مقال

"أمة سورية لا عربية".. ما حقيقة الادعاءات التي تنفي عروبة السوريين؟

26/10/2026

نشر حساب "الأمة السورية" (@SyrianNationAR) -الذي يدعو إلى الانتماء للأمة السورية بديلًا عن أي أمة أخرى- على منصة "إكس" مقطعًا مصورًا يزعم أن الدراسات الجينية حسمت الجدل حول هوية السوريين، وأنهم امتداد لشعوب سوريا القديمة لا للشعوب العربية.

بدوره، عاد فريق التحقق في "إيكاد" إلى الدراسات والتقارير التي استند إليها المقطع، وقارن ما نسبه إليها بما ورد فيها، للتحقق مما إذا كانت تثبت بالفعل وجود "أمة سورية" منفصلة جينيًّا عن العرب.

مرفق 01 لقطة من صفحة "من نحن" على موقع "الأمة السورية"، يُزعم فيها أن السوريين ينحدرون من شعوب سوريا القديمة

الفرق بين العرق والإثنية

نظرًا لاعتماد المقطع على دراسات جينية بيولوجية للاستدلال على "إثنية" السوريين، وما إن كانت سورية أو عربية، كان من المهم التفريق بين مصطلحين يُخلط بينهما كثيرًا، وهما: العرق والإثنية.

تعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) "العرق" بأنه تصنيف اجتماعي يرتبط بفروق جسدية بيولوجية تعدّها المجتمعات ذات دلالة، مثل لون البشرة وملامح الوجه. وفي المقابل، تشير "الإثنية" إلى انتماء ثقافي مشترك يقوم على اللغة والعادات والذاكرة التاريخية والهوية الجماعية.

وحسب الجمعية الأمريكية لعلماء الأنثروبولوجيا البيولوجية (AABA)، لا ينقسم التنوع الوراثي بين البشر إلى مجموعات تفصلها حدود صلبة اسمها أعراق، بل يتدرج ويتداخل عبر الجغرافيا والتاريخ، حتى أن الاختلاف داخل المجموعة الواحدة قد يفوق الاختلاف بينها وبين غيرها. كذلك تربط الموسوعة البريطانية الإثنية بالعناصر الثقافية، كالأصل واللغة والدين والعادات. 

ما حقيقة انفصال السوريين جينيًّا عن محيطهم العربي؟

يقول المقطع إن وصف السوريين بالعرب لا سند له سوى تحدثهم باللغة العربية، وإن الدراسات الجينية تثبت انفصالهم عن محيطهم العربي. غير أن دراسة -نشرتها عام 2013 في مجلة "PLOS Genetics" المحكّمة المتخصصة في علم الوراثة- بحثت التنوع الجيني في بلاد الشام، وخلصت إلى أن السوريين جزء من البنية الوراثية العامة لبلاد الشام، المتصلة بسكان الشرق الأوسط، ومنهم سكان شبه الجزيرة العربية.

وتُظهر الدراسة أن الفروق الجينية داخل بلاد الشام اليوم لا تتبع الحدود القومية الحديثة بقدر ما تتبع الانتماءات الدينية والاجتماعية؛ فالمجموعات التي يكثر بينها الزواج تتقارب وراثيًّا بمرور الزمن، والتي تفصلها حواجز اجتماعية تتمايز تدريجيًّا، دون أن يعني ذلك وجود شعوب منفصلة بيولوجيًّا.

مرفق 02 مقتطف من دراسة "PLOS Genetics" عن البنية الوراثية لسكان بلاد الشام (PLOS Genetics)

ما حقيقة نسب المكوّنات الجينية؟

كذلك استشهد المقطع بنسبتين للدلالة على عدم عروبة السوريين: الأولى أن المكوّن الجيني الأكثر انتشارًا بين السوريين يعود إلى سكان سوريا القديمة بنسبة تتراوح بين 42% و68%، والثانية أن 25% فقط من التكوين الجيني للسوريين عربي. 

نسب المتحدث في المقطع النسبة الأولى إلى المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NLM). وفي واقع الأمر، لا تعد "NLM" الجهة المؤلفة للدراسة، بل هي مكتبة رقمية تتيح الوصول إلى ملايين الدراسات من مصادر مختلفة، ويؤكد موقعها صراحة أن إدراج أي مادة فيها لا يعني تبنّيها. وبالتالي، لا يعني ذكر اسمها كمصدر إسناد أو تعزيز أي نتيجة.

مرفق 03 إخلاء المسؤولية على موقع المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NLM)

وبالبحث تبين أن النسبتين مصدرهما دراسة "PLOS Genetics" نفسها، التي ذكرت أن المكوّن الجيني الذي سمّته "المكون الشامي"  يشكّل بين 42% و68% من التركيب الوراثي لسكان بلاد الشام المعاصرين عمومًا، لا السوريين وحدهم. ولا تتعامل الدراسة مع هذا المكون بأنه أثر سكان سوريا القديمة، أو سلالة هوية حضارية، لكنه مكون إحصائي ضمن بنية وراثية إقليمية متداخلة.

أما نسبة 25%، فهي حصة مكوّن آخر سمّته الدراسة "الجزيرة العربية/ شرق أفريقيا" لدى السوريين والأردنيين والفلسطينيين. ويمثل اسم المكون وصفًا جغرافيًّا لمجموعة من المكونات والخصائص الجينية، لا مقياسًا لعروبة السكان، أو أن النسبة الباقية غير عربية؛ إذ إن المكوّن الشامي نفسه ليس تصنيفًا إثنيًّا، كما ذُكر أعلاه.

مرفق 04 نتائج تحليل "ADMIXTURE" لنسب المكوّنات الجينية لدى سكان بلاد الشام (PLOS Genetics)

انفصال المكونات الجينية

يزعم المقطع أن المكونات الجينية لأجداد السوريين انفصلت عن مكونات سكان شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا قبل أكثر من 15 ألف عام، مستشهدًا بمقال نشرته مجلة "PLOS Genetics" عام 2021 بعنوان "The Genomic History of the Middle East" (التاريخ الجينومي للشرق الأوسط).

وتقدّر الدراسة بالفعل أن المكوّن الشامي بدأ يتمايز عن مكوّن الجزيرة العربية وشرق إفريقيا قبل ما بين 15,500 و23,700 سنة. لكنه تقدير محسوب مفترَض لا مقيس، تبنيه الدراسة على افتراضات، منها ثبات الحجم السكاني الفعّال عبر الزمن، وهو مقياس وراثي لعدد من ينقلون جيناتهم إلى الأجيال التالية، ويقل عادة عن العدد الفعلي للسكان. والتمايز المقصود اختلاف تدريجي في نسب الصفات الجينية بين المجموعتين، لا انقطاع بينهما أو انعزال لأي منهما عن الأخرى؛ إذ تُظهر الدراسة نفسها أن مكوّن الجزيرة العربية ما زال يشكّل نحو 25% من التركيب الجيني للسوريين.

أما دراسة "Cell"، فبعد الاطلاع عليها تبيّن أن ما تقوله عن تلك الفترة يتعلق بالحجم السكاني الفعّال لا بانفصال السكان. فبعد انتهاء العصر الجليدي الأخير، زاد الحجم السكاني الفعّال في بلاد الشام، بينما ظل أقل نسبيًّا في بعض مناطق الجزيرة العربية. أي أن الشام شهدت نموًّا سكانيًّا، ولم تنقطع عن جيرانها.

مرفق 05 مقتطف من دراسة "Cell" يربط فترة ما بين 15 و20 ألف سنة بتغيرات في أحجام السكان (Cell)

بل ترسم الدراسة صورة معاكسة لما يقوله المقطع. فسكان المنطقة كلها يعودون إلى أجداد مشتركين خرجوا من إفريقيا قبل ما بين 50 و60 ألف سنة، وظل أهل الشام والجزيرة العربية يختلطون عبر آلاف السنين.

وتفسّر الدراسة التركيب الجيني لسكان الشرق الأوسط اليوم بأنه مزيج من أربعة أصول قديمة؛ منها مزارعو بلاد الشام الأوائل في العصر الحجري الحديث، أُضيف إليها بعد العصر البرونزي أصل قادم من شرق أوروبا.

أما شرق إفريقيا، فلا تتحدث الدراسة عن انفصال عنه، بل عن العكس: اختلاط حديث نسبيًّا، حدث في آخر ألفي سنة، ومعظمه قبل ما بين 500 و1,000 سنة. وبالتالي، تتحدث الدراسة عن نمو سكاني واختلاط متواصل بين المجموعات المختلفة، لا انفصال أو انعزال.

مرفق 06 مقتطف من دراسة "Cell" عن الاختلاط الجيني بين سكان بلاد الشام والجزيرة العربية (Cell)

العلامة الجينية المميزة

كذلك يستشهد المقطع بتقرير لوكالة "رويترز" يقول إنه يثبت أن السوريين يحملون "جين العلامة المميزة" لأحفاد الشعوب السورية القديمة. وبالبحث في أرشيف الوكالة، عثر الفريق على تقرير نشرته "رويترز" في 10 سبتمبر/ أيلول 2007 بعنوان "In Lebanon, DNA may yet heal rifts"، يذكر أن "علامة جينية" تميّز أحفاد سكان الشام القدماء وُجدت بنسب مرتفعة لدى اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين.

غير أن التقرير ينسب العلامة إلى سكان الشام القدماء جميعًا، لا إلى شعوب سوريا القديمة، ويذكر كذلك أنها ليست حكرًا عليهم، إذ يتقاسمونها مع المالطيين والإسبان والتونسيين. ويقدّر عمر المجموعة الفردانية "J2" المرتبطة بها بنحو 12 ألف سنة، بهامش خطأ يبلغ خمسة آلاف سنة، أي أنها أقدم بآلاف السنين من أي كيان كنعاني أو آرامي. إضافة إلى ذلك، لم تثبت الوكالة شيئًا بنفسها، بل نقلت ما قاله الباحث "Pierre Zalloua".

وبالتالي، لا يثبت التقرير الذي استند إليه المقطع انعزال السوريين أو حملهم لجين فريد يعزلهم عن غيرهم، بل يشتركون فيه مع غيرهم.

التقارب مع شرق المتوسط

وآخر ادعاءات المقطع أن شعوب بلاد الشام أقرب جينيًّا إلى شعوب شرق البحر المتوسط، مثل اليونانيين وسكان كريت والأرمن. وبمراجعة دراسة نشرتها مجلة "PLOS ONE" عام 2018، حلّلت جينات "HLA" المرتبطة بجهاز المناعة لدى نحو 16 ألف شخص من 100 مجموعة سكانية، تبيّن أنها تضع سكان بلاد الشام فعلًا ضمن عنقود يضم اليونانيين وسكان كريت والأتراك والمقدونيين والألبان، إلى جانب الإيطاليين والأكراد العراقيين والإيرانيين.

لكن الدراسة لا تضم الأرمن كشعب ضمن مجموعات المقارنة، بل عيّنة من أرمن لبنان فقط، فلا سند فيها للشق الأرمني من الادعاء. كما أن نتيجتها تقتصر على جينات "HLA"، ولا تمثل تحليلًا للجينوم كاملًا، فلا يصح تعميمها واعتبارها دليلًا على قرابة وراثية شاملة، ولا على انفصال جيني عن بقية شعوب المنطقة.

مرفق 07 مقتطف من دراسة "PLOS ONE" عن التقارب في جينات "HLA" بين سكان بلاد الشام وشرق المتوسط (PLOS ONE)

الخلاصة

يتكرر في ادعاءات المقطع نمط واحد: نتائج علمية تُقتطع من سياقها، أو تُوسَّع دلالاتها، أو تُحمَّل استنتاجات لم يخلص إليها أصحابها. فنسبة 25% حصة مكوّن إحصائي سُمّي بموقعه الجغرافي، لا مقياس للعروبة، والنسبة بين 42% و68% تخص سكان بلاد الشام عمومًا ولا تمثل سكان سوريا القديمة، وتقدير تمايز المكوّن الشامي قبل أكثر من 15 ألف سنة يصف اختلافًا تدريجيًّا في نسب الصفات الجينية، لا انفصالًا أو عزلة.

أما تقرير "رويترز"، فيتحدث عن علامة جينية لا جين، يتقاسمها سكان الشام مع شعوب أخرى في المتوسط، ودراسة "PLOS ONE" يقتصر تحليلها على جينات المناعة، ولا تضم الأرمن شعبًا.

وبينما تُظهر الدراسات استمرارية سكانية في بلاد الشام تمتد آلاف السنين، فإنها تُظهر معها اختلاطًا وروابط وراثية ممتدة مع المحيط العربي، ولا تخلص إلى وجود شعب معزول أو "أمة" منفصلة جينيًّا.

ومما سبق من معطيات، يُفهم وصف السوريين بالعرب توصيفًا إثنيًّا يقوم على اللغة والهوية الثقافية والتاريخية، أكثر منه توصيفًا عرقيًّا بالمعنى البيولوجي؛ فالعروبة إطار يضم جماعات متنوعة جينيًّا، تجمعها اللغة والتاريخ والرموز الثقافية. ومع ذلك، فإن الاحتكام إلى الجينات، كما يفعل المقطع، لا يقود إلى النتيجة التي يزعمها، بحسب الدراسات التي استند إليها.