مدرعات "Vuran" التركية تعيد تشكيل المشهد العسكري في الصومال

مقال

مدرعات "Vuran" التركية تعيد تشكيل المشهد العسكري في الصومال

20/6/2026

في الوقت الذي تتوتر فيه علاقة الصومال بعدد من الدول الإقليمية، على رأسها إسرائيل، يبدو أن العلاقة مع تركيا تأخذ منحىً آخر، إذ تنتقل مقديشو من مرحلة تلقي التدريب التركي، إلى دمج معداته القتالية وتقنياته المتقدمة داخل البنية العملياتية لجيشها الوطني. 

فبالإضافة إلى تصاعد نشاط الجسر الجوي العسكري بين تركيا والصومال، وانخراطهما في العديد من العمليات البحرية والشراكات الدفاعية التي وثقتها "إيكاد" مطلع عام 2026، ظهرت المدرعة التركية "BMC Vuran" ضمن تشكيلات الجيش الصومالي مرتين خلال شهر أبريل/ نيسان، ما يشير إلى دخولها الخدمة فعليًا.

إكس
لقطات توثق ظهور المدرعات التركية "BMC Vuran" ضمن آليات الجيش الصومالي في 19 أبريل/ نيسان 2026

ما الخصائص التقنية للمدرعة التركية؟

حسب بيانات الشركة المصنعة "BMC Otomotiv"، وهي من أبرز مصنعي المركبات العسكرية في تركيا، تنتمي "Vuran" إلى فئة المدرعات متعددة الأغراض (4×4)، وتتسع لتسعة أفراد، مع تصميم يركز على الحماية والبقاء في بيئات قتالية عالية الخطورة. ويبلغ طولها الإجمالي 6810 ملم، ويصل ارتفاعها إلى 3500 ملم. 

فيما يبلغ الوزن الإجمالي المسموح به عند التحميل الكامل نحو 21 ألف كجم، وتستخدم علبة نقل حركة "Transfer Case" من نوع "Base Studio". ويرتكز هيكلها الأحادي وقاعها المقاوم للانفجارات على امتصاص أثر الألغام، كما أن المقصورة المدرعة والنوافذ الباليستية ومقاعد امتصاص الصدمات توفر حماية مباشرة للطاقم.

مرفق 01 صورة رسمية للمدرعة "BMC Vuran"

كما تضم المنظومة برج سلاح يتم التحكم به عن بعد، ونظام إطفاء حريق أوتوماتيكي، ونظام نفخ مركزي للإطارات، إلى جانب تجهيزات رؤية متقدمة تتيح العمل في ظروف انعدام الرؤية، ما يعزز من قدرتها على تنفيذ مهام الاقتحام والمرافقة.

تحوي النسخة الحديثة من "Vuran" على محرك ديزل محلي من طراز "TUNA"، تطوره "BMC Power"، بسعة 8.4 لتر و4 أسطوانات، بقوة تصل إلى 400 حصان، مقارنة بـ 375 حصانا في النسخ السابقة. 

ويرتبط المحرك بناقل حركة أوتوماتيكي من 6 سرعات أمامية وسرعة خلفية، ما يمنح المدرعة قدرة حركة مستقرة في البيئات المعقدة. كما أن المحرك يولد عزم دوران يصل إلى 1600 نيوتن/ متر عند 1100–1400 دورة/ دقيقة، ما يعزز قدرتها على الجر في التضاريس الصعبة. وتصل سرعتها إلى 110 كم/ ساعة، مع مدى عملياتي يقارب 600 كم. 

فضلًا عن قدرتها على تسلق منحدرات بنسبة 60% والتحرك على ميول جانبية 30%، إضافة إلى اجتياز عوائق مائية بعمق 80 سم وارتفاعات عمودية حتى 40 سم. وقد صممت للعمل في درجات حرارة تتراوح بين +55 و-32 مئوية، ما يجعلها ملائمة للبيئة الصومالية. كما أنها مزودة بإطارات "Run-Flat"، تسمح بمواصلة الحركة بعد الإصابة، ونظام كبح قرصي كامل مدعوم بـ "ABS"، ونظام كهربائي بجهد 24 فولت.

وتعتمد "Vuran" على تصميم مضاد للألغام، مع أنظمة إطفاء تحمي المقصورة والمحرك وخزانات الوقود، إلى جانب كاميرات حرارية أمامية وخلفية، ونظام تكييف مزدوج مخصص للظروف المناخية القاسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المدرعة دخلت لأول مرة إلى المخزون العسكري التركي عام 2019.

وقال عنها قائد القوات البرية التركية آنذاك، "سلجوق بيرقدار أوغلو"، إن "المركبات التكتيكية المدرعة، ومنها (Vuran)، أثبتت أهميتها في العمليات داخل شمال العراق وسوريا، بوصفها منصات توفر السرعة والحماية والاستطلاع والمراقبة والنيران".

تحول في توازنات القرن الأفريقي

يعكس انتشار هذه المدرعة ضمن الوحدات الصومالية تحولًا في طبيعة التعاون مع أنقرة، من تدريب القوات في قاعدة "TURKSOM"، إلى التمكين التقني الشامل، بحسب ما وثقته "إيكاد" في فبراير/ شباط 2026.

ويتجسد ذلك في التحول نحو عقيدة هجومية، تهدف إلى تحييد المجموعات المسلحة في الإقليم، حيث لم يعد الاستخدام دفاعيًا، بل باتت المدرعات، إلى جانب منصات تركية أخرى مثل "Bayraktar TB2" و"Kirpi"، جزءًا من عمليات غطاء تقني تحمي الجندي الصومالي في المناطق الوعرة.

هذا بالإضافة إلى تكامل المنظومات، الذي يشمل التعاون والتدريب والعتاد والدعم الجوي والبحري ضمن حزمة واحدة، ما يعزز مفهوم الشريك الأمني الأول. فضلًا عن حماية الموارد، في ضوء الاتفاقية الدفاعية بين تركيا والصومال، الموقعة في فبراير/ شباط 2024. 

من جانب آخر، تلعب هذه المنظومات دورًا في تأمين السواحل والمنطقة الاقتصادية، بما يفتح المجال أمام استكشاف النفط والغاز تحت مظلة حماية عسكرية تركية. وحسب تقييم معهد "RUSI" البريطاني، المتخصص في الشؤون الدفاعية والأمنية، يعكس هذا النمط من التعاون بين تركيا والصومال تحولًا استراتيجيًا في توازنات القرن الأفريقي.

"ديرين غوز".. معضلة تركية جديدة أمام إسرائيل واليونان

مقال

"ديرين غوز".. معضلة تركية جديدة أمام إسرائيل واليونان

30/4/2026

في ضوء الاهتمام التركي المتزايد في السنوات الأخيرة بالصناعات الدفاعية المحلية، اجتازت الغواصة البحرية ذاتية القيادة "ديرين غوز" اختبارات كشف الألغام المزروعة على أعماق مختلفة في قاع البحر. 

فما أهم خصائصها؟

حسب بيان صادر عن الشركة التركية المصنعة للمركبة (أسيلسان) في 27 أبريل/ نيسان 2026، يمتد دور "ديرين غوز" إلى تنفيذ عمليات الاستطلاع والمراقبة وحماية الموانئ وتأمين البنى التحتية الحيوية تحت سطح البحر، إضافة إلى فحص خطوط الأنابيب لأغراض عسكرية ومدنية، ما يعزز حضورها كمنصة متعددة المهام في البيئات البحرية المعقدة.

مرفق 02 صورة للمسيرة البحرية من الموقع الرسمي للشركة المصنعة "أسيلسان"

وفي إشارة إلى أهميتها، اعتبر "وقف تعزيز قدرات القوات المسلحة التركية"، وهو مؤسسة شبه رسمية معنية بدعم الصناعات العسكرية، أن المسيرة البحرية "ديرين غوز" تمثل بداية حقبة جديدة في مهام الغوص، مشيرًا إلى قدرتها على العمل حتى عمق 600 متر، مع هيكل معياري متطور، وقدرة عالية على المناورة. 

وعلى المستوى الفني، تصل السرعة القصوى للمركبة إلى 5.5 عقدة، فيما تبلغ سرعة المسح 3 عقد، مع إمكانية تمديد فترة التشغيل إلى 24 ساعة بفضل سعة البطارية القابلة للتوسيع. كما أنها تعتمد على منظومة اتصالات متعددة تشمل "Wi-Fi" و"Iridium" والمودم الصوتي، ما يتيح تشغيلها بكفاءة في سيناريوهات مختلفة. 

كما يشمل تكوينها حمولة قابلة للتوسيع تضم كاميرا مدمجة وسونار جانبي، لتوفير أداء عال في التصوير وجمع البيانات التفصيلية، إلى جانب أنظمة ملاحة متقدمة تشمل (INS وDVL وUSBL وGNSS) ومستشعرات العمق، بما يضمن تحديد الموقع بدقة تحت الماء.

وحسب البيانات التقنية المتاحة، تتكامل هذه الأنظمة ضمن آلية تشغيل مترابطة:

  1. GNSS

    يقود المسيرة من الميناء إلى منطقة العمليات فوق الماء بدقة.

  2. Iridium

    ينقل الأوامر من أنقرة إلى المسيرة عبر الأقمار الصناعية.

  3. DVL

    يحافظ على سرعة المسح ثابتة عند 3 عقدة تحت الماء.

  4. USBL

    يتتبع الغواصات الصغيرة التي تطلقها المسيرة من هيكلها المعياري، والمودم الصوتي ينقل الصور والبيانات من تلك الغواصات إلى المنصة السطحية.

مرفق 03 صورة للمركبة البحرية التركية (مؤسسة تعزيز القوات المسلحة التركية "TSKGV")

كيف تشكل "ديرين غوز" معضلة أمام إسرائيل واليونان؟

تعتمد الفرقاطات اليونانية والإسرائيلية على رادارات متقدمة مصممة لكشف الصواريخ والطائرات، مثل "AN/SPY-1" و"ELM-2248 MF-STAR"، إلا أن المركبة البحرية التركية تتميز بقدرتها على التخفي من الأنظمة التقليدية. حيث إن صغر حجمها وانخفاض بصمتها الرادارية "RCS"، إلى جانب إبحارها بالقرب من سطح البحر، يجعلها تختفي وسط ضجيج الأمواج (Sea Clutter)، وهو ما يصعّب عملية تمييزها.

وبالرغم من تقدم الأنظمة الإسرائيلية في مجال الحرب الإلكترونية، تعتمد المركبة التركية على أنظمة معقدة تمنحها قدرة على الصمود لفترة أطول أمام محاولات التشويش أو "الخطف الإلكتروني"، إضافة إلى اعتمادها على أنظمة بصرية لا تتأثر بالتشويش الراداري.

إضافة لما سبق، تركز "ديرين غوز" جزءًا من عملياتها تحت سطح الماء، حيث تستخدم أنظمة "DVL" و"USBL" لتوجيه غواصات صغيرة أو مستشعرات قاعية لرصد السفن من الأسفل، في بيئة تقل فيها قدرة أنظمة الحرب الإلكترونية على التشويش، مقارنة بالرادارات العاملة فوق السطح.

كما أن هيكلها المعياري يمنحها مرونة تشغيلية، إذ يمكن إعادة تهيئتها بسرعة لتكون منصة استطلاع أو أداة هجومية أو ناقلة ألغام، وهو ما يربك أنظمة الدفاع مثل "Phalanx" أو "C-Dome"، التي تحتاج وقتًا لتصنيف التهديد.

كما أن ارتفاع سعر الصواريخ المضادة الاعتراضية -مثل: "Barak 8" أو "Standard Missile"- التي قد يكلف الواحد منها نحو مليوني دولار، في مقابل هدف منخفض التكلفة مثل "ديرين غوز"، يجعل اعتراضها خيارًا مكلفًا للخصم.

ورغم امتلاك إسرائيل صواريخ قصيرة المدى ومدافع سريعة وأنظمة "DS-30M"، إلا أنها مصممة للاشتباك مع أهداف واضحة. ومع ذلك، يبقى التهديد الأخطر بالنسبة للمركبة التركية كامنًا في المروحيات البحرية (مثل "Seahawk" اليونانية)، القادرة على رصدها من الأعلى واستهدافها مباشرة. وما يزيد من خطورة الغواصة التركية الجديدة أنها تعمل كجزء من منظومة أوسع تشمل المسيرات الجوية مثل "Bayraktar"، التي توجهها وتوفر لها غطاءً.

شبكة حسابات تروج لإسرائيل بهوية عربية وإسلامية.. ما القصة؟

مقال

شبكة حسابات تروج لإسرائيل بهوية عربية وإسلامية.. ما القصة؟

20/4/2026

فتاة عربية تعلن دعمها لإسرائيل ومناهضتها لفلسطين، تُكَذّب النكبة الفلسطينية وتعتبرها "مزاعم سخيفة"، وفي ذات الوقت ترى أن لإسرائيل حقًا تاريخيًا في فلسطين. كانت تلك السردية الغريبة على الأوساط العربية لافتة لفريق "إيكاد"، لا سيما وأنها تحظى بتفاعل كبيرنسبيًّا.

إكس
نموذج لحساب تدعي صاحبته أنها فلسطينية وتدعم إسرائيل

تتبّع الفريق هذا الحساب، وحلّل محتواه، ورصد التفاعلات النشطة معه، الأمر الذي قادنا في النهاية إلى تفكيك شبكة رقمية تضم عشرات الحسابات التي تدعي انتماءها لعدد من الدول العربية والإسلامية، لكنّ خطابها جميعًا داعم للأجندة الإسرائيلية.

فكيف توصّلنا إلى الشبكة؟

بعد رصد بعض الشخصيات الافتراضية المتبنّية لتلك السردية، وجدنا عددًا من المنشورات تروّج لعدد من الحسابات الأخرى التي يرجح انخراطها في نشاط الشبكة.

وبعد الوصول إلى عشرات الحسابات، حدد الفريق عيّنة منها لإخضاعها للتحليل التقني. وكانت الملاحظة الأولى أن غالبية حسابات العينة -البالغ عددها 20 حسابًا- أُنشئ خلال فترة زمنية متقاربة؛ وتحديدًا بين نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول 2024، تلتها موجة ثانية في شهري يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2025. كما اكتشفنا أن كثيرًا منها يستخدم صورًا مضللة؛ بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، وأخرى منتحَلة من حسابات حقيقية.

مرفق 06

ومن خلال بيانات منصة "إكس"، تبين أن هذه الحسابات -التي تزعم انتماءها إلى 12 دولة عربية وإسلامية- تنشط جميعًا من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وكان من اللافت كذلك أنها جميعًا تستخدم المنصة عبر نسخة "Web" حصرًا، وهو نمط يختلف عن سلوك المستخدمين الحقيقيين الذين يعتمدون غالبًا على الهواتف المحمولة في نشاطهم اليومي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما لاحظ الفريق نمطًا متكررًا تتفاعل به هذه الحسابات؛ إذ كانت جميعها -في بداية نشأتها تحديدًا- تتفاعل مع موضوعات ذات طابع اجتماعي، مثل التهنئة بالأعياد، بهدف إضفاء طابع إنساني يوحي بأنها حقيقية، فضلًا عن إمكانية الانخراط وسط حسابات الجمهور المستهدف. وكانت تلك الفترة -الممتدة من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 حتى مارس/ آذار 2025- بمثابة تهيئة وتمهيد وبناء للحسابات.

مرفق 09 شبكة تمتد عبر 12 دولة وتنتهي تقنيًا إلى الولايات المتحدة

وبالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية المتعلقة بالحرب الإسرائيلية ضد غزة ولبنان وإيران منتصف 2025، برز النشاط السياسي لهذه الحسابات. إذ سجلت الشبكة ذروة نشاطها الأولى خلال شهري مايو/ آيار ويونيو/ حزيران 2025، حيث نشرت أكثر من 110 منشورات، بوصول محتملة تجاوز 110 آلاف. تراجع النشاط في الشهرين التاليين، ثم حققت ذروة ثانية في سبتمبر/ أيلول، عبر نشر نحو 100 منشور بوصول يناهز 85 ألف مشاهدة محتملة. 

تقلص النشاط مرة أخرى، لكنه عاد للصعود في مارس/ آذار 2026، تزامنًا مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وامتداد آثارها نحو عدد من دول الشرق الأوسط. وهو ما يوضح أن جل نشاط الشبكة يتزامن مع الأحداث السياسية الكبرى المتعلقة بإسرائيل.

مرفق 10

ما السرديات التي تتبنّاها الشبكة؟

لاحظ الفريق كذلك أن الحسابات تعيد نشر المحتوى ذاته تقريبًا، وتتكرر التعليقات بصياغات متشابهة. وهنا يُطرح التساؤل حول مضامين هذا المحتوى والرسائل التي تريد الشبكة ترويجها. وبعد تحليل الموضوعات التي تطرحها الحسابات بالأدوات المتخصصة، تكشّف أن الخطاب السياسي هو جوهر نشاطها؛ حيث تتصدر موضوعات مثل: الإسلام والصهيونية، والرأي العام حول حماس، والأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، والنقاش حول حلول السلام في الشرق الأوسط، والإخوان المسلمين.

مرفق 11 خريطة الموضوعات التي تطرحها الشبكة

كما تكشف خريطة الكلمات المفتاحية التي تستخدمها الشبكة في منشوراتها أن كلمة "إسرائيل" تهيمن على منشوراتها، ما يشير إلى أن خطاب الشبكة بكاملها يدور حول دولة الاحتلال. وإلى جانبها، تبرز مفردات "Support" و"Jewish people"، ما يعكس تبني الحسابات خطابًا داعمًا لإسرائيل بصورة مباشرة. كما تظهر كلمات "Hamas" و"Muslim Brotherhood" بأحجام لافتة، ما يعني حيازتها على نصيب معتبر من خطاب الشبكة. 

وتكشف الخريطة في أطرافها تقاطع الشبكة مع حسابات إسرائيلية بارزة، بينها (@LionsOfZion_ORG و@IsraelArabic و@VividProwess)، وهي حسابات تفاعلت مع الشبكة وروجت للمحتوى ذاته.

مرفق 12 خريطة الكلمات المفتاحية 

وبعد تحديد أبرز الموضوعات والكلمات التي تُستخدم في منشورات الشبكة، عمد الفريق إلى رصد أبرز السرديات التي يُروَّج لها من قبل هذه الحسابات. من بين أبرز تلك السرديات تحميل حركة حماس مسؤولية ما يجري في غزة، وتقديم إسرائيل بوصفها طرفًا مدافعًا عن نفسه ضد "الإرهابيين"، لا معتديًا. وهي ذاتها السردية الإسرائيلية.

كما قدمت الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا لا بديل عنه للعرب والمسلمين، ووصفتها بعض المنشورات بأنها "شريك رائع" لدول مثل السعودية وقطر، معتبرة أن السياسة الأمريكية في المنطقة مصدر استقرار.

كذلك وظفت الشبكة الدين والتاريخ لتبرير وجود الاحتلال الإسرائيلي، عبر منشورات تستشهد بالنبي موسى لإثبات "الحق اليهودي" في الأرض، وتصف الضفة الغربية بأنها "أرض أجداد إسرائيل"، وتقدم المستوطنين كمزارعين وعلماء آثار لا كمحتلين، وصولًا إلى إنكار الوجود الفلسطيني من الأساس.

وكان الداخل التركي هدفًا للشبكة، إذ ادعت الحسابات أن الأتراك يكرهون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويريدون التخلص منه، إلى جانب منشورات تزعم وجود علاقة سرية وثيقة بينه وبين بنيامين نتنياهو رغم خلافاتهما المعلنة، في محاولة لتشويه صورته لدى الجمهور العربي والمسلم.

كتابة مولدة بالذكاء الاصطناعي

ومن خلال تحليل النصوص، لاحظ الفريق سمات لغوية تشير إلى توليد آلي لا كتابة بشرية، إذ بدت الجمل مصوغة بدقة كبيرة مع غياب شبه كامل للأخطاء الإملائية والنحوية الطبيعية. وفي أحد النماذج، أظهر فحص النص عبر أداة "GPTZero" أن 100% منه مكتوب عبر الذكاء الاصطناعي.

مرفق 25 تحليل أحد النصوص كشف خطابًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي

التفاعل مع حسابات مطبعة وإسرائيلي

ومع ذلك لا ينتشر محتوى هذه الحسابات ضمن فراغ وهمي مطلق؛ إذ تكشف شبكة تفاعلاتها ارتباطها بمحاور تأثير حقيقية، منها أمجد طه بوصفه نموذجًا عربيًا مسلمًا يدعم إسرائيل علنًا ويحظى بحضور رقمي واسع، وهي ذات السمات الشخصية التي تتبناها الحسابات التي رصدها الفريق. 

مرفق 26

كما تتمدد روابط الحسابات عبر تفاعل مباشر ومكثف مع حساب "Vivid"، أحد أبرز محاور اللجان الرقمية الإسرائيلية، إلى جانب حضور واضح لـ "إيدي كوهين"، وهو من أبرز الأذرع الإعلامية الإسرائيلية الموجهة إلى الجمهور العربي.

انتحال الصوت المسلم لخدمة إسرائيل

في هذا التحقيق، وثّق فريق "إيكاد" شبكة من الحسابات التي تدعي انتماءها للأمتين العربية والإسلامية، لكن خطابها في ذات الوقت يدور حول الاحتلال الإسرائيلي ودعم سياساته؛ فهي تهاجم المقاومة الفلسطينية وتحملها مسؤولية معاناة أهالي قطاع غزة، وتبرر الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتروج للتطبيع مع إسرائيل. 

ويكمن الاختلاف الحقيقي للشبكة في استراتيجيتها القائمة على اختراق المجتمع العربي والإسلامي، فالحملات الإسرائيلية التقليدية كانت تصل إلى الجمهور العربي بواجهة واضحة يسهل التعرف عليها، أما هذه الشبكة فاختارت طريقًا مغايرًا، يتمثل في انتحال صوت المسلم والعربي نفسه، والتحدث بلغته ومفرداته. 

"إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية 

مقال

تهاجم المقاومة وتمدح بشار.. "إيكاد" تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية العربية والإسلامية

23/12/2024

حساب يحمل اسمًا أنثويًا عاديًا كـ "رهف منصور" (RahffMansour)، يضع صورة فتاة ملامحها عربية، ويعرّف نفسه بـ "الهوية المغربية". ينشر الحساب تغريدة يربط فيها رئيس الحكومة السورية الانتقالية، أحمد الشرع، بالتطرف والعنف.

تبدو الحكاية للوهلة الأولى كأي نقاش عابر على منصات التواصل الاجتماعي؛ لكنّ ما لفت الانتباه كان الظهور المتكرر لهذا الحساب بذات السردية، وهو ما دفعنا إلى مراجعة الحساب ومحتواه، وتحليل شبكة التفاعلات الرقمية معه، الأمر الذي قادنا في النهاية إلى كشف شبكة أوسع تضم 29 حسابًا، تنتحل هويات عربية وإقليمية متعددة تتحرك وفق أنماط رقمية متطابقة.

كان الجامع الأول لهذه الحسابات هو تشابه سرديتها، إضافة إلى تفاعلاتها المتبادلة مع بعضها بعضًا. وبعد تحديدها، لاحظ فريق "إيكاد" أنَّ كلّا منها يدعي الانتماء إلى واحدة من الدول العربية أو الإسلامية.

  1. الجزائر

    AsraaaarG - AsheqaElward - khoater_onsa

  2. إيران

    Mona_ahmedi - amgadizeina

وبعد تحديد الحسابات، عمَد فريق "إيكاد" إلى تحليل نشاطها ومحتواها. وكانت البداية من نمط النشاط، إذ أثبت التحليل الزمني لحركة الحسابات وجود نمط تشغيلي موحّد يضعف من احتمالية النشاط العشوائي؛ حيث تتركز ذروة التغريد والنشر بشكل متزامن بين الثالثة فجرًا والعاشرة صباحًا، وتسجل قفزات حادة بالقرب من الخامسة صباحًا. كما تبدأ وتيرة النشاط بالانخفاض عقب العاشرة صباحًا لدى كافة عناصر الشبكة.

ورغم أن الحسابات تدّعي الانتماء إلى دول تفصل بينها فوارق زمنية تصل إلى ثلاث ساعات، أظهرت الرسوم البيانية تحركها وفق جدول زمني واحد.

وجوه مستعارة

وإلى جانب نمط النشاط، فحص الفريق الصور الشخصية للحسابات المرصودة عبر أدوات البحث العكسي، فتبيّن أن كثيرًا منها يستخدم صورًا قديمة مسروقة من منصات مثل "Pinterest" و"فيسبوك" و"تيكتوك".

حملة للدفاع عن الأسد

ومن خلال تتبّع الفريق لأرشيف المحتوى الرقمي للشبكة خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، رصدنا تحركًا جماعيًا منسّقًا يهدف إلى تبرئة بشار الأسد. كما أن الحسابات هاجمت بشكل متزامن مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتبرز القرار باعتباره "استهدافًا سياسيًا لسوريا". وروّجت المنظومة للأسد كضامن وحيد لوحدة البلاد وحامٍ للاستقرار في وجه التدخلات الخارجية، ملوّحةً بأن سقوط نظامه سيقود جغرافيا المنطقة بأسرها نحو الفوضى والانهيار.  

وعند مراجعتنا للمحتوى الذي نشرته تلك الحسابات خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام السوري، اكتشفنا أن مجموعة كبيرة منها تحركت في اتجاه واحد. حيث قامت بنشر رسائل متشابهة تهاجم مذكرة الاعتقال الفرنسية بحق بشار الأسد، وتقدم القرار باعتباره استهدافاً سياسياً لسوريا. كما روّجت للأسد بوصفه حاميًا لاستقرار البلاد، وقائدًا يواجه التدخلات الخارجية، فيما ركزت منشورات أخرى على أن إبعاده سيقود إلى الفوضى وانهيار الاستقرار في المنطقة.

وكما هو ملاحَظٌ من النماذج المرفقة أعلاه، تروّج هذه الحسابات المضامين ذاتها في التوقيتات نفسها بالرغم من تباين جنسياتهم المزعومة.

الهجوم على الإدارة السورية الجديدة

وبعد سقوط نظام الأسد وهروبه إلى روسيا، انتقل نشاط الحسابات بشكل متزامن في مهاجمة الإدارة السورية الجديد بقيادة أحمد الشرع. حيث بثّت شبكة الحسابات عشرات المنشورات التي تربط الإدارة الانتقالية بالعنف والتطرف، وضخّمت مقاطع مصورة تزعم وقوع إعدامات ميدانية وانتهاكات ضد النساء.

كما ضاعفت تلك الحسابات تداول مقاطع زُعم أنها منسوبة إلى هيئة تحرير الشام، بعضها نُشر باللغتين الفرنسية والإنجليزية، في محاولة لتوسيع انتشار هذه السرديات خارج الفضاء العربي.

من دمشق إلى غزة

لم يقتصر الأمر على الشأن السوري، إذ رصد الفريق انخراط الحسابات ذاتها في نشر روايات متشابهة تنال من حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية. وصنّفت بعض الحسابات الحركة كـ "تنظيم إرهابي"، متبنّية السردية العبرية التي تتهم المقاومة باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

كما أعادت الشبكة إنتاج سرديات الاحتلال حول أحداث السابع من أكتوبر، واتهام الحركة بخطف وقتل المدنيين الإسرائيليين واستغلال معاناة الفلسطينيين، زاعمة ارتباط الحركة بتنظيم داعش وجماعة الإخوان المسلمين.

حملة متزامنة ضد رغد التكريتي

وبذات النمط، رصد فريق "إيكاد" تزامنًا في استهداف ذات الحسابات للناشطة الحقوقية، رغد التكريتي، أول امرأة تترأس الرابطة الإسلامية في بريطانيا. وكان من اللافت تقاطع هذا الهجوم مع منشورات الصحفي الإسرائيلي، إيدي كوهين؛ حيث تطابق محتوى الشبكة مع تغريداته التي هاجمت التكريتي ضمن الإطار الزمني نفسه.  

السودان.. ساحة جديدة لنفس السرديات

وعبر الأنماط التشغيلية ذاتها، نقلت الشبكة نشاطها إلى الملف السوداني. وتركزت رسائلها في الهجوم على الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ساعيةً إلى ربطه بجماعة الإخوان المسلمين وإيران.

شبكات متعددة

وأثناء تحليل هذه الشبكة، لاحظ الفريق تشابه نمط عمل الحسابات المرصودة أعلاه مع شبكة الفتيات اللائي ينتحلن الهوية الغزاوية ويهاجمن المقاومة، والتي كشفتها "إيكاد" في تحقيق سابق. فعند المقارنة، ظهرت أوجه تشابه قوية بين الشبكتين، منها النشاط الصباحي المكثف نفسه، واستخدام الصور المسروقة، والانتقال الجماعي بين السرديات.

فما بدأ في التحقيق السابق كشبكة تنتحل هوية فلسطينية، ظهر في هذا التحقيق بصورة أوسع، عبر حسابات تحمل هويات عربية وإقليمية متعددة، لكنها تتحرك وفق الأنماط ذاتها وتدور حول الملفات السياسية نفسها.

لذلك فإن أخطر ما تكشفه هذه الشبكات مدى قدرتها على إخفاء هويتها الحقيقية خلف عشرات الهويات العربية المختلفة، بحيث يبدو الخطاب وكأنه صادر من داخل المجتمعات نفسها، بينما تشير الأدلة الرقمية إلى نمط تشغيل واحد يتكرر عبر الحدود والملفات والقضايا، سعيًا إلى التلاعب بالرأي العام العربي.