ما الذي تفعله غواصات "الدولفين" الإسرائيلية قرب باب المندب؟

مقال

ما الذي تفعله غواصات "الدولفين" الإسرائيلية قرب باب المندب؟

22/6/2026

في مؤشر جديد على اتساع الحسابات البحرية الإسرائيلية خارج شرق المتوسط والبحر الأحمر، أشار موقع "Defence Network" الألماني المتخصص في الشؤون الدفاعية والصناعات العسكرية والتقنيات الحربية، في 19 يونيو/ حزيران 2026، إلى سعي إسرائيل لإقامة حضور بحري وعسكري في ميناء "بربرة" في صوماليلاند، وهو ما قد يتيح للبحرية الإسرائيلية استخدام هذا الموقع المتقدم على خليج عدن لتشغيل غواصاتها من فئة "Dolphin".

مرفق 01 لقطة من مقال موقع "ديفينس نتوورك" الألماني عن احتمال إقامة حضور بحري إسرائيلي في صوماليلاند، 19 يونيو/ حزيران 2026. 

الأسطول الإسرائيلي من غواصات "دولفين"

وبحسب مبادرة التهديد النووي (Nuclear Threat Initiative)، تمتلك إسرائيل خمس غواصات عاملة من فئة "دولفين" تعمل بالديزل والكهرباء، بينها ثلاث غواصات من الطراز الأقدم، التي يبلغ طولها 57.3 مترًا، وعرضها 6.8 مترًا، وتصل سرعتها تحت الماء إلى 20 عقدة، وتعتمد أنظمة تسليحها على إطلاق الطوربيدات. 

في حين تعمل غواصات "دولفين 2" المُحدّثة ببطاريات ديزل وحمض الرصاص التقليدية، مع نظام دفع مستقل عن الهواء (AIP) يمنحها إبحارًا شديد الهدوء تحت الماء، وقدرة على البقاء مغمورة حتى أسبوع كامل دون الحاجة إلى الصعود للسطح. 

ووفق البيانات المتاحة، تبلغ سرعتها القصوى 25 عقدة ومداها 4,500 كيلومتر، كما أنها مزوَّدة بأربعة أنابيب طوربيد موسَّعة عيار 650 ملم، وهو ما يثير تكهنات بشأن احتمال تجهيزها بصواريخ كروز قادرة على حمل رؤوس نووية. 

وبالتزامن مع شعور الاحتلال الإسرائيلي باتساع التهديدات البحرية المرتبطة بحرب الإبادة على قطاع غزة، وعلى رأسها تلك القادمة من جبهة جماعة أنصار الله (الحوثيين) في البحر الأحمر، كشف الكيان، في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، عن غواصته السادسة "دراكون" (INS Drakon)، ومعناها "التنين"، خلال حفل تسمية في ميناء كيل الألماني، ووصفتها وزارة الدفاع الإسرائيلية بأنها أصل قتالي استراتيجي يخدم في مختلف ساحات العمليات. 

مرفق 02 مقارنة بصرية بين غواصات "دولفين 1" و"دولفين 2" والغواصة الأحدث "دراكون"، تُظهر الفوارق في الحجم والهيكل الخارجي،(Covert Shores)

وتُعد "دراكون" أحدث غواصات هذا المسار، وأكبر من أي غواصة إسرائيلية سابقة، وأطول كثيرًا من أولى غواصتَي "دولفين 2"، إذ أُقحمت في هيكلها قطعة (hull insert) يُرجَّح أنها مخصصة لأنظمة صواريخ أحدث وأكثر تطورًا. وتشير التقديرات إلى أن الهيكل المُطوَّل يضيف حيّزًا عرضه نحو مترين وطوله أربعة أمتار وعمقه يصل إلى 11 مترًا، وهو ما قد يستوعب صومعتَي صواريخ كبيرتين أو ما بين أربع وثماني صوامع أصغر، مع تكهنات بإمكانية حمل رؤوس نووية.

لماذا بربرة؟

تكمن أهمية ميناء "بربرة" في موقعه على ساحل خليج عدن، قبالة اليمن وعلى مقربة من مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم. وفي حال تحول مساعي إقامة حضور بحري إسرائيلي في "بربرة" إلى وجود عملياتي فعلي، فقد يتيح ذلك لإسرائيل مراقبة أوسع لحركة الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر، وتعزيز قدرتها على تتبع التهديدات القادمة من مناطق نفوذ جماعة أنصار الله (الحوثيين)، إضافةً إلى توفير عمق بحري بديل لغواصاتها بعيدًا عن موانئها التقليدية.

مرفق 03 موقع بربرة على ساحل خليج عدن، مقابل السواحل اليمنية وبالقرب من مضيق باب المندب. 

وبذلك تبرز "بربرة" في الحسابات الإسرائيلية بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية محتملة، تربط بين الردع البحري، ومراقبة خطوط الملاحة، ومتابعة التهديدات القادمة من الساحة اليمنية. 

وتأتي هذه المعطيات وسط تقارب أمني ودبلوماسي بين إسرائيل وصوماليلاند؛ إذ قال وزير دفاع صوماليلاند لرويترز إن إسرائيل تدرّب قوات من الشرطة والجيش، لكنه نفى وجود قاعدة إسرائيلية أو مفاوضات لإقامتها. كما أنها تتزامن مع تهديدات حوثية حديثة باستهداف الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر. 

"بنت قطر".. حساب يمني بواجهة قطرية

مقال

"بنت قطر".. حساب يمني بواجهة قطرية

5/6/2026

قدم حساب باسم "بنت قطر" نفسه على منصة "X" باعتباره صوتًا قطريًا مدافعًا عن الدوحة، فيما عرفت صاحبته نفسها بأنها "باحثة" في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني "CHS" داخل قطر. لكن تحديثًا أطلقته المنصة أواخر عام 2025 كشف مفارقة مختلفة؛ فالحساب الذي يتحدث بواجهة قطرية كان يدار من اليمن.

وبعد تداول هذه المعلومة بين بعض رواد وسائل التواصل الاجتماعي، اختفى الموقع المحدد من بيانات الحساب، واستُبدل بآخر فضفاض "غرب آسيا"، وهو ما أثار انتباهنا ودفعنا لتتبع الحساب، وتحليل نشاطه وهويته المعلنة.

بصمة يمنية وواجهة قطرية

نشر الحساب نحو 3500 منشور أصلي منذ إنشائه في مارس/ آذار 2020، في حين تجاوز عدد المنشورات والتفاعلات المرتبطة به -من خلال إعادة النشر والاقتباس- أكثر من 575 ألف منشور وتفاعل.

مرفق 07 نشر الحساب منذ إنشائه 3499 منشور، حصدت أكثر من 575 ألف تفاعل وإعادة نشر (إيكاد)

وبعد تحليل الرسائل والمضامين التي يروج لها الحساب عبر منشوراته، تبين تركيزه بشكل واضح على الساحة اليمنية، وتبنيه خطابًا مؤيدًا لإيران وأنصار الله (الحوثيون) وحزب الله، وفي نفس الوقت يهاجم السعودية بشكل متكرر.

كما كشفت خريطة الكلمات الأكثر تداولًا في الحساب حضورًا لافتًا لمفردات مرتبطة بالنزاع اليمني، مثل: "اليمن" و"الحوثي" و"إيران" و"غزة" و"إسرائيل" و"الحرب" و"الصواريخ"، إلى جانب وسوم وشخصيات مرتبطة بالصراع الداخلي في اليمن. كما تصدرت اليمن قائمة الدول الأكثر تفاعلًا مع محتوى الحساب، ما يعزز المؤشرات على ارتباطه بالساحة اليمنية وطبيعة الخطاب الذي يروج له.

واللافت أن الحساب يحرص -في ذات الوقت- على الظهور بواجهة وطنية قطرية، رغم أن مضمون محتواه واتجاهه السياسي يرتبطان بصورة أوضح بالسياق اليمني والإقليمي. وبالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن فريقنا من العثور على أي دليل يثبت ادعاء "بنت قطر" حول وظيفتها داخل مركز الدراسات (CHS) في قطر.

مرفق 13

نشاط منتظم يبتعد عن العفوية

كما لاحظ فريق "إيكاد" أن الحساب ينشط بصورة واضحة خلال ساعات المساء، إذ يبلغ ذروته بين الثامنة مساءً والحادية عشرة ليلًا، مع استمرار نشاط ملحوظ حتى منتصف الليل، مقابل انخفاض كبير خلال ساعات الصباح والظهيرة. وقد يشير هذا النمط المنتظم إلى إدارة ممنهجة للمحتوى، بصورة تبدو أبعد من الاستخدام العفوي الدارج للحسابات الشخصية.

مرفق 14 ذروة نشاط الحساب بين 8 مساءً والـ 11 ليلًا، مع تراجع واضح خلال ساعات الصباح والظهيرة

الاعتماد على المقاطع المفبركة

إضافة إلى ما سبق، رصد الفريق اعتمادًا مستمرًا على مقاطع فيديو مضللة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي، تقدم كمشاهد حقيقية لهجمات أو تطورات عسكرية. وفي غير مرة، أعاد الحساب نشر مقاطع غير مرتبطة بالأحداث التي يدعي توثيقها، في نمط قد يكون الهدف منه إثارة التفاعل وتحقيق أكبر قدر من الانتشار والمشاهدات.

مرفق 15

وبناء على ما سبق، تكشف معطياتنا الرقمية المرتبطة بحساب "بنت قطر" تناقضًا واضحًا بين الهوية التي يقدم بها نفسه والمحتوى الذي يروج له؛ فمن موقع جغرافي مرتبط باليمن، إلى خطاب يركز على الساحة اليمنية ويتبنى سرديات قريبة من الحوثيين وإيران، وصولًا إلى استخدام مقاطع مضللة وأنماط نشر منتظمة، تظهر تلك المؤشرات المتراكمة أن الحساب أقرب لمنصة موجهة ضمن خطاب منظم بأهداف تتجاوز الاستخدام الفردي المعتاد.

كما أن تقديم صاحبته نفسها باعتبارها "باحثة" في مركز للدراسات والعمل الإنساني داخل قطر، منح الحساب بعدًا أكاديميًا ومصداقية ظاهرية استخدمت لتعزيز حضوره وترويج تحليلاته ومزاعمه على أنها قراءة بحثية موثوقة، رغم أن سلوكه الرقمي ومحتواه يقدمان صورة مختلفة. 

باب المندب.. ممر بديل أم نقطة اختناق جديدة؟

مقال

باب المندب.. ممر بديل أم نقطة اختناق جديدة؟

29/3/2026

أدى التصعيد العسكري في المنطقة إلى اضطراب مسارات الملاحة الدولية، لا سيما بعد توقف مرور السفن المحملة بالنفط وغيره من البضائع عبر مضيق هرمز جراء إغلاقه من قبل القوات الإيرانية. ونتيجة لذلك، تغيرت أنماط الملاحة في المنطقة لتتجه صوب مضيق "باب المندب"، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهو ما دفع فريق "إيكاد" للتساؤل عن الوضع الحالي للمضيق وحركة الملاحة خلاله. 

وللإجابة عن هذا التساؤل، كان من الضروري معرفة كيف كان شكل الملاحة في المنطقة قبل الحرب الجارية، وكيف تغيرت بعدها.

كيف تغيرت مسارات الملاحة بعد الحرب؟

قبل اندلاع الحرب الحالية، في 28 فبراير/ شباط 2026، كانت جل دول المنطقة تعتمد على مضيق هرمز في تصدير النفط، حيث تبرز دول عدة كالسعودية والعراق والإمارات في قائمة أكبر المتضررين من إغلاق المضيق. 

مرفق 16 حركة السفن في مضيق باب المندب قبل يومين من اندلاع الحرب (Flight Radar 24)

وعلى إثر ذلك، اتجهت بعض الدول، كالسعودية، لتصدير النفط من موانئ رديفة، مثل ميناءي "ينبع"، الواقعين على الساحل الغربي للمملكة، متوسطين المسافة بين باب المندب وقناة السويس، الأمر الذي يجعلهما بمثابة بديل استراتيجي، لا سيما في ظل الأزمات الجيوسياسة المؤثرة على مضيق هرمز. حيث تضمن السعودية من خلاله تدفق نفطها إلى الأسواق العالمية؛ لأوروبا وأمريكا عبر قناة السويس لأوروبا وأمريكا، وآسيا عبر باب المندب. 

مرفق 17 خريطة تظهر موقع ميناءي ينبع على الساحل الغربي للمملكة

ولذا تظهر البيانات الملاحية، التي رصدها فريقنا يوم 28 مارس/ آذار 2026، ازدحامًا ملاحيًّا في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلًا عن تكدس كبير لناقلات النفط (تظهر باللون الأحمر) عند ينبع.

مرفق 18 صورة تظهر  ازدحامًا في البحر الأحمر وباب المندب، وتكدسًا لناقلات النفط باللون الأحمر (Flight Radar 24)

هذا التغير الواضح في نمط الملاحة عند "ينبع" بعد الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز تعززه البيانات الرقمية التي تفيد أن متوسط صادرات النفط من الميناء بلغ في الأسابيع الأخيرة 4.4 مليون برميل يوميًا، في حين لم يتجاوز المتوسط خلال الأشهر الستة السابقة للحرب المليون.

مرفق 19 رسم بياني يوضح ارتفاع صادرات ميناء ينبع إلى 4.4 مليون برميل يوميًا، مقابل أقل من مليون برميل قبل الحرب (إيكاد)

وتأتي هذه الزيادة بالتزامن مع شبه انعدام للحركة عبر مضيق هرمز، بعد التحذيرات والاستهدافات الإيرانية المتكررة لحاملات النفط أثناء عبورها من المضيق. وإجمالًا، كثَّف توتر الوضع العسكري عند مضيق هرمز حركة الملاحة المارة عبر المنطقة عند مضيق باب المندب، نظرًا لابتعاده عن مساحة العمليات العسكرية في بداية الحرب.

لكن هل يبقى الوضع كما هو عليه؟

في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، يبقى احتمال امتداد التوتر إلى مضيق باب المندب قائمًا، لا سيما وأن حلفاء إيران في اليمن -أنصار الله (الحوثيون)- قرروا مؤخرًا الانخراط في المعركة. 

ورغم تركيز الضربتين التي وجهتهما الحركة اليمنية -حتى الآن- على أراضي الاحتلال الإسرائيلي، لا يُستبعد أن يدخل باب المندب إلى بؤرة العمليات، كما كان الوضع قائمًا إبان هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ضد السفن الإسرائيلية والمرتبطة بها، إسنادًا لقطاع غزة خلال حرب الإبادة التي أعقبت 7 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023. وقد سبق لـ "إيكاد" أن رصدت حركة السفن في المضيق آنذاك، حيث انعدمت فيه الحركة بشكل شبه كامل، وتحولت مسارات الملاحة إلى رأس الرجاء الصالح بالالتفاف حول إفريقيا.

مرفق 22 حركة السفن عبر مضيق باب المندب يوم 10 إبريل/نيسان 2025 (Flight Radar 24)

سلاح اقتصادي بيد طهران

عودة هذا السيناريو، مع استمرار التوتر عند هرمز، يعني -عمليًّا- إضافة مسار جديد للضغط على حركة الملاحة الدولية، حيث يعتبر "باب المندب" بمثابة بوابة جنوبية لقناة السويس، التي يمر عبرها -في الأوقات الطبيعية- نحو 13% من التجارة العالمية و22% من تجارة الحاويات، بالإضافة إلى نحو 30% من النفط و40% من البضائع السائبة.

مرفق 23 مسار جديد للضغط على الملاحة الدولية عبر باب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس

وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التأثير المحتمل على تدفقات التجارة والطاقة، وما يتبعها من ارتفاع في تكاليف التأمين والشحن، جراء التوتر في الممرات الملاحية الثلاثة (مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس)، وهو ما يفرض تحديات جسيمة على استقرار الأسواق العالمية، وعلى أمن الطاقة الأوروبي. ولذا، يعتبر العديد من المحللين والخبراء أن باب المندب قد يكون "السلاح الاقتصادي الأكثر فاعلية" لدى إيران خلال الحرب الجارية.

مرفق 24

ويُظهر التحليل الأهمية الاستراتيجية الفائقة لمضيق باب المندب، فعلى الرغم من أن كثافة المرور فيه كانت أدنى من مضيق هرمز قبل الحرب الإيرانية، إلا أن ارتباطه الوثيق بسلاسل التوريد الأوروبية يجعله نقطة ضعف اقتصادية حادة، لا سيما بالنسبة لقطاعات التصنيع التي تعتمد نظام التوريد الفوري (Just-in-Time).

الخلاصة

تظهر البيانات الملاحية، التي رصدها فريق "إيكاد"، تكدسًا ملحوظًا على تخوم مضيق باب المندب خلال الأسابيع الأخيرة، نتيجة تحول المسارات الملاحية من مضيق هرمز جراء تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة. وتتجلى خطورة المشهد الراهن في احتمالية حدوث تأثير مزدوج نتيجة تزامن التهديدات في مضيقي هرمز وباب المندب، وقناة السويس بالتبعية؛ ما قد يولد صدمة عنيفة تضرب شريان الطاقة العالمي من جهة، وسلاسل الإمداد الحيوية بين آسيا وأوروبا من جهة أخرى، الأمر الذي قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة جديدة من تباطؤ النمو والضغوط التضخمية. وهنا يبقى السؤال: هل يبقى باب المندب ممرًا بديلًا تتنفس منه الأسواق العالمية أم يتحول إلى نقطة اختناق جديدة؟

"إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية 

مقال

تهاجم المقاومة وتمدح بشار.. "إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية

23/12/2024

حساب يحمل اسمًا أنثويًا عاديًا كـ "رهف منصور" (RahffMansour)، يضع صورة فتاة ملامحها عربية، ويعرّف نفسه بـ "الهوية المغربية". ينشر الحساب تغريدة يربط فيها رئيس الحكومة السورية الانتقالية، أحمد الشرع، بالتطرف والعنف.

تبدو الحكاية للوهلة الأولى كأي نقاش عابر على منصات التواصل الاجتماعي؛ لكنّ ما لفت الانتباه كان الظهور المتكرر لهذا الحساب بذات السردية، وهو ما دفعنا إلى مراجعة الحساب ومحتواه، وتحليل شبكة التفاعلات الرقمية معه، الأمر الذي قادنا في النهاية إلى كشف شبكة أوسع تضم 29 حسابًا، تنتحل هويات عربية وإقليمية متعددة تتحرك وفق أنماط رقمية متطابقة.

كان الجامع الأول لهذه الحسابات هو تشابه سرديتها، إضافة إلى تفاعلاتها المتبادلة مع بعضها بعضًا. وبعد تحديدها، لاحظ فريق "إيكاد" أنَّ كلّا منها يدعي الانتماء إلى واحدة من الدول العربية أو الإسلامية.

  1. الجزائر

    AsraaaarG - AsheqaElward - khoater_onsa

  2. إيران

    Mona_ahmedi - amgadizeina

وبعد تحديد الحسابات، عمَد فريق "إيكاد" إلى تحليل نشاطها ومحتواها. وكانت البداية من نمط النشاط، إذ أثبت التحليل الزمني لحركة الحسابات وجود نمط تشغيلي موحّد يضعف من احتمالية النشاط العشوائي؛ حيث تتركز ذروة التغريد والنشر بشكل متزامن بين الثالثة فجرًا والعاشرة صباحًا، وتسجل قفزات حادة بالقرب من الخامسة صباحًا. كما تبدأ وتيرة النشاط بالانخفاض عقب العاشرة صباحًا لدى كافة عناصر الشبكة.

ورغم أن الحسابات تدّعي الانتماء إلى دول تفصل بينها فوارق زمنية تصل إلى ثلاث ساعات، أظهرت الرسوم البيانية تحركها وفق جدول زمني واحد.

وجوه مستعارة

وإلى جانب نمط النشاط، فحص الفريق الصور الشخصية للحسابات المرصودة عبر أدوات البحث العكسي، فتبيّن أن كثيرًا منها يستخدم صورًا قديمة مسروقة من منصات مثل "Pinterest" و"فيسبوك" و"تيكتوك".

حملة للدفاع عن الأسد

ومن خلال تتبّع الفريق لأرشيف المحتوى الرقمي للشبكة خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، رصدنا تحركًا جماعيًا منسّقًا يهدف إلى تبرئة بشار الأسد. كما أن الحسابات هاجمت بشكل متزامن مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتبرز القرار باعتباره "استهدافًا سياسيًا لسوريا". وروّجت المنظومة للأسد كضامن وحيد لوحدة البلاد وحامٍ للاستقرار في وجه التدخلات الخارجية، ملوّحةً بأن سقوط نظامه سيقود جغرافيا المنطقة بأسرها نحو الفوضى والانهيار.  

وعند مراجعتنا للمحتوى الذي نشرته تلك الحسابات خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، اكتشفنا أن مجموعة كبيرة منها تحركت في اتجاه واحد. حيث قامت بنشر رسائل متشابهة تهاجم مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتقدم القرار باعتباره استهدافاً سياسياً لسوريا. كما روّجت للأسد بوصفه حاميًا لاستقرار البلاد، وقائدًا يواجه التدخلات الخارجية، فيما ركزت منشورات أخرى على أن إبعاده سيقود إلى الفوضى وانهيار الاستقرار في المنطقة.

وكما هو ملاحَظٌ من النماذج المرفقة أعلاه، تروّج هذه الحسابات المضامين ذاتها في التوقيتات نفسها بالرغم من تباين جنسياتهم المزعومة.

الهجوم على الإدارة السورية الجديدة

وبعد سقوط نظام الأسد وهروبه إلى روسيا، انتقل نشاط الحسابات بشكل متزامن في مهاجمة الإدارة السورية الجديد بقيادة أحمد الشرع. حيث بثّت شبكة الحسابات عشرات المنشورات التي تربط الإدارة الانتقالية بالعنف والتطرف، وضخّمت مقاطع مصورة تزعم وقوع إعدامات ميدانية وانتهاكات ضد النساء.

كما ضاعفت تلك الحسابات تداول مقاطع زُعم أنها منسوبة إلى هيئة تحرير الشام، بعضها نُشر باللغتين الفرنسية والإنجليزية، في محاولة لتوسيع انتشار هذه السرديات خارج الفضاء العربي.

من دمشق إلى غزة

لم يقتصر الأمر على الشأن السوري، إذ رصد الفريق انخراط الحسابات ذاتها في نشر روايات متشابهة تنال من حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية. وصنّفت بعض الحسابات الحركة كـ "تنظيم إرهابي"، متبنّية السردية العبرية التي تتهم المقاومة باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

كما أعادت الشبكة إنتاج سرديات الاحتلال حول أحداث السابع من أكتوبر، واتهام الحركة بخطف وقتل المدنيين الإسرائيليين واستغلال معاناة الفلسطينيين، زاعمة ارتباط الحركة بتنظيم داعش وجماعة الإخوان المسلمين.

حملة متزامنة ضد رغد التكريتي

وبذات النمط، رصد فريق "إيكاد" تزامنًا في استهداف ذات الحسابات للناشطة الحقوقية، رغد التكريتي، أول امرأة تترأس الرابطة الإسلامية في بريطانيا. وكان من اللافت تقاطع هذا الهجوم مع منشورات الصحفي الإسرائيلي، إيدي كوهين؛ حيث تطابق محتوى الشبكة مع تغريداته التي هاجمت التكريتي ضمن الإطار الزمني نفسه.  

السودان.. ساحة جديدة لنفس السرديات

وعبر الأنماط التشغيلية ذاتها، نقلت الشبكة نشاطها إلى الملف السوداني. وتركزت رسائلها في الهجوم على الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ساعيةً إلى ربطه بجماعة الإخوان المسلمين وإيران.

شبكات متعددة

وأثناء تحليل هذه الشبكة، لاحظ الفريق تشابه نمط عمل الحسابات المرصودة أعلاه مع شبكة الفتيات اللائي ينتحلن الهوية الغزاوية ويهاجمن المقاومة، والتي كشفتها "إيكاد" في تحقيق سابق. فعند المقارنة، ظهرت أوجه تشابه قوية بين الشبكتين، منها النشاط الصباحي المكثف نفسه، واستخدام الصور المسروقة، والانتقال الجماعي بين السرديات.

فما بدأ في التحقيق السابق كشبكة تنتحل هوية فلسطينية، ظهر في هذا التحقيق بصورة أوسع، عبر حسابات تحمل هويات عربية وإقليمية متعددة، لكنها تتحرك وفق الأنماط ذاتها وتدور حول الملفات السياسية نفسها.

لذلك فإن أخطر ما تكشفه هذه الشبكات مدى قدرتها على إخفاء هويتها الحقيقية خلف عشرات الهويات العربية المختلفة، بحيث يبدو الخطاب وكأنه صادر من داخل المجتمعات نفسها، بينما تشير الأدلة الرقمية إلى نمط تشغيل واحد يتكرر عبر الحدود والملفات والقضايا، سعيًا إلى التلاعب بالرأي العام العربي.