
وفي هذا الصدد، أشار معهد "نيولاينز" إلى أن شركات المراقبة والتقييم التي كانت تبرّر تحويل المساعدات لمناطق النظام مملوكةٌ لبشار الأسد وزوجته أسماء. كذلك كان يستفيد نظام الأسد ماديًا من خلال إلزام وكالات الأمم المتحدة بسعر صرفٍ رسميٍّ مصطنع أتاح له سحب مليارات الدولارات من أموال المساعدات.
تحوّل "الهلال الأحمر" إلى مقار للتعذيب
وإلى جانب المال، تحوّل الهلال الأحمر إلى أداة للقمع. فبحسب "فورين أفيرز"، تسلّل عناصر المخابرات إلى المنظمة بصفة متطوّعين، فيما تعرّض من خالف قواعدها الجديدة من الموظفين للاعتقال والتعذيب حتى القتل.
ونسّقت المنظمة مع فروع المخابرات للتغطية على عمليات التعذيب عبر شهادات وفاةٍ مزوّرة، واستُخدمت سياراتها وستراتها غطاءً لنقل المعتقلين وعناصر الأمن. وامتلأ مركزها الرئيسي بدمشق بأبناء مسؤولين متورّطين، من بينهم "تمّام محرز"، مدير العمليات وابن شقيق آصف شوكت، وابنة حسام لوقا رئيس المخابرات العامة، التي شغلت موقعًا في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بدمشق.
إدراج "حبوباتي" على قائمة "قيصر"
وترتّب على هذه الممارسات أثرٌ دولي. ففي يوليو/ تموز 2021، أدرجت الولايات المتحدة خالد حبوباتي على قائمة عقوبات "قانون قيصر"، ضمن حزمةٍ شملت 32 شخصية وكيانًا داعمًا للنظام، واتّهمته وزارة الخزانة الأمريكية باستخدام مقارّ منظمة "الهلال الأحمر" مراكزَ لاعتقال المدنيين وتعذيبهم، وبتسخير المساعدات الإنسانية لدعم النظام اقتصاديًا وعسكريًا ومعاقبة معارضيه
اعتراف صوتي حصلت عليه "إيكاد"
وإلى جانب تلك التقارير الإعلامية والحقوقية والإجراءات الدولية، حصلت "إيكاد" -عبر مصادرها الخاصة- على دليل مادي ملموس يثبت تورط "حبوباتي" في تحويل المساعدات إلى خزينة الأسد ونظامه؛ ففي تسجيل صوتي خلال اجتماع داخلي، حذّر حبوباتي زملاءه من خطورة معرفة المنظمات الدولية بكيفية إدارة "الهلال الأحمر" لملف المساعدات وتوجيهها إلى خزينة الدولة. وقد تحقّق الفريق من التسجيل بصورةٍ مستقلة؛ إذ طابق البصمة الصوتية للمتحدث مع صوت "حبوباتي" في مقابلاته التلفزيونية، وهو ما أثبت التطابق بين الصوتين.
وفي التسجيل الذي بلغت مدّته نحو دقيقة، يشير حبوباتي إلى تلقّيه تعليماتٍ بفصل 80% من العاملين خشية الانكشاف، ويؤكّد أن المنظمات الدولية ستوقف تمويلها كليًا حال معرفتها بما يحدث، وأنه يعمل تحت إشرافٍ مباشر من الرئيس بشار الأسد، وأن روسيا والحكومات الغربية على اطّلاعٍ بقوّة علاقته به.
نهاية مسار
هكذا تُطوى صفحة رجلٍ بدأت علاقته بآل الأسد في كازينوهات الستينيات وانتهت رئيسًا لمنظمةٍ إنسانية على قائمة العقوبات. فمن المصاهرة إلى المعابر إلى رئاسة الهلال الأحمر، راكم حبوباتي نفوذًا سخّره لخدمة النظام حتى صارت الإغاثة في يده موردًا لتمويل الحرب وأداةً لقمع من رُفعت المساعدات باسمهم. وإذ يلتقي إقرارُه المسجَّل بما وثّقته التقارير الدولية، تبدو استقالته بعد سقوط الأسد آخر صفحةٍ في مسارٍ حوّل عون المنكوبين إلى سلاحٍ بيد النظام.
السياق الأوسع
وتندرج هذه النتائج ضمن مشهد أوسع لم ينته فيه العبء الإنساني بتغيّر السلطة، فقد قدّرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2026 أن 15.6 مليون شخص ما زالوا بحاجة إلى المساعدة، ما يبقي سلامة قنوات التوزيع والرقابة مسألة حاضرة تتجاوز سنوات الحرب السابقة. وبعد أربعة أيام من استقالة حبوباتي، أطلق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر نداءً بقيمة 130 مليون فرنك سويسري لمساندة خمسة ملايين شخص في سوريا، وذكر أن الهلال الأحمر السوري كان يضم 14 فرعًا و64 شعبة نشطة وأكثر من تسعة آلاف متطوع، وهي شبكة واسعة استمرت الحاجة إليها بالتزامن مع تغير قيادة المؤسسة.
وتغير بالتوازي الإطار الدولي الذي يحكم تدفق الأموال والتعاملات إلى سوريا، ففي يونيو/حزيران 2025 أنهت وزارة الخزانة الأميركية برنامج العقوبات الشامل على سوريا، وأزالت 518 فردًا وكيانًا من قائمة العقوبات، مع استمرار التدابير الموجهة ضد بشار الأسد وشبكاته ومنتهكي حقوق الإنسان. وبعد رفع العقوبات الاقتصادية العامة في مايو/أيار 2025، مدد الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2026 التدابير المقيدة ضد المرتبطين بالنظام السابق حتى مطلع يونيو/حزيران 2027. ويضع هذا الانتقال من القيود الاقتصادية الواسعة إلى العقوبات الأكثر استهدافًا مسألة الحوكمة والإفصاح والرقابة داخل المؤسسات التي تمر عبرها المساعدات في قلب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.