"إيكاد" تتبع انتهاكات مليشيات حميدتي في "الجزيرة"

تحقيق

"إيكاد" تتبع انتهاكات مليشيات حميدتي في "الجزيرة"

11/7/2026

"ميت أم حي أنت يا كلب؟".. سؤال دفع فريق التحقيقات في إيكاد إلى الشروع في تحقيق استقصائي مطول، بغية التحقق من حقيقة المقطع الذي طُرحت فيه هذا العبارة على أسماع رجل مُلقىً على الأرض. لكنه كان مقتولًا، فلم يجب بطبيعة الحال.

كان ذلك ضمن تسجيل مصور تداوله نشطاء سودانيون في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2024، يظهر فيه مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مشابهة لتلك التي ترتديها ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويهينون مجموعة من المدنيين وبجوارهم بعض الجثث ملقاة على الأرض.

واللافت أن هذا المقطع لم يكن الوحيد، إذ انتشرت العديد من اللقطات والمشاهد المتشابهة في مضمونها معه، حيث ظهرت فيها تلك القوات وهي ترتكب انتهاكات وجرائم قتل وتعذيب وحرق ونهب بحق المدنيين، وذلك إثر الحملة العسكرية التي تشنها ميليشيات حميدتي على ولاية الجزيرة، جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023. وفي الجهة المقابلة، تصر قوات الدعم السريع على نفي كل هذه الاتهامات، مدعية -من خلال بياناتها الرسمية- احترامها للمواثيق والقوانين الدولية وحقوق الإنسان.

مرفق 01 صورة تظهر معلومات عن ولاية الجزيرة (mindat.org)

وبين الادعاء والنفي، قرر فريق التحقيقات في "إيكاد" ملاحقة آثار الانتهاكات، وتتبع المقاطع والصور، التي انتشرت في الفترة منذ مطلع يناير/ كانون الأول وحتى 10 مارس/ آذار 2024، والتحقق من محتواها. وكانت النتيجة التي توصل الفريق إليها عبر الأدلة والشواهد هي أن مقاتلي الدعم السريع ارتكبوا انتهاكات صريحة بحق المدنيين وممتلكاتهم في قرى ولاية الجزيرة ومدنها

مرفق 02 بيان نفي مستشار قائد قوات الدعم السريع (إكس)

وهو ما سيتضح تفصيلًا خلال التحقيق. وإجمالًا، تتضمن هذه الانتهاكات العديد من جرائم القتل والتعذيب والإهانة، خصوصًا في بلدتي "المعيلق" و"المدينة عرب"، فضلًا عن إشعال الحرائق وتخريب الممتكلات في بلدات أخرى بالتزامن مع دخول قوات حميدتي إليها، مثل "القرية 27" و"الهجيليج"، ومناطق "جنوب المناقل"، وجنوب شرقي "كاب الجداد".

قتل المدنيين في "المعيلق"

في 10 يناير/ كانون الثاني 2024، تداول نشطاء سودانيون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع يظهر فيه مسلحون يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع، وهم يحتجزون مجموعة من المدنيين، بينهم كبار سن وأطفال. وظهر المدنيون وهم يزحفون على الأرض ويحفرون في التراب بأصابعهم. وإلى جانب هؤلاء، تُظهر اللقطات جثثًا ملقاة على الأرض.

مرفق 03 صور للمنشورات التي  تظهر لقطة من المقطع المتداول ( إكس)

وفي المقطع الذي بلغت مدته دقيقتين ونصف، ذكر أحد المدنيين المحتجزين -في معرض إجابته على سؤال لأحد المسلحين- أن المنطقة المتواجدين فيها تسمى "المعيلق". في حين سُمع أحد المقاتلين وهو يشير إلى أن تاريخ تصوير الفيديو 9 يناير/ كانون الثاني 2024.

مرفق 04 صورة من المقطع تُظهر أحد المدنيين المحتجزين وهو يجيب على سؤال المسلحين بأن المنطقة تُسمى "المعيلق"2024

وعبر التحليل التقني والبصري للفيديو، وباستخدام تقنيات المصادر المفتوحة، تمكن فريق التحقيقات من تحديد الموقع الذي سُجل فيه المقطع داخل قرية "المعيلق"، والتأكد من تاريخه. والنتيجة التي توصل لها الفريق -بعد تحقيق وتدقيق سيتضح فيما يلي- هي أن "الدعم السريع" مسؤول عن الانتهاكات المرتكبة داخل تلك القرية بعد سيطرة قواته عليها.

الوصول لموقع تصوير الفيديو وتوقيته

من خلال البحث العكسي، تبين أن مقطع نُشر للمرة الأولى في 10 يناير/ كانون الثاني 2024. ثم انتقل الفريق للتحليل البصري للمقطع المسجل، فعبر تحليل المعالم الجغرافية الظاهرة فيه، تمكن المحققون من التعرف على النقطة الدقيقة التي صُور المشهد عندها، وتبين أن الفيديو ملتقط عند المدخل الجنوب الشرقي لبلدة المعيلق. ولمعرفة توقيت تصوير الفيديو، اعتمد الفريق على تحليل الضوء والظلال المرئية من خلال "SunCalc"، وقدّر أن المقطع صُور يوم 9 يناير/ كانون الثاني 2024، خلال فترة الظهيرة، بين الساعة 12:15 والساعة 13:15 على الأرجح.

مرفق 05 صور تظهر البحث العكسي عن المقطع في جوجل

ومما سبق، يتأكد أن المقطع حقيقي، وأن قوات الدعم السريع، يوم 9 يناير/ كانون الثاني 2024، كانت تحتجز -بطريقة مهينة- مدنيين، بينهم أطفال وكبار سن، في قرية المعيلق، وأن ما حدث أسفر عن ضحايا ظهر بعضهم في المقطع كجثث ملقاة على الأرض.

مرفق 06 صورة تظهر نتيجة التحليل التقني والبصري للفيديو باستخدام تقنيات المصادر المفتوحة لتحديد الموقع الدقيق داخل قرية "المعيلق" 

تعذيب وإهانة

ورغم تلك النتائج، استمر فريق التحقيق في بحثه عن دلائل أخرى لما حدث في قرية "المعيلق" يومها. فتوصل إلى مقطع فيديو آخر، تظهر فيه قوات الدعم السريع وهي تعذب مجموعة من المواطنين وتضربهم. وثبت أن المقطع صُور أيضًا في ذات القرية.

مرفق 07 صورة تظهر أداة "SunCalc" المستخدمة لتحليل الضوء والظلال المرئية في الفيديو لتحديد توقيت التصوير 

فكيف توصل الفريق إلى هذه النتيجة؟

مرفق 08 صورة تظهر لقطة من الفيديو الثاني تُظهر مقاتلي الدعم السريع وهم يعذبون مدنيين ويضربونهم على مشارف بلدة "المعيلق"، في 9 يناير/ كانون الثاني 2024 (منصة إكس)

من خلال التحليل البصري للمقطع الثاني ومقارنته بالأول، اكتُشف وجود شخصين متطابقين على الأقل بين المقطعين، وهو ما قادنا إلى الاستنتاج بأن التعذيب في هذا المقطع مرتبط بذات الجريمة التي ارتكبها الدعم السريع في قرية "المعيلق".

مرفق 09 صورة تظهر مقارنة بين المقطعين تكشف وجود شخصين متطابقين في كليهما

وما عزز هذا الاستنتاج أن الفريق تمكن من تحديد مكان وقوع حادثة التعذيب، إذ تبين أن مقطع الفيديو الثاني سُجل على بعد عدة أمتار من مكان تصوير الأول، والذي أُثبت أعلاه أنه صُور في "المعيلق". وبالاعتماد على تحليل الضوء والظلال المرئية، اتضح أن الفيديو الثاني سُجل عقب الأول بساعة أو ساعة ونصف على الأرجح، أي بين الساعة 13:30 و14:15.

مرفق 10 صورة تظهر تحديد موقع تصوير الفيديو الثاني على بعد أمتار من موقع الأول في "المعيلق" 

وعليه، توصل الفريق إلى أن قوات الدعم السريع -كما ظهر في الفيديو الأول- قتلت وجرحت عددًا من المدنيين واحتجزت آخرين، ثم اقتيدوا بعد ذلك إلى مشارف القرية وتعرضوا للتعذيب والضرب، كما ظهر في الفيديو الثاني

مرفق 11 صورة تظهر نتيجة تحليل توقيت الفيديو الثاني الذي سُجل بعد الأول بساعة إلى ساعة ونصف، أي بين الساعة 13:30 و14:15 

 وهنا، تجدر الإشارة إلى وجود تطابق بين ما توصل له هذا التحقيق وما تحدث به شهود عيان لقناة الجزيرة. إذ كشفوا أن قوات الدعم، خلال اقتحامها لقرية "المعيلق" في 9 يناير/ كانون الثاني 2024، أعدمت ما لا يقل عن 7 مدنيين واعتقلت أكثر من 40 من أهالي البلدة، فضلًا عن نهبها للبنك والمتاجر والمقتنيات الشخصية للمدنيين هناك. 

مرفق 12

انتهاكات واغتيالات في "المدينة عرب"

لم تكن قرية "المعيقل" الوحيدة التي وثّق فريقنا تعرضها للانتهاك والإيذاء من قبل قوات الدعم السريع. إذ أثبت -من خلال الأدلة المرئية- أن الانتهاكات بحق أهالي بلدة "المدينة عرب" ارتُكبت بعد سيطرة قوات الدعم السريع على القرية، ما يرجح مسؤوليتها عن هذه الجرائم. فكيف حدث ذلك؟

كانت البداية من أخبار نشرتها حسابات حقوقية سودانية عن حدوث انتهاكات بحق أهالي البلدة من قبل قوات حميدتي. إضافة إلى قتل 3 أطباء واختطاف اثنين من الكادر الطبي من مشفى القرية في 4 مارس/ آذار 2024. كما تحدث شهود عيان للجزيرة عن أن الدعم السريع بالغ في ممارسة العنف والاعتداء على المواطنين بالضرب ونهب الممتلكات،  مما اضطرهم في النهاية إلى النزوح.

مرفق 13

سعى فريق التحقيقات في إيكاد إلى التحصل على أدلة مرئية تدعم ما جاء في هذه الأنباء. وكانت البداية من تغريدة نشرها حساب أحد الإعلاميين المناصرين لقوات الدعم السريع، في 28 فبراير/ شباط 2024، تضمنت مقطعًا مسجلًا وخبرًا يفيد بلوغ القوات حدود ولاية سنار، الواقعة جنوب ولاية الجزيرة. تضمن المقطع المرفق مشاهد أرتال عسكرية تسير على الطريق السريع، قبل أن تتوقف ويترجل الجنود بالقرب من إحدى البلدات المأهولة، وفي الخلفية تُسمع أصوات انفجارات ورصاص متقطع، ما يرجح وجود اشتباكات في المكان.

مرفق 14

هوية المجموعة العسكرية

إحدى النقاط المهمة في المقطع تمثلت في صوت مصوره الذي تحدث عن قيادة "المقدم عبد الرحمن حميدة البيشي" للمجموعة العسكرية المشتبكة. وبالبحث، وجدنا أن البيشي يشغل منصب قائد قوات الدعم السريع في إقليم "النيل الأزرق". ومن ثم ظهر ذات الشخص في مقطع الفيديو وهو يوجه المقاتلين عبر جهاز اتصالات بيده مرتديًا الزي العسكري للدعم السريع، وبالبحث العكسي، واستدللنا على ذلك عبر البحث العكسي عن صورته. وهو ما حسم أن المجموعة العسكرية الموجودة في المقطع تابعة لقوات الدعم السريع.

مرفق 15

تحديد مكان الاشتباك

ثم عمل الفريق على تحديد المكان الذي تواجدت فيه تلك المجموعة التابعة لقوات الدعم السريع، وسُمعت فيه أصوات اشتباكات وانفجارات. ومن خلال تحليل المعالم الجغرافية الظاهرة، خلص الفريق إلى أن المقطع سُجل على المدخل الشمالي الشرقي لبلدة "المدينة عرب".

مرفق 16 صورة تظهر نتيجة التحليل الجغرافي لتحديد موقع تصوير المقطع عند المدخل الشمالي الشرقي لبلدة "المدينة عرب"

ومما سبق، ثبت أن قوات الدعم السريع باتت الجهة العسكرية المسيطرة على بلدة "المدينة عرب" بدءًا من 28 فبراير/ شباط 2024 (تاريخ انتشار الفيديو المشار إليه أعلاه).  وباعتبار  أن موعد السيطرة يتقاطع مع أنباء الانتهاكات التي تحدثت عن هذه الجرائم بعد توثيقنا لوصول الدعم السريع، فإن ذلك يعني مسؤولية ميليشيات حميدتي عن تلك الانتهاكات.

إحراق الأراضي الزراعية

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فمن خلال المتابعة الدورية للمتغيرات في الولاية، رصد الفريق -عبر صور الأقمار الصناعية- نشوب حرائق في عدد من الأراضي الزراعية والمنشآت المدنية والملكيات الخاصة في عدد من القرى والبلدان بولاية الجزيرة. أتى ذلك بالتزامن مع تداول وكالات الأنباء ووسائل الإعلام أخبارًا عن هجوم قوات الدعم السريع على ذات القرى والبلدات. وبعد تتبع التطورات الميدانية خلال الفترة نفسها، لم تُرصد أي إشارة إلى استهداف تلك المواقع من قبل سلاح الطيران التابع للقوات المسلحة السودانية، وهو ما يستعبد احتمالية أن تكون تلك الحرائق ناجمة عن ضربات الجيش السوداني.

وفي هذا السياق، قد يكون مهمًا الإشارة إلى أن لقوات الدعم السريع تاريخًا في حرق الأراضي الزراعية وإتلاف المحاصيل بهدف ترهيب المدنيين وإخضاع المناطق لسيطرتها، إذ سبق لها ممارسته في ولايات جنوب كردفان مطلع عام 2024، حسب بيان للخارجية السودانية

وفي هذا السياق، رصدت مستشعرات الأقمار الصناعية وجود حرائق في عدة مناطق على فترات متقطعة، لكن اللافت أن فريق إيكاد لاحظ -من خلال متابعة الوقائع الميدانية- ارتباط هذه الحرائق بالفترات التي سيطرت فيها قوات الدعم السريع على تلك المناطق، أو تواجدت فيها على أقل تقدير. فعلى سبيل المثال، رُصدت حرائق في بلدة "كاب الجداد" شمال ولاية الجزيرة على امتداد يومي 25 و26 فبراير/ شباط 2024.

مرفق 17 صورة تظهر رصد مستشعرات الأقمار الصناعية حرائق في بلدة "كاب الجداد" شمال ولاية الجزيرة، في 25 فبراير/ شباط 2024 (NASA FIRMS)

وبتتبع الواقع الميداني، تبين أن قوات الدعم كثفت هجماتها على المنطقة في تلك الفترة، لا سيما بلدات "كاب الجداد" و"السديرة الشرقية" و"السديرة الغربية". تبين أن هذه المنطقة التي تعرضت للحرق -بعد تحليل معالمها الجغرافية- كانت مجرد أراض زراعية.

مرفق 18 صورة تظهر بلدات "كاب الجداد" و"السديرة الشرقية" و"السديرة الغربية"

وما عزز هذه النتائج هو مقارنة الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية بعد الحريق، إذ تحولت أجزاء من تلك الأراضي إلى اللون الأسود، ما يرجح تلف المحاصيل الزراعية.

مرفق 19 صورة تظهر الأراضي الزراعية في منطقة "كاب الجداد" قبل وبعد تعرضها للحرائق، في فبراير/ شباط 2024 (صور الأقمار الصناعية)

نفس المشهد تقريبًا تكرر في "القرية 27 الفرقان". إذ رصدت المستشعرات وجود حرائق في 14 و15 مارس/ آذار 2024. وهو ما تأكد عبر صور القمر الصناعي  Sentinel Hub وPlanet خلال الفترة نفسها تقريبًا.

مرفق 20 صورة تظهر رصد مستشعرات الأقمار الصناعية حرائق في "القرية 27 الفرقان" بولاية الجزيرة، في 14 و15 مارس/ آذار 2024 (NASA FIRMS)

وعند مراجعة الأحداث الميدانية في المنطقة خلال تلك الفترة، تبين أن قوات الدعم السريع شنت هجمات على منطقة الفاو المحاذية للقرية 27 من الجهة الشرقية.

مرفق 21

كما اتضح أن المناطق التي تعرضت للاحتراق داخل البلدة تضم بيوتًا طينية ومنازل ومحال صغيرة عائدة لأهل القرية، ما يرجح كذلك أن عملية الإحراق أتت في سياق التخريب وترهيب المدنيين.

مرفق 22

ولم تختلف هذه النتائج عن تلك المرصودة في عدد من المواقع الأخرى، مثل بلدة "الهجيليج"، وطريق "المناقل-الشكينية" السريع الواصل بين مدينتي المناقل والشكينية. 

من الممكن القول إن تكرر النمط في عدد من المناطق بشكل متزامن، مع وجود عامل مشترك بينها جميعًا؛ يتمثل في تواجد "الدعم السريع"، يرجح مسؤوليته عن هذه الحرائق. وتكرار استهداف الأراضي الزراعية والمنشآت المدنية يعزز الفرضية القائلة بأن الهدف هو إخضاع المناطق لسيطرتها عبر إرهاب المدنيين.

خلاصة نتائج التحقيق

إجمالًا، خلص تحقيق فريق "...."، بخصوص ممارسات ميليشيات الدعم السريع تجاه المدنيين خلال الحملة العسكرية ضد ولاية الجزيرة، إلى عدة نتائج:

  1. ارتكبت ميليشيات الدعم السريع انتهاكات ومارست عنفًا انتقاميًا ضد أهالي بلدة "المعيلق" في ولاية الجزيرة

  2. ميليشيات الدعم السريع مسؤولة عن الانتهاكات التي ارتُكبت في بلدة "المدينة العرب" بولاية الجزيرة

  3. تزامنت حوادث إحراق الأراضي الزراعية وتدمير المنشآت المدنية وتخريب الممتلكات الخاصة في عدة مناطق، مثل "كاب الجداد" و"القرية 27 الفرقان" وطريق "المناقل الشكينية" وبلدة "الهجيليج"، مع هجوم الدعم السريع على تلك المناطق

وبالتوازي مع هذه النتائج حول انتهاكات ميليشيات الدعم السريع منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023 حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وثقت مراصد سودانية ومنظمات دولية خلال الفترة ذاتها مئات الانتهاكات المرتكبة بحق أهالي ولاية الجزيرة، كالقتل والاختطاف والتعذيب والاغتصاب والنهب والحصار والتهجير وتدمير الممتلكات والسرقة.

على رأس هذه التقارير ما أصدرته الأمم المتحدة في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2028، إذ كشفت فيه عن سرقة ميليشيات حميدتي لمستودعات برنامج الغذاء العالمي في الولاية، ونهب أكثر من 2500 طن من محتوياتها.

مرفق 23

هذا بالإضافة إلى تقارير منظمة "محامو الطوارئ" السودانية، و"المرصد المركزي لحقوق الإنسان في السودان"، و تقارير "لجان ود مدني". 

كل ذلك يؤكد ويثبت حجم الانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيات الدعم السريع بحق أهالي الجزيرة، في إطار حملتها الساعية للسيطرة على الولاية.


أهمية السيطرة على "الجزيرة

ولعل من المفيد في هذا الإطار محاولة فهم الأسباب والدوافع التي حَدَت بحميدتي وميليشياته إلى شن هذا الهجوم الواسع والعنيف على الولاية القابعة جنوب الخرطوم.

قد تكون الجغرافيا مدخلًا مهمًا في فهم أهمية السيطرة على الولاية من الناحية العسكرية والسياسية، والاقتصادية كذلك.

مرفق 24

فكما يتضح على الخريطة، تمثل "الجزيرة" جبهة استراتيجية عسكرية حساسة، كونها تطوّق العاصمة من الجنوب، ما يعني أن السيطرة عليها سيمنح "الدعم السريع" تفوقًا عسكريًا ملحوظًا في صراعه مع الجيش المتمركز في الخرطوم.

كما أن الموقع الاستراتيجي للولاية جعلها بمثابة الرابط الرئيس لمعظم الطرق التي تتحرك عليها إمدادات الغذاء والصحة وغيرهما. 

إلى جانب ذلك، تعتبر الولاية من الحواضن الرئيسية للاقتصاد السوداني، حيث يطلق عليها: "سلة غذاء السودان"، نظرًا لأن بها المشروع الزراعي الأكبر في البلاد، وهو مشروع الجزيرة.  هذا بالإضافة إلى أنها تحوي ما لا يقل عن 20 في المائة من القاعدة الصناعية في السودان.

كل نقاط القوة هذه قد تستحيل إلى نقاط ضغط على الحكومة السودانية إذا ما سيطرت ميليشيات حميدتي على الولاية أو جزء منها. 

وعليه، يهدف حميدتي إلى تقوية أدواته عبر السيطرة على الجزيرة، وهو ما سيعزز موقفه في جولات التفاوض السياسي القادمة مع الجيش، لا سيما وأن الحملة العسكرية تأتي تزامنًا مع تجدد الرغبة الدولية والأمريكية بإعادة أطراف الصراع في السودان إلى طاولة المفاوضات مجددًا.

ما الذي قد تضيفه المسيرة التركية "سيفريسينيك" للجيش السوداني؟

مقال

ما الذي قد تضيفه المسيرة التركية "سيفريسينيك" للجيش السوداني؟

9/7/2026

أفادت تقارير محلية سودانية بوصول دفعات من مسيرات تركية من طراز "سيفريسينك" (Sivrisinek) إلى القوات المسلحة السودانية. وهي رواية أحادية المصدر لم يتسن لفريق "إيكاد" التحقق منها بشكل مستقل، غير أن هذا الاحتمال لا يبدو مستبعدًا، لا سيما وأن الجيش السوداني يمتلك بالفعل عددًا من المسيرات التركية ضمن ترسانته.

فما هي المسيرة "سيفريسينك"؟

يُترجم اسمها التركي إلى اللغة العربية بـ "البعوضة"؛ وهي مسيرة انتحارية متسكعة ذكية، تحلق فوق منطقة الهدف فترة من الزمن بحثًا عن هدف مناسب، ثم تنقض عليه وتنفجر عند الاصطدام به. أنتجتها شركة "بايكار" التركية وكشفت عنها في معرض "ساها" الدفاعي باسطنبول في مايو/ أيار 2026، وتنتج منهما نسختين؛ "SİVRİSİNEK-UM" و"SİVRİSİNEK-UMX". وأُعلن عن تشغيلها في كل من تركيا وباكستان وألبانيا وأوكرانيا.

مرفق 25 صورة مرجعية للمسيّرة التركية "سيفريسينك"

وحسب بيانات الشركة المصنعة، يتجاوز مدى المسيّرة ألف كيلومتر، وهو مدى يتفوق على كثير من المسيرات الانتحارية المتسكعة المنتشرة. وتتميز المنظومة بملاحة مستقلة عن أنظمة الأقمار الصناعية، تعتمد على نظام بصري مدعوم بالذكاء الاصطناعي، ما يمنحها قدرة على العمل في بيئات التشويش الكثيف.

وصممت المسيرة للعمل ضمن سرب تتبادل وحداته بيانات الأهداف في الوقت الفعلي، وتنسق الضربات دون تحكم مركزي. كما أنها مهيأة لضرب أهداف ثابتة، مثل مراكز القيادة، وأخرى متحركة، مثل العربات القتالية.

وميكانيكيًا، تعمل "سيفريسينك" بمحرك احتراق داخلي، ويبلغ أقصى وزن لإقلاعها 76 كيلوغرامًا، كما تحمل رأسًا حربيًا بوزن 20 كيلوغرامًا، فيما تتضمن النسخة "UMX" كاميرا كهروبصرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتحلق المسيرة لأكثر من 9 ساعات، بسرعة تصل إلى 102 كيلومتر في الساعة، وبسرعة قصوى تبلغ 130 كيلومترا في الساعة. ويصل أقصى ارتفاع لها إلى 10 آلاف قدم، بينما يبلغ ارتفاعها التشغيلي 4 آلاف قدم. 

ومن الناحية التشغيلية، لا تحتاج المسيرة عند إطلاقها إلى مدرج، ويمكن تشغيلها من مناطق مختلفة التضاريس. كما أنها تعتمد على ملاحة بصرية ونظام مضاد للتشويش، إضافة إلى توجيه طرفي عبر أنظمة الملاحة الفضائية والتوجيه الكهروبصري في نسخة "UMX".

ما الذي قد تضيفه إلى الجيش السوداني؟

وفي حال تأكد حصول الجيش السوداني عليها بأعداد كبيرة، فإن أهميتها لا ترتبط بالمدى وحده، فلدى الجيش مسيرات بعيدة المدى بالفعل، بل باجتماع التكلفة المنخفضة والعدد الكبير والعمل ضمن سرب والاستقلال الملاحي عن الأقمار الصناعية.

وقد يمنح ذلك الجيش قدرة على تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف عسكرية ومنظومات دفاع جوي تابعة للدعم السريع، لا سيما في ظل التطورات الأخيرة المتعلقة بمعركة الأبيض في شمال كردفان، حيث يفرض الدعم السريع حصارًا جزئيًا تحذر معه الأمم المتحدة من تكرار سيناريو الفاشر.

ويأتي الحديث عن مسيرة "سيفريسينك" ضمن مسار أوسع من اعتماد الجيش السوداني على المسيرات التركية منذ اندلاع الحرب. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مسيرات تركية من طراز "بيرقدار TB2" سُلمت للجيش السوداني.

وتوسّع هذا الدور لاحقًا، إذ كشفت "واشنطن بوست"، في مارس/ آذار 2025، استنادًا إلى وثائق ورسائل وسجلات طيران، أن شركة "بايكار" التركية زودت الجيش السوداني بمعدات عسكرية لا تقل قيمتها عن 120 مليون دولار، شملت مسيرات "TB2" ورؤوسًا حربية.

سقوط "أمبرو".. كيف تقدّم الدعم السريع شمال دارفور؟

مقال

سقوط "أمبرو".. كيف تقدّم الدعم السريع شمال دارفور؟

29/6/2026

بعد مواجهات مع الجيش السوداني والقوات المشتركة الموالية له، سيطر "الدعم السريع" في 23 يونيو/ حزيران 2026 على "أمبرو" شمالي دارفور، وذلك عقب عدة أيام من الهجمات التي استهدفت المدينة عبر المسيرات. وفي المقابل، أعلنت القوات المشتركة استعادة أبو قمرة جنوب محور (الطينة-كرنوي-أمبرو). 

تطرح هذه التطورات تساؤلات حول خريطة السيطرة الحالية في شمال غرب دارفور، وحول المسار الذي فتحه سقوط "أمبرو" أمام الدعم السريع باتجاه "الطينة" الحدودية مع تشاد، وهو ما يحاول هذا التقرير الإجابة عنه.

خريطة تتقلص حول الطينة

منذ مطلع 2026، شكّلت "الطينة" و"كرنوي" و"أمبرو" آخر مواقع الجيش السوداني والقوات المشتركة في أقصى شمال غرب دارفور، بعد سقوط "الفاشر" في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وتعرضت هذه المناطق لهجمات متصاعدة جمعت بين الاقتحام البري والمسيّرات، قبل أن تسقط "كرنوي" في 16 مارس/ آذار 2026 بيد قوات الدعم السريع.

وتبادل الطرفان السيطرة على "الطينة" أكثر من مرة، إلى أن ثبّت الجيش وجوده فيها نهاية فبراير/ شباط. وفي 14 يونيو/ حزيران، شنّ الدعم السريع هجومًا واسعًا على محلية "أمبرو" أُحرقت خلاله ثماني قرى.
 ثم أعلن في 23 يونيو/ حزيران سيطرته على المدينة بعد انسحاب القوات المشتركة باتجاه "الطينة"، لتصبح بذلك آخر نقطة رئيسية في دارفور بيد الجيش السوداني.
وفي المحور نفسه، نقلت "الجزيرة" عن مصادرها إعلان القوات المشتركة السيطرة على "أبو قمرة"، في خطوة تستهدف قطع مسار حصار الطينة. وتداولت حسابات مقاطعَ تُظهر دخول القوات المشتركة إلى "أبو قمرة"، ولم يتسنّ لفريق "إيكاد" تحديد موقعها الجغرافي، لكن البحث العكسي لم يظهر نسخًا قديمة منها على الويب.

تعزيزات من ليبيا ومعسكر الكفرة

وفي تحقيق سابق، رصد فريق "إيكاد" مقاطع التقطها عناصر من الدعم السريع، تُظهر أرتال آليات تتحرك من صحراء ليبيا ومنطقة المثلث الحدودي وصولًا إلى صحراء دارفور. وتظهر هذه التحركات ضمن مسار يهدف إلى إنعاش جبهات القتال وتعزيز قدرات الدعم السريع في أكثر من محور.

إكس

وفي هذا السياق، تتبع الفريق تطورات أحد المعسكرات المرتبطة بالدعم السريع جنوبي الكفرة، وهو الموقع الذي تناوله في تقرير سابق. وتظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 15 و20 يونيو/ حزيران زيادة في النشاط وعدد المركبات داخل المعسكر، عند الإحداثيات 23°29′28.71″ شمالًا و22°57′08.99″ شرقًا. وجاء هذا التصاعد قبل أيام من سقوط "أمبرو". كما أظهرت صورة لاحقة، في 27 يونيو/ حزيران، استمرار النشاط بعد ذلك.

قبل 15 يونيو 2026
بعد 20 يونيو 2026
وفي تقرير مفصّل سابق، وثّق فريق "إيكاد" عودة النشاط إلى المعسكر بعد فترة خمول. وتُظهر صورة "فانتور" (Vantor) عالية الدقة، الملتقطة في 10 يونيو/ حزيران 2026، مركبات عسكرية وخيامًا ومنشآت إقامة أو خدمات، أي قبل الهجمات على شمال دارفور.

ماذا تعني هذه التحركات؟

تكشف الخرائط وتسلسل الأحداث مسارًا واضحًا في شمال غرب دارفور؛ فسقوط "أمبرو" في 23 يونيو/ حزيران مثّل انتقال المعركة إلى ما قبل "الطينة". ويرجّح فريق إيكاد أن التعزيزات المرصودة القادمة من ليبيا، وعلى رأسها نشاط معسكر جنوبي الكفرة، أسهمت في هذا التقدم، وقد تساهم في تعزيز قدرات الدعم السريع العسكرية في محاور أخرى مستقبلًا.

ولا تكمن أهمية "الطينة" في كونها رقعة جغرافية تضاف إلى مناطق سيطرة الدعم السريع فحسب، بل لكونها خط إمداد مهم في دارفور؛ فالسيطرة عليها تعني إحكام قبضة قوات حميدتي على كامل إقليم دارفور، فضلًا عن السيطرة على معبر حدودي استراتيجي كمعبر الطينة، الذي يمثل -برفقة معبر "أدري"- أهم المعابر الحدودية مع تشاد. وقد سبق أن نقلت "رويترز" عن برنامج الأغذية العالمي أن آلاف الأطنان من المساعدات كانت عالقة عند معبر "الطينة"، قبل أن تعلن السلطات السودانية لاحقًا فتح "معبر أدري" مع تشاد لتسهيل دخول المساعدات إلى دارفور. وفي هذا السياق، قد تُقرأ مساعي الجيش السوداني للاستحواذ على مناطق مثل "أبو قمرة" كمحاولات للحيلولة دون احتمالية فرض حصار من قبل قوات الدعم السريع ضد "الطينة".

ازدحام مصفات مطار "انجمينا" التشادي.. ما علاقة الدعم السريع؟

مقال

ازدحام مصفات مطار "انجمينا" التشادي.. ما علاقة الدعم السريع؟

12/6/2026

بين آن وآخر، يتكرّر اسم مطار "انجمينا" في تقارير تتحدث عن خطوط إمداد قوات الدعم السريع، بوصفه نقطة عبور للسلاح وحركة العناصر. ومن خلال صور أقمار الصناعية ملتقطة نهاية مايو/ آيار 2026، رصد فريق "إيكاد" ظهور الجزء العسكري من المطار مزدحمًا بطائرات شحن ضخمة، كما لاحظ تحديثًا جزئيًا في المطار، شمل المنطقة الداكنة في الصور

مرفق 26 صور الأقمار الصناعية تظهر الجزء المحدَّث من مطار "انجمينا"، في 31 مايو/ آيار 2026 (Google Earth)

وكان فريق "إيكاد" قد نشر سابقًا تحليلًا مفصّلًا لمطار "إنجامينا"، استنادًا إلى صورة قمر صناعي عالية الدقة حصل عليها في 1 أبريل/ نيسان 2026 من قمر "فانتور" (Vantor)، وفيها ظهرت طائرات مقاتلة من أنواع مختلفة، وحظائر تشبه تلك المخصّصة للطائرات المسيّرة. كما شمل التحليل حينها مطار "أبيشي" (Abéché)، الذي ظهرت فيه طائرات مسيّرة صينية حديثة، مع رصد زيادة في عدد الرحلات.

ماذا أظهرت صورة غوغل إيرث؟

وبتحليل ما ظهر من المنطقة العسكرية في الصورة، رصد الفريق عددًا من طائرات الشحن، بينها شحن ثقيل، إضافة إلى مقاتلات ومروحيات.

مرفق 27 صور الأقمار الصناعية تـظهر طائرات عسكرية وطائرات شحن في المصف العسكري في مطار "انجمينا"، في 31 مايو/ آيار 2026 (Google Earth)

وتظهر على المصفّ ثلاث طائرات شحن كبير من طراز إليوشن إل-76 (Ilyushin Il-76)، وهو الطراز الذي سبق أن أشار الفريق إلى أن شركات واجهة تملك أسطولًا منه يُستخدم في إمداد الدعم السريع.

مرفق 28 صور الأقمار الصناعية تظهر ثلاث طائرات شحن كبيرة على المصف العسكري من طراز "إليوشن إل-76"، في 31 مايو/ آيار 2026 (Google Earth)

كما رصد الفريق وجود طائرتين من طراز "بوينغ 727" (Boeing 727)، وهو طراز رصدت بيانات سابقة نشاطه في مطار "نيالا" غرب السودان منذ منتصف 2025، من خلال تحرّكات قادمة من دول مجاورة، أبرزها تشاد، ضمن شبكة إمداد تخدم الدعم السريع.

مرفق 29 صور الأقمار الصناعية تظهر طائرتين من طراز  "بوينغ 727" (Boeing 727) على المصف الرئيسي لمطار "انجمينا"، في 31 مايو/ آيار 2026 (Google Earth)

وتُظهر المقارنة تغيّرًا في حظيرةٍ قيد البناء داخل المصف الرئيسي؛ إذ تبدو في صورة 31 مايو/ آيار مسقوفة جزئيًا، بعدما ظهرت في صورة 1 أبريل/ نيسان كهيكل حديدي مكشوف. وبجوار الحظيرة الكبيرة، ظهرت حظيرة أصغر قيد الإنشاء أيضًا.

ملاحة جوية متجدّدة

وبالتوازي مع أعمال البناء، نشر حساب مختص بتتبّع الرحلات، في 29 مايو/ آيار 2026، رصدًا لرحلة "IVC7601" المرتبطة بشركة "إنفيكتا" (Invicta Air Cargo)، يُرجِّح أنها كانت متجهة إلى انجمينا، أي قبل يومين من تاريخ صورة "غوغل إيرث". 

إكس
منشور لحساب مختصّ بتتبّع الرحلات، يرصد رحلة "IVC7601" المرتبطة بشركة إنفيكتا (Invicta Air Cargo) باتجاه "انجمينا"، في 29 مايو/ آيار 2026.

وكان الفريق قد رصد في تحليل سابق حركة متكررة لطائرات شحن مرتبطة بـ"إنفيكتا"، ضمن مسارات تصل بين الإمارات ووجهات في شرق ووسط أفريقيا سبق ربطها بإمداد الدعم السريع، وورد في التحليل -نقلًا عن صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية- أن الشركة تأسّست حديثًا في بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى، مشيرًا إلى احتمالية استخدامها ضمن خطوط لإمداد الدعم السريع تمر عبر إثيوبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، بعد التضييق على خطوط سابقة.

كما رجّح الفريق، في رصدٍ منفصل، هبوط طائرة تابعة لـ"إنفيكتا" من طراز إليوشن إل-76 في مطار الكفرة الليبي، الذي توقّف نشاطه عدة أشهر بعدما كان نقطة أساسية لإمداد الدعم السريع. وبهذا السياق، تضيف صورة "انجمينا" الجديدة مؤشرًا آخر إلى شبكة إمداد تتبدّل مساراتها مع تغيّر الضغوط على خطوطها السابقة. 

عبر "سبل السلام" الليبية.. "إيكاد" تتبع خط إمداد بديلًا للدعم السريع

مقال

بين اتهام سوداني ونفي ليبي.. ما حقيقة دور كتيبة "سبل السلام" الليبية في خط إمداد الدعم السريع؟ 

5/6/2026

في السادس من يونيو / حزيران 2025، توغّلت قوة مسلحة ليبية من كتيبة "سبل السلام" التابعة لخليفة حفتر نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي السودانية عند جبل العوينات، واشتبكت مع القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني، فأسقطت منهم جنودًا وأسرت آخرين، وصوّر أحد مقاتليها المشاهد بنفسه.

وبالرغم من إعلان قائد "سبل السلام"، الشيخ هاشم عبد الرحمن (الكيلاني)، أن ما حدث "سوء تفاهم"، اتهم الجيش السوداني قوات خليفة حفتر في ليبيا بدعم العمليات، معتبرًا ذلك "خرقًا صريحًا للسيادة السودانية وانتهاك للقانون الدولي". وفي المقابل، نفت سلطات شرق ليبيا التابعة لحفتر انخراطها في الصراع السوداني، مؤكدة وقوفها على مسافة واحدة من طرفيه. 

وبين الاتهامات السودانية والنفي الليبي، سعى فريق "إيكاد" للتحقق من طبيعة الدور الذي تضطلع به قوات حفتر، وتحديدًا كتيبة "سبل السلام"، ومدى انخراطها في الصراع السوداني الداخلي.

تحليل شبكة الحسابات المرتبطة بالكتيبة

انطلق التحقيق من تحليل شبكة الحسابات المرتبطة بكتيبة "سبل السلام"، وكانت البداية من صفحة الكتيبة الرسمية على الفيسبوك، والتي أوصلتنا بدورها إلى حسابات عدد من أبرز قياديي الكتيبة؛ مثل  أحمد سعد بونخيلة، القائد المؤقت للكتيبة، وعبد الرحيم سلطان بوبعيدة، المسؤول المالي فيها، وفؤاد أقويطين، أحد أبرز المسؤولين عن تأمين خطوط الإمداد عبر الحدود الليبية السودانية.

كما رصد فريقنا عددًا من الحسابات الإعلامية العاملة بالتنسيق مع الكتيبة؛ مثل الكاتب الصحفي عبد الله سليمان حامد، الذي يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي في المجلس البلدي بالكفرة، ويعمل مذيعًا في إذاعة الكفرة. وكذلك مراسل قناة ليبيا الحدث، محمد بوشليف، الذي غطّى عروضًا عسكرية لسبل السلام. ومصطفى لوجلي، وهو مصور يعمل في شعبة الإعلام الحربي ويقيم في الكفرة. وأخيرًا، حساب أحد أفراد عائلة "الزوي" المرتبطة بالكتيبة، فرج محمد.

أدلة بصرية من حسابات الشبكة

بالبحث في هذه الحسابات، لا سيما الخاصة بالإعلاميين، وغيرها من الحسابات المرتبطة بالأحداث على مواقع التواصل الاجتماعي، تمكنّا من الوصول إلى عدد من المقاطع والصور التي ساهمت في مسار هذا التحقيق.

فعلى سبيل المثال، نشر الليبي فرج محمد -أحد الحسابات المرتبطة بالكتيبة الليبية- مقاطع يظهر فيها قتلى وأسرى يبدو أنهم من الجيش السوداني، وذلك في ذات اليوم الذي تحدثت فيه الأنباء عن توغل "سبل السلام" داخل الأراضي السودانية.

مرفق 37 مقاطع يظهر فيها جثث وأسرى سودانيون في مواجهات يوم 6 يونيو/ حزيران 2025 (حساب فرج محمد على الفيسبوك)

كما رصد الفريق مقطعًا -نشرته حسابات داعمة للجيش السوداني- يظهر فيه أسيران من "سبل السلام" أسرتهما القوات المشتركة السودانية خلال مواجهات جبل العوينات. اللافت أن الإعلامي المرتبط بالكتيبة، عبد الله سليمان حامد، نشر صور أحد الأسيرين، مؤكدًا انتسابه لـ "سبل السلام". كما رصدنا ظهور الأسير نفسه قبل الأحداث في عرض عسكري صوّره المصور مصطفى لوجلي.

مرفق 38 المقاتل نفسه ظهر في عرض عسكري لسبل السلام (يمين، بتصوير مصطفى لوجلي) قبل أحداث المثلث، ثم ظهر أسيرًا في مقاطع القوات المشتركة (يسار).

وفي مقطع آخر نشره فرج محمد مستنكرًا سعادة بعض عناصر القوات المشتركة السودانية بالسيطرة على بعض المركبات خلال إحدى المعارك، ومن بين هذه المركبات ظهرت عربة جيب عسكرية تحمل الرقم 15. واللافت أن فريقنا وجد ذات العربة مشاركة في عرض عسكري صوّره مصطفى لوجلي، وفي مقطع آخر نشرته شعبة الإعلام الحربي لجيش حفتر.

مما سبق، يتضح أن الأدلة البصرية التي حللها فريق "إيكاد" -بعد الحصول عليها من حسابات تشير عدد من الأدلة إلى ارتباطها بالكتيبة الليبية- تعزز من احتمالية انخراط قوات كتيبة "سبل السلام" في الصراع الداخلي السوداني، سواء عبر التعاون المباشر مع الدعم السريع في المواجهات المباشرة، أو تسهيل وتأمين طرق الإمداد. 

توافق زماني ومكاني

رصدنا كذلك مقطعًا -نشره حساب سوداني- يُظهر قافلة من عربات جيب عسكرية تتجه نحو حدود السودان. وعلى الفيديو شعار سبل السلام بجانب شعار الدعم السريع، ويظهر في الخلفية جزء من الجبال الحدودية. والكلمات على الفيديو: "جبل العوينات — المجموعة 20 — سبل السلام + قوات الدعم السريع".

تزامن هذا المقطع مع لقطات نشرها الدعم السريع، في 16 يونيو/ حزيران، من داخل قاعدة "كرب التوم". وبتحليل المعالم الظاهرة، تأكد فريق "إيكاد" من أن هذه اللقطات صُورت بالفعل من داخل القاعدة التي يحدها من الشمال مباشرة المثلث الحدودي المحاذي لليبيا، وهي ذاتها المنطقة التي توغلت فيها "سبل السلام" قبل 10 أيام فقط. وإثرها، أعلن الجيش السوداني، في 10 يونيو/ حزيران 2025، انسحابه من المنطقة، فيما أعلن الدعم السريع سيطرته على المثلث الحدودي وجبل العوينات.


يعزز هذا التسلسل الزماني والمكاني من احتمال أن الهجوم انطلق بالأساس من جهة الأراضي الليبية، فمن سيطر على المثلث الحدودي شمالًا، تقدم بعدها بأيام نحو الجنوب إلى "كرب التوم".

جسر جوي فوق الكفرة 

لم يكتف فريق "إيكاد" بالأدلة البصرية الميدانية، فانتقل لتتبع ما يجري فوق سماء الكفرة جنوب شرق ليبيا. وبعد تحليل صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمطار الكفرة منذ مطلع 2025، رصد الفريق نشاطًا لافتًا خلال الأشهر الأخيرة لطائرات، رجح الفريق أنها من طرازي "Ilyushin IL-76" و"Antonov-26"، المخصصتين للشحن التجاري والعسكري.

مرفق 46 صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمطار الكفرة منذ يناير/ كانون الثاني حتى نهاية يوليو/ تموز 2025 (Sentinel Hub)
قياس أبعاد الطائرات الموجودة في المطار، والتي يرجح الفريق أنها من طرازي  "Ilyushin IL-76" و"Antonov-26"

كان التصاعد في عدد الرحلات لافتًا، فبعد رصدنا هبوط ثلاث طائرات في المطار خلال ثلاثة أشهر، تضاعف هذا الرقم أكثر من 10 مرات خلال الأشهر الثلاثة التالية؛ فمن أبريل/ نيسان حتى يوليو/ تموز 2025، رصد فريقنا 35 طائرة شحن هبطت في مطار الكفرة، وذلك حسب صور الأقمار الصناعية المتاحة. 

مرفق 47 تصاعد رحلات الشحن في مطار الكفرة من يناير / كانون الثاني إلى يوليو / تموز 2025. المصدر: تحليل فريق "إيكاد" لصور Sentinel Hub.

تزامَن هذا التصاعد مع أحداث المثلث الحدودي وسيطرة الدعم السريع على كرب التوم. وهو ما يعطي احتمالًا بأن هدف هذه الرحلات دعم قوات الدعم السريع في معاركها ضد الجيش السوداني، بعد مرحلة خسرت فيها ولايتَي الجزيرة والخرطوم.

تطورات في قاعدة تابعة لـ "سبل السلام"

بالإضافة لما سبق، كشفت منصة "S leaks"، عام 2023، عن قاعدة لسبل السلام تُستخدم لدعم قوات الدعم السريع وتدريب المقاتلين وإرسال العربات. ونشرت المنصة إحداثيات لم تقدنا مباشرة إلى المواقع الظاهرة في فيديو التسريب نفسه، ما دفع فريقنا للبحث في الصحراء والمناطق المحيطة بالكفرة والجوف جنوب شرق ليبيا.

تمكن الفريق من التعرف على موقع لوجستي في مناطق "سبل السلام"، على بعد نحو 10 كيلومترات من مطار الكفرة، عند الإحداثيات: 24.245016972248955, 23.235032037060208.

مرفق 48 صور الموقع اللوجستي في الجوف، على بعد 10 كم من مطار الكفرة يمينا.
والمناطق المُحدّدة بالمربعات هي هناجر جديدة (أصفر)، ومنطقة العربات (أحمر)، طرق داخلية (أزرق) يسارا.

وبين أبريل / نيسان وأغسطس / آب 2025، وهي الفترة ذاتها التي ازداد فيها الطيران إلى المطار، تطوّر هذا الموقع بشكل واسع؛ فظهرت مستودعات جديدة، وفُتحت طرق داخلية، وتغير عدد العربات الموجودة في منطقة الصيانة عدة مرات، ما يُرجَّح معه وصول آليات جديدة ومغادرتها. وقد تدعم هذه المؤشرات احتمالية أداء الموقع دورًا ضمن سلسلة الإمداد من الكفرة إلى المثلث باتجاه كرب التوم والفاشر.

مرفق 49

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الآن؟ 

يأتي تفعيل هذا المسار بعد سلسلة من الانسدادات في مسارات إمداد أخرى كان الدعم السريع يعتمد عليها منذ بداية حربه مع الجيش السوداني عام 2023. فلم يعد مطار نيالا -الذي عمل كنقطة انطلاق لجسر جوي منذ سيطرة الدعم السريع عليه في الربع الأخير من عام 2023- آمنًا، إذ شن عليه سلاح الجو السوداني غارات متكررة، ما أدى إلى تدمير بعض أجزائه وطائراته جزئيًا أو كليًا.

وبعد رصد عشرات الرحلات الجوية التي تهبط في مطار أم جرس بتشاد، لتنتقل بعدها برًا إلى غرب دارفور، اعتبر الجيش السوداني هذا المسار هدفًا مشروعًا، كما واجهت السلطات التشادية ضغوطًا إقليمية ودولية متصاعدة. وهو ما يجعل هذا المسار -كسابقه- غير آمن.

وبالتالي، مع تقلّص الإمدادات عبر مسار نيالا بفعل الغارات، وتراجع مسار تشاد، لم يبقَ للدعم السريع خيار يجمع الأمان الجوي بالوصول البري إلى دارفور غير مسار الإمداد الليبي.

وفي هذا السياق، تشير كل الدلائل السابقة إلى تصاعد كثافة دعم كتيبة "سبل السلام" لقوات الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة، من خلال تفعيل مسار إمداد يبدأ من مطار الكفرة شرق ليبيا، لينطلق برًا نحو الجوف، مرورًا بالمثلث الحدودي وكرب التوم، وذلك لتعزيز قدرات الدعم السريع في الفاشر ومناطق النزاع الأخرى.

مرفق 50

جدير بالذكر أن هذا المسار لا يمر عبره العتاد وحده. فبحسب الاستخبارات العسكرية السودانية، تُدير سبل السلام معسكرات لتدريب مقاتلين قادمين من تشاد والنيجر قرب مطار الكفرة، أحدها في مزرعة المسؤول المالي للكتيبة عبد الرحيم سلطان بوبعيدة. ويتسق ذلك مع ما وثّقه تحقيق "فرانس 24" من تأمين الكتيبة لممرات عبور المرتزقة الأجانب إلى ساحات القتال السودانية.

شركة شحن جديدة تنضم إلى خطوط إمداد الدعم السريع.. ما القصة؟

مقال

شركة شحن جديدة تنضم إلى خطوط إمداد الدعم السريع.. ما القصة؟

2/6/2026

شركة نقل جوي لا يتجاوز عمرها 20 شهرًا، يملكها رجل أعمال سوداني، ومسجلة في بوركينا فاسو، لكنَّ أيًّا من طائراتها لم يحط الرحال في المطارات البوركينية منذ بدء عملياتها. رأس مالها المعلن يتناقض تمامًا مع حجم أصولها وأعمالها، كما أنها تتعمد إخفاء وجهات أسطولها الفعلية. كانت تلك بعض النتائج التي توصل لها فريق التحقيقات في "إيكاد" عقب تتبع دقيق لشركة "Batot Air" وأنشطتها.

أسطول كبير برأس مال زهيد

سُجلت الشركة في أغسطس/ آب 2024 في بوركينا فاسو باسم رجل أعمال سوداني يدعى محمد عمر سليمان إدريس، وبرأس مال معلن قدره 15 ألف يورو. ورغم زهادة المبلغ، تملك الشركة أسطولًا جويًّا قوامه ست طائرات؛ أربع من طراز النقل المعروف "إليوشن 76"، والأخريتان من الطراز الأصغر حجمًا "أنتنوف 12"، وتبلغ قيمة الواحدة منها عشرات الملايين من الدولارات.

وعلى موقعها الرسمي، تضع الشركة خريطة توضح مناطق عملها، وما أثار الاستغراب أن أثيوبيا وتشاد لم يكونا من بينها بالرغم من أن معظم رحلات الشركة تنحصر بينهما وبين دولة الإمارات. 

مرفق 51 خريطة توضح وجهات شركة "Batot Air" (الموقع الرسمي للشركة)

فمنذ مطلع 2026، وحتى 22 أبريل/ نيسان، وثق فريق "إيكاد" 38 رحلة جوية لطائرات الشركة وهي متجهة صوب أثيوبيا أو تشاد. وكما يتضح من الرسم البياني، أجرت الطائرة، ذات الرقم التسجيلي "XT-ABJ"، ما مجموعه 12 رحلة إلى أثيوبيا خلال فترة امتدت من 7 يناير/ كانون الثاني حتى 9 مارس/ آذار 2026.

مرفق 52 رسم بياني يوضح عدد رحلات طائرات الشركة لأثيوبيا وتشاد في الفترة بين مطلع يناير/ كانون الثاني و22 أبريل/ نيسان 2026 (إيكاد)

نشاط مشبوه قرب السواحل الأثيوبية

ومما لاحظه فريق "إيكاد" خلال تتبع الرحلات أن الطائرة دأبت على إخفاء إشاراتها عن الرادارات في مناطق متعددة؛ فوق خليج عدن قرب سواحل شرق أفريقيا، أو قبالة الأجواء الأثيوبية، وأحيانًا داخلها. وهو ما يشير إلى احتمالين: الأول -والأرجح- أنها تهبط في أثيوبيا، والثاني أنها تتوجه إلى تشاد.

فعلى سبيل المثال، أخفت الطائرة إشارتها عقب دخولها المجال الجوي الأثيوبي قادمة من أبو ظبي، يوم 4 فبراير/ شباط. وذات الأمر فعلته في رحلتها المؤرخة يوم 9 مارس/ آذار، لكن الإشارة قُطعت هذه المرة فوق خليج عدن.

لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للطائرة الثانية "XT-ABN" ذات الحظ الأكبر في الرحلات إلى كل من أثيوبيا وتشاد، إذ بلغ عدد رحلاتها للدولتين 22 مرة؛ منها مرة مؤكدة إلى تشاد، وذلك في الفترة بين 27 يناير/ كانون الثاني و21 أبريل/ نيسان 2026.

ومن بين كل الرحلات التي رصدها فريق "إيكاد" للطائرة، كانت رحلتها مطلع أبريل/ نيسان استثنائية. فرغم أن الطائرة أخفت إشارتها كالمعتاد قرب خليج عدن، إلا أن الرادار التقطها هذه المرة وهي تقلع في اليوم التالي عائدة من إنجامينا بتشاد.

مرفق 53 مسار الطائرة "XT-ABJ" من الإمارات إلى أثيوبيا في رحلتين بتاريخ 4 فبراير/ شباط و9 مارس/ آذار 2026 (Flight Radar 24)

وعلى غرار الطائرتين السابقتين، تبعت الطائرة الثالثة "XT-ABG"، المسجلة حديثًا، ذات النمط السلوكي في رحلاتها الثلاث المرصودة خلال أسبوع واحد (ما بين 16 و22 أبريل/ نيسان 2026).

مرفق 54 رحلة الطائرة "XT-ABG" من أبو ظبي إلى أثيوبيا يوم 22 أبريل/ نيسان 2026 (Flight Radar 24)

واجهة لإمداد الدعم السريع

ومما سبق، خلص فريق "إيكاد" إلى أن شركة "Batot Air" ليست كيانًا تجاريًا طبيعيًا، مستندين في ذلك إلى عدد من المقدمات والأسباب. فالتناقض بين رأس المال المعلن وقيمة الأصول التشغيلية يعد نمطًا كلاسيكيًا تتبعه شركات الواجهة لإخفاء ملكيتها الحقيقية أو أغراض تشغيلها. 

كما أن الانفصال التام بين الدولة التي تحمل الشركة علمها (بوركينا فاسو) ومسارح عملها الفعلي، يثير التساؤل حول السبب الحقيقي لتسجيل الشركة هناك. فضلًا عن أن موقع الشركة يتجاهل الإشارة إلى وجهتيها الرئيسيتين (أثيوبيا وتشاد)، رغم أنهما تستأثران عمليًا بكامل النشاط المرصود، وهو مؤشر إضافي على محاولة إخفاء الطابع الحقيقي للعمليات. 

مرفق 55

أضف إلى ذلك ما رصدناه من إخفاء متكرر للإشارات الرادارية الصادرة عن طائرات الشركة عند دخولها الأجواء الأثيوبية أو اقترابها منها، بشكل لا يتسق مع عمليات الشحن المدنية المشروعة. وهو ما رجح -لدى الفريق- أن وجهة هذه الرحلات تتراوح بين أثيوبيا وتشاد.

ولعل ما يعزز النتيجة التي توصل لها فريق "إيكاد" ذاك التحقيق الذي نشرته صحيفة "لو موند" الفرنسية، نهاية فبراير/ شباط 2026، إذ أوردت فيه أن شركة "Batot Air" تعمل كواجهة لنقل العتاد العسكري الإماراتي إلى الحلفاء في شرق إفريقيا، وعلى رأسهم قوات الدعم السريع في السودان. كما نقلت الصحيفة عن مصادر أمنية متعددة أن الشركة تؤمّن سرًا تنقلات قائد القوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وشقيقه عبد الرحيم.

"إيكاد" ترصد شبكة رقمية تروّج لمنظومة مالية موازية في السودان

تحقيق

"إيكاد" ترصد شبكة رقمية تروّج لمنظومة مالية موازية في السودان

3/5/2026

تبدأ الحكاية من واجهة تطبيق مصرفي يحمل اسم "بنك المستقبل"، يظهر فجأة على شاشات الهواتف المحمولة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان كأداة دفع رقمية بديلة. 

قد يمرّ الإعلان كإجراء خدماتي اعتيادي، لكنه في حقيقة الأمر شكّل الخيط الأول الذي التقطه رادار "إيكاد"؛ إذ لم تكن تلك المنصة الرقمية مجرد تطبيق معزول، بل مهّدت الأرضية لسلسلة قرارات سيادية متلاحقة استهدفت ضرب العملة السودانية الوطنية. 

وتُوّجت بإعلان ما يسمى "حكومة تأسيس" التابعة للدعم السريع تأسيس "مجلس العملة الانتقالي"، ومنحه صلاحيات تنظيم تداول النقد، والإشراف الكامل على برامج الاستبدال، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية. 

وقبلها بـ 10 أيام فقط، أصدرت ذات الجهة قرارًا بحظر تداول فئات العملة السودانية الورقية الموقّعة باسم محافظ بنك السودان، برعي الصديق، مع تجريم حيازتها باعتبارها "جريمة اقتصادية سيادية".

مرفق 56 قرار حكومة تأسيس بحظر التعامل بالعملة الورقية السودانية

لاحظ فريق "إيكاد" نشاطًا رقميًا ترويجيًا صاحبت هذه القرارات. وبتتبع بعض الحسابات المشاركة في النشاط عبر المصادر المفتوحة، خلص الفريق إلى وجود شبكة رقمية تتخفّى خلف مواقع إخبارية، وحسابات وهمية، تنشط جميعها بالتزامن لإغراق الفضاء الرقمي.

مواقع ومنصات إخبارية

وفور صدور القرار، تولّت بعض المنصات والمواقع الإخبارية الموالية لقوات الدعم السريع، تعميمه ونشره؛ أبرزها مواقع "صباح نيوز"، و"راينو نيوز"، و"إدراك"، وصحيفة "الصيحة".  

وبالتتبع التاريخي للصحيفة الأخيرة تحديدًا (الصيحة)، وجدنا أن بعض التقارير تحدثت عن انتقال ملكيتها عام 2019 إلى شركة "الوديان" المرتبطة مباشرة بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عبر صفقة أدارها الصحفي، الصادق الرزيقي.  

مرفق 59 صحيفة "الصيحة" مملوكة لشركة "الوديان" المرتبطة بـ "حميدتي"

وعند إخضاع هذه المواقع للفحص على يد الفريق التقني لدى "إيكاد"، تبين أن موقعي "راينو نيوز" و"إدراك" يتشاركان عنوان نطاق (IP) واحد (91.204.209.18)، وكلاهما مسجّل لدى جهة النطاقات نفسها (NameSilo)، وهو ما يرفع من احتمال وجود جهة تشغيل واحدة خلف الموقعين.

كما تبيّن أن حساب "صباح نيوز" على "إنستغرام" -الذي أنشئ بعد أشهر قليلة من إعلان تأسيس ما يسمى بـ "حكومة تأسيس"- يُدار من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.

مرفق 62 بيانات الشفافية في "إنستغرام" تكشف أن حساب موقع "صباح نيوز" يشغَّل من الإمارات

حملة متزامنة على منصات التواصل الاجتماعي

انتقل الفريق من المواقع إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي نشطت عليها حسابات روّجت هي الأخرى للقرارات. ففي منصة "فيسبوك"؛ رصد الفريق عددًا من الصفحات التي أعادت نشر القرارات ودعمتها بصيغ وبوسترات متشابهة، شملت صفحات "QN News SD"، و"سودان ميكس"، و"رادار"، و"الزاوية"، و"الوطن". 

وأظهرت بيانات الشفافية الرقمية أن صفحتي "الزاوية" و"رادار" أُنشئتا خلال عام 2025، بينما أُسست صفحتا "سودان ميكس" و"الوطن" مطلع عام 2026.

مرفق 65 تواريخ إنشاء بعض الصفحات التي روجت للقرار (بيانات الشفافية على فيسبوك)

وكشف التدقيق في أرشيف صفحة "SD News QN" -المنشأة في يونيو/ حزيران 2022- تغييرها لمسمّى المعرّف الخاص بها في يناير/ كانون الثاني 2025، بعد أن كانت تحمل اسم "محبي الإعلامية تسابيح المبارك" المؤيدة لقوات الدعم السريع.  

مرفق 66 بيانات الشفافية على فيسبوك تكشف أن صفحة "SD News QN" كانت تُسمّى سابقًا "محبي الإعلامية تسابيح المبارك"

كما رصدنا مشاركة شخصيات داعمة للدعم السريع، من بينها "ظافر محمد" و"Jedo Musa" -اللذيْن تكشف بيانات حسابيهما عن تشغيلهما من الإمارات- في الترويج لقرار حظر العملة، عبر أكثر من منصة، بينها فيسبوك وتيك توك

مرفق 67 بيانات الشفافية تكشف تشغيل حسابي "ظافر محمد" و"Jedo Musa" من دولة الإمارات.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذه الحسابات نفسها سبق أن رصدتها "إيكاد" ضمن حملة الترويج لتطبيق "بنك المستقبل" الذي تقف خلف تطويره شركات مسجلة في الإمارات أيضًا.

وعلى منصة "إكس"، رصدنا حسابات شاركت في نفس الحملة الترويجية، وكشفت البيانات أنها أُنشئت خلال عام 2026، إلى جانب حسابات أقدم غيّرت أسماء المستخدم أو المعرفات الخاصة بها خلال عامي 2025 و2026.

نشاط رقمي متزامن

وكان من اللافت تركّز عمليات إنشاء الحسابات وإعادة التسمية بين يناير/ كانون الثاني 2025 وأبريل/ نيسان 2026، فيما بلغت ذروة إنشاء الحسابات وإعادة توظيفها خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2026، وهو النمط ذاته الذي ظهر بالتزامن مع توسع النشاط الإعلامي المرتبط بالدعم السريع على المنصات المختلفة.

مرفق 73 رسم يوضح تركز تواريخ إنشاء الحسابات أو تغيير أسمائها تسمية بين عامي 2025 و2026 (إيكاد)

هويات منتحلة

وخلال فحص الحسابات المشاركة في الحملة، اكتشفنا استخدام بعضها صورًا شخصية مزيفة. فمثلًا، أثبت البحث العكسي عن الصورة الشخصية لحساب "مناسك" أنها تعود إلى حساب على منصة "لينكد إن" لشخص يقيم في لندن ولا يرتبط بالشأن السوداني. كما استخدم حساب "هاجر موسى" صورة تعود للمؤثرة السودانية المقيمة في دبي "شذى فرح". 

كيف تعمل الشبكة؟

لاحظ الفريق كذلك اعتماد المنصات واللجان التابعة على إعادة نشر الإنفوغرافيك الرسمي نفسه بصيغ متشابهة. واستهدف التدوير المنسق تضخيم الرسالة عبر قنوات متعددة؛ بشكل يخلق انطباعًا بأن التأييد الشعبي لقرارات "حكومة تأسيس" يتشكل بطريقة عفوية وواسعة النطاق عبر الفضاء الرقمي. 

وبعد تحليل تقني أجراه مختصو "إيكاد" لحسابات الحملة الترويجية ومحتواها، تبيّن أن حساب "مجلس وزراء حكومة السلام والوحدة" يقع في مركز الشبكة الرقمية، كمنطلق ومصدر أساسي للمحتوى. وتتوزع حوله المواقع الإخبارية والصفحات الرديفة على المنصات المختلفة بهدف توسيع نطاق انتشار المضمون، وصولًا لطبقة الحسابات الفردية واللجان الموجهة.  

مرفق 79 شبكة المواقع والحسابات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي المروجة للمحتوى الذي يبثّه حساب "مجلس وزراء حكومة السلام والوحدة"

وحسب التحليل الرقمي لنشاط الحملة، تبين أن حركة الترويج بدأت فور بث الحساب المركزي للقرار عصر الجمعة 1 مايو/ أيار 2026 عند الساعة 14:13. وتلاحقت عشرات المنشورات في المنصات بالتزامن، وتكرر النمط ذاته مساء السبت 2 مايو/ آيار، عند الساعة 19:18، عقب صدور بيان توضيحي ثانٍ من الحساب المركزي.  

مرفق 80 رسم يوضح انطلاق موجات الترويج مباشرة عقب المنشورات الرسمية للحساب المركزي

يختلف هذا التزامن عن آليات انتشار الأخبار الطبيعية التي تتوزع عادة في فترات متفاوتة بناءً على اهتمامات الجمهور وطبيعة المنصة؛ إذ يسجل المؤشر ارتفاعًا حادًا فور صدور المنشور الرسمي ثم ينخفض تدريجيًا بانتهاء الزخم. لكن في حالتنا هذه، كان النشاط يرتفع النشاط بصورة متزامنة مع كل منشور رسمي. وهو ما يعزز من احتمالية وجود حملة منسقة غير عفوية للترويج للقرارات الاقتصادية التي تتخذها قيادة الدعم السريع.

ما الهدف من القرارات؟

من الممكن القول إن قرار حظر العملة الوطنية وتجريم حيازتها ليس إجراءً إداريًا معزولًا، إذ إنه مرتبط بسلسلة خطوات ممنهجة يبدو أنها تهدف إلى تأسيس اقتصاد موازٍ. 

بدأت الخطة بتوفير أداة دفع رقمية بديلة عبر "بنك المستقبل"، وتطورت إلى استهداف العملة السودانية الرسمية وتجريمها، وصولًا لإنشاء جسم تنظيمي ومصرفي مستقل يدير النشاط النقدي تحت مسمّى "مجلس العملة الانتقالي".

تطرح هذه الخطوات تساؤلات حول ما إن كان تأثيرها سيقتصر على إدارة النشاط الاقتصادي المحلي في مناطق سيطرة الدعم السريع، أم أنها بمثابة تمهيد استراتيجي لمسار قد يؤول إلى تفكيك الاقتصاد السوداني وعزله وفصله عن اقتصاد المناطق الواقعة تحت سيطرة حميدتي وقواته، ما قد ييسّر لاحقًا الانفصال الكامل.

خط إمداد للدعم السريع.. رادار "إيكاد" يرصد مستجدات مطار "بيراو" 

مقال

خط إمداد للدعم السريع.. رادار "إيكاد" يرصد مستجدات مطار "بيراو" 

16/4/2026

في أقصى شمال شرقي جمهورية أفريقيا الوسطى، رصد فريق "إيكاد" -عبر تحليل صور الأقمار الصناعية- تحولات لوجستية متسارعة داخل مطار "بيراو"؛ إذ كشفت الصور المحدثة عن تمدد مريب في مدرج المطار، تزامن مع اختفاء مفاجئ لحركة الطائرات المرصودة داخله بعد 4 مارس/ آذار 2026.  

مرفق 81 صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 12 فبراير/ شباط و13 أبريل/ نيسان 2026 تكشف تمدد مدرج المطار (Sentinel Hub)

وتكتسب هذه التغيرات أهمية بالغة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمطار؛ حيث يبعد نحو 65 كيلومترًا فقط عن معبر "أم دافوق" الحدودي، الذي يمثل البوابة البرية الرئيسية المؤدية إلى ولاية جنوب دارفور السودانية، الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. 

مرفق 82 المسافة بين المطار والحدود السودانية قرب مناطق سيطرة الدعم السريع (Google Earth)

وبسبب هذا الموقع الاستراتيجي وأهميته في إطار الحرب السودانية الداخلية، تتبّع فريق "إيكاد" المستجدات الميدانية في المطار، ثم حاول قراءتها في سياقها السياسي الأوسع، وهو ما قادنا إلى تطورات أخرى تحدث في مطار رئيسي آخر في بانغي.

ما الذي تكشفه الأقمار الصناعية بشأن مطار "بيراو"؟

كشفت المقارنة الزمنية لصور الأقمار الصناعية عن تذبذب في حركة الشحن الجوي داخل المطار؛ إذ رصد الفريق طائرة واحدة في مارس/ آذار 2025، ليرتفع العدد إلى طائرتين في أبريل/ نيسان من العام ذاته، قُبيل أن تدخل الحركة في مرحلة خفوت تام خلال أشهر الصيف. وعاود النشاط الجوي تصاعده بظهور طائرة في سبتمبر/ أيلول، وبلغ ذروته برصد أربع طائرات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. 

ثم رصد الفريق طائرتين في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وثلاث في الشهر الأول من عام 2026، واثنتين في فبراير/ شباط، وطائرة وحيدة مطلع الشهر التالي. ومن ثم غابت الطائرات تمامًا عن المهبط -وفق الصور المتاحة- بعد 4 مارس/ آذار.

ومن خلال مقاطعة الفريق لصور أقمار صناعية أرشيفية للمطار، رجّح الفريق مطابقة طائرات الشحن المستخدمة لطائرات "فوكر 50" (Fokker 50)، وهو الطراز عينه الذي وثّقته مقاطع مرئية سابقة نشرتها عناصر قوات الدعم السريع.

مرفق 83 صور قديمة داخل مطار بيراو تظهر طائرات يرجح أنها من طراز "فوكر 50"

وفي مقابل تراجع الحركة الجوية، رصد الفريق نشاطًا إنشائيًا مكثفًا على الأرض؛ إذ أظهر قياس المساحات عبر الأقمار الصناعية تمدد مدرج مطار "بيراو" من طول 1.85 كيلومتر إلى قرابة 2.3 كيلومتر. وربما تستهدف هذه التوسعة الهندسية -كأحد الاحتمالات- تهيئة المدرج لاستقبال طائرات شحن أثقل تتيح نقل كميات أكبر.

مطار بيراو.. عقدة لوجستية

تتبّع التحقيق السياق العملياتي للمطار، فكشف عن تحوله من دعم عمليات الإغاثة الإنسانية ونقل موظفي بعثة الأمم المتحدة (MINUSCA) إلى ثكنة عسكرية، حيث وظفت القوات الفرنسية المطار سابقًا في عملية "بوالي"، قبل أن تسيطر عليه مجموعة "فاغنر" الروسية وتحوّله إلى نقطة ارتكاز لنقل العتاد وإعادة تمريره عبر الحدود نحو السودان.

كما تنسجم التحولات الأخيرة مع ما كشفه تقرير لمنصة "أفريكا إنتليجنس" (Africa Intelligence) حول وجود مفاوضات بين أبوظبي وحكومة أفريقيا الوسطى للحصول على حق استخدام المطار لأغراض لوجستية وعسكرية.

ومن الممكن القول إن هذه التحركات تهدف لإعادة هيكلة ممرات دعم قوات الدعم السريع عقب تزايد الضغوط الدولية على المسارات البديلة مثل مطار الكفرة في ليبيا، حيث حذرت تقارير دولية من أن المقترحات الرامية لتحديث المطار قد تدفع باتجاه تحويله إلى مركز إمداد عسكري إقليمي يخدم خطوط الإسناد نحو دارفور.

وتتسق هذه المؤشرات مع تقديرات "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية" (GI-TOC)، التي تعتبر مطار "بيراو" جزءًا من بنية لوجستية غير رسمية تديرها شبكات تهريب عابرة للحدود.

إعادة هندسة خطوط الإمداد

وتتقاطع هذه التوسعات الإنشائية مع ما كشفه تحقيق صحيفة "لوموند" الفرنسية حول إعادة هندسة خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر جسر جوي ينطلق من دولة الإمارات. حيث تنقل طائرات الشحن المعدات من الفجيرة الإماراتية إلى عاصمة أفريقيا الوسطى، بانغي، مع تعمد بعض الرحلات إطفاء أجهزة التتبع والاتصال أثناء التحليق لإخفاء مسارها.  

وتشير البيانات إلى تشغيل هذه الرحلات عبر شركتي الطيران والشحن الجوي "جوان" (Gewan Airways) و"إينفيكتا" (Invıcta Aır Cargo)؛ لتفريغ الشحنات في بانغي تمهيدًا لإعادة توجيهها نحو الحدود السودانية. وهو ما يتوافق مع ما رصدته "إيكاد"، في تحقيق سابق، حيث وثّقت بعض الرحلات التي أجرتها هذه الطائرات.

أعمال تطوير داخل مطار العاصمة

حدّد الفحص التقني مطار "بانغي مبوكو" الدولي -المطار الرئيسي في البلاد الواقع على بعد 7 كيلومترات من العاصمة- كمنطلق مركزي في شبكة الإمداد. ورصدت صور الأقمار الصناعية أعمال تطوير متسارعة داخل المطار مطلع عام 2026.  

مرفق 86 تحليل صور الأقمار الصناعية يرصد تطويرات متسارعة داخل مطار بانغي موبكو منذ مطلع العام وحتى منتصف أبريل/نيسان 2026.

ويضم المطار مدرجًا بطول 2600 متر يتيح استقبال طائرات الشحن الثقيلة من طراز "إيرباص A300" و"إليوشن Il-76". وتشير التقارير الميدانية إلى أن الشحنات العسكرية التي تهبط في بانغي يُعاد توجيهها فورًا عبر طائرات أصغر إلى مطار "بيراو"، لتستكمل رحلتها برًّا عبر معبر "أم دافوق" نحو جبهات القتال في دارفور.  

مرفق 87 خريطة تظهر موقعي مطاري "بيراو" و"بانغي مبوكو" داخل جمهورية أفريقيا الوسطى

الخلاصة

يرصد هذا التقرير التحولات الهندسية المتسارعة داخل مطاري "بيراو" و"بانغي مبوكو"، والتي قد لا تتسق مع فرضية كونها ممارسات تطوير محلية أو اعتيادية لبنية تحتية متهالكة، ما يفتح الباب أمام احتمالية إعادة هندسة لخطوط الإمداد العسكري الخاصة بقوات الدعم السريع، مستفيدة من الممرات البديلة والشبكات عابرة الحدود.

عناصر الدعم السريع على متن طائرة إثيوبية.. ما القصة؟

مقال

عناصر الدعم السريع على متن طائرة إثيوبية.. ما القصة؟

10/4/2026

رصد فريق "إيكاد" حسابًا على إكس" باسم "AbedaMoham6183" ينشر مقاطع مصورة من معارك قوات الدعم السريع، في مارس/ آذار 2026، داخل مدينة الكرمك الواقعة على تخوم الحدود السودانية الإثيوبية جنوب شرق ولاية النيل الأزرق.

ومن هناك توصلنا إلى الحساب الذي نشر هذه المقاطع ابتداء على منصة "تيك توك"، العائد لرجل يدعى "الحاج أحمد"، الذي يظهر في المقاطع المنشورة مرتديًا الزي العسكري لقوات الدعم السريع، إلى جانب عدد من المسلحين يتحركون بالقرب من الحدود الإثيوبية. وقد تتبع فريق "إيكاد" هذا الحساب على مدار أسابيع.

ومن خلال مراجعة الفيديوهات الموجودة على الحساب، رصدنا ظهور رموز وشارات إثيوبية في أكثر من مشهد، ففي أحد المقاطع المنشورة بتاريخ 16 مارس/ آذار 2026، ظهر شخص يرتدي قلادة تحمل العلم الإثيوبي. وفي مقطع آخر نُشر في 4 أبريل/ نيسان 2026، ظهر شخص يطوّق رأسه بالعلم الإثيوبي أثناء وجوده ضمن المجموعة نفسها. 

واكتسبت هذه الرموز أهمية بسبب تكرارها وتزامنها مع تحرك مجموعة الدعم السريع تدريجيًا نحو المناطق الحدودية، وسيطرته على مدينة الكرمك، وهو ما دفعنا إلى مواصلة تتبع مسار الحساب وتحركات العناصر التي ظهرت داخله.

وفي إحدى المقاطع المنشورة على الحساب، ظهر الحاج أحمد إلى جانب بعض العناصر التي رصدنا مشاركتها في معارك النيل الأزرق داخل طائرة. وبتحليل شكل المقاعد ومقصورة الطائرة بصريًا، لاحظنا المقاعد الخضراء، كما بدا شعار شركة الخطوط الجوية الإثيوبية واضحًا في الخلفية في أكثر من لقطة، وترجح لدينا أن الطائرة هي إحدى الطائرات من طراز "Boeing 737" التي تملك الخطوط الجوية الإثيوبية العديد منها. 

يعزز ما سبق احتمالية نقل الخطوط الجوية الإثيوبية لمسلحي الدعم السريع من وإلى إثيوبيا. ويتسق هذا الترجيح مع ما خلص إليه أحد الصحفيين -استنادًا إلى تتبع الرحلات الجوية والمصادر المفتوحة- من احتمال استخدام طائرتين من ذات الطراز في نقل عناصر الدعم السريع من وإلى مطار "أسوسا" الإثيوبي.

جدير بالذكر أن مدينة أسوسا تقع داخل إقليم "بني شنقول-قمز" الإثيوبي المحاذي للسودان، وهي ذات المنطقة التى رصد فيها فريقنا -في تحقيق سابق- عبر صور أقمار خاصة بنية تحتية قد تُستخدم لأغراض عسكرية،  وهو ما تعزز بتقارير لاحقة تحدثت صراحة عن إنشاء معسكر حدودي يستخدم لتدريب آلاف العناصر التابعين للدعم السريع.

سد النهضة يعكّر مياه النيل في مصر والسودان.. ما القصة؟ 

مقال

سد النهضة يعكّر مياه النيل في مصر والسودان.. ما القصة؟ 

10/3/2026

عند الحديث عن أسباب رفض مصر والسودان للتحركات الإثيوبية في سد النهضة، يكون التركيز -غالبًا- على خطرين رئيسيين؛ أولهما نقص حصتهما في المياه، واحتمالية حدوث فيضان مفاجئ يدمر جنوب السودان حال فتحت إثيوبيا بوابات السد دون سابق إنذار. لكن يبدو أن هناك خطرًا آخر يهدد الدولتين رغم عدم التركيز عليه من قبل كثيرين. 

يكمن هذا الخطر في تلوث مياه النيل بسبب ملء حوض السد دون إزالة الغطاء النباتي الموجود فيه، وهو ما يهدد بجعل الماء القادم إلى مصر والسودان غير صالح للزراعة أو الشرب. وللوقوف على حقيقة "جودة" مياه النيل، وضع فريق "إيكاد" هذا الملف على جدول أعمالهم.

وباستخدام خاصية تقنية تُستخدم لمعالجة وتحليل البيانات المتعلقة بجودة المياه، وتحديدًا تلك المستمدة من الأقمار الصناعية، كشف تحقيقنا عن وجود نسب مرتفعة من "العكارة" في مياه النيل في كل من مصر والسودان، مع ملاحظة أن هذا التلوث بدأ في الانتشار والزيادة عقب الملء الأول للسد عام 2020.

فكيف توصلنا إلى هذه النتيجة؟

كما هو معروف، تُظهر صور الأقمار الصناعية المسطحات المائية، لكن هذه الصور مجردة لا تعني الشيء الكثير فيما يتعلق بطبيعة هذه المياه وجودتها. يتغير الوضع إذا ما استخدمنا برنامج "Ulyssys Water Quality Viewer"، إذ إنه صُمم لقياس كثافة الكلوروفيل وتركيزات الرواسب المعلقة في الأسطح المائية، اللذين يعدان العاملين البصريين الرئيسيين لتقييم نوعية المياه وجودتها من منظور بيئي. حيث تُظهر خاصية "عارض جودة المياه - Water Qwality Viewer" كثافة الكلوروفيل باللونين الأخضر والأحمر، أما كثافة الرواسب والطمي فتعرضها باللون البني.

صورة

وبشكل مبسط، عند رؤية اللون الأخضر، ندرك أن هذا الماء يحوي نسبة كبيرة من الطحالب والعوالق نباتية، ما يعني معدلًا مرتفعًا للكلوروفيل، الذي يمكن أن يكون سامًا للإنسان إذا زاد عن نسب معينة. وعندما يظهر اللون البني، نفهم وجود كميات كبيرة من الرواسب والطمي والرمال. قد تبدو التفاصيل الفنية معقدة بعض الشيء، لكن الأمر قد يبسط بعض الشيء إذا انتقلنا إلى تفاصيل التحقيق ذاته.  فما الذي وجده فريق "إيكاد" خلال البحث؟

المحطة الأولى: عند حوض السد

تبدأ الرحلة بالتحقق من وضع المياه الموجودة حاليًا في حوض سد النهضة الإثيوبي. وحسب صور الأقمار الصناعية التي حللناها، منتصف يوليو/ تموز 2023، تبين وجود كثافة عالية في كمية كل من الكلوروفيل (اللون الأخضر) والرواسب (اللون البني) في حوض السد.

مرفق 95 صورة تظهر ارتفاع كثافة الكلوروفيل (اللون الأخضر) في مياه حوض سد النهضة الإثيوبي في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

وبملاحظة أن التركيز العالي للون الأخضر يظهر في حوض السد، في حين أنه لا يظهر في المياه القادمة من الجنوب إلى الحوض، تأكد لدى فريقنا أن مصدر النسبة العالية من الكلوروفيل يكمن أسفل الحوض نفسه. 

مرفق 96 صورة تظهر ارتفاع كثافة الرواسب (اللون البني) في مياه حوض سد النهضة الإثيوبي في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

وما لفت الانتباه كذلك أن لون المياه كان طبيعيًا قبل اكتمال بناء السد، خلال الفترة ما بين يوليو/ تموز 2017 حتى يوليو/ تموز 2019. لكن تغير الحال منذ الملء الأول للسد عام 2020، حيث بدأ ظهور النسب العالية من الكلوروفيل والرواسب في الأعوام التالية.

مرفق 97 صورة تظهر تركز اللون الأخضر داخل حوض السد دون المياه القادمة إليه من الجنوب، ما يؤكد أن مصدر الكلوروفيل المرتفع هو قاع الحوض نفسه، في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

الفرضية الرئيسية التي تفسر هذا التغير هي أن الحكومة الإثيوبية لم تُزل الغطاء النباتي على جانبي المجرى الطبيعي لنهر النيل، ما أدى لغمر الأشجار والنباتات وتحولها لطمي ورواسب شديدة الكثافة تركزت أسفل الحوض. 

فما دلائل ذلك؟

ومما يعزز هذه الفرضية أن صور الأقمار الصناعية قبل الملء، وتحديدًا في مايو/ آيار 2018،  تُظهر كثافة كبيرة للأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النيل الأزرق.

مرفق 98 صورة تظهر الكثافة النباتية العالية على ضفتي مجرى النيل الأزرق قبيل بدء ملء حوض سد النهضة في مايو/ آيار 2018 (Google Earth)

لكن بعد عام ونيف، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أي بعد اكتمال بناء أجزاء من قاعدة الممر الأوسط، الذي حجز المياه بشكل جزئي، غمرت المياه المحجوزة في حوض السد الأراضي المليئة بالأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النهر. وفي ذات السياق، أوضحت صور حديثة نسبيًا، التُقطت في مارس/ آذار 2022، بشكل دقيق كمية الأشجار الكبيرة التي تغمرها المياه في حوض السد. 

مرفق 99 صورة تظهر غمر المياه المحتجزة للأراضي المليئة بالأشجار والنباتات على ضفتي مجرى النهر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 (Google Earth)

كان هذا هو الوضع عند بداية رحلة مياه النيل في حوض سد النهضة، فهل انتقل التلوث إلى المحطتين التاليتين؛ السودان ومصر؟

مرفق 100 صورة تظهر كميات الأشجار الكبيرة المغمورة بالمياه في حوض سد النهضة في مارس/ آذار 2022 (Google Earth)

المحطة الثانية.. الانتقال إلى السودان

بعد السماح بمرور مياه النيل من السد، تجري في مسار طوله نحو 18 كيلومترًا، لتصل إلى أولى محطاتها في أقصى جنوب السودان، ثم تقطعه بشكل عمودي وصولًا إلى أقصى شماله عند الحدود مع مصر. ومن خلال فحص المسار الكلي لمياه النيل في السودان، يتضح أن اللون الأخضر ظاهر بكثافة على طول المجرى. ما يعني كثافة مرتفعة للكلوروفيل والرواسب في المياه التي يعتمد عليها المزارعون السودانيون. 

مرفق 101 صورة تظهر المسار الكامل لمياه النيل داخل السودان من أقصى جنوبه حتى الحدود المصرية (Google Earth)

لم تختلف الصورة كثيرًا عندما دقّق فريقنا النظر في المياه المخزنة عند السدود والخزانات السودانية المختلفة؛ ابتداء من خزان "الروصيص" أقصى جنوب السودان، مرورًا بالعاصمة السودانية "الخرطوم" ثم سد "مروي"، حتى الوصول إلى أقصى الشمال في "وادي حلفا"

مرفق 102 صورة تظهر ارتفاع كثافة الكلوروفيل على امتداد مجرى النيل في السودان في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

ففي منتصف يوليو/ تموز 2023، أظهرت الصور الملتقطة لأحواض السدود الثلاثة معدل "عكارة" مرتفع في الماء، وذلك بسبب ارتفاع كثافة الكلوروفيل والرواسب في مياه النيل.

مرفق 103 صورة تظهر ارتفاع معدل العكارة في مياه سد "مروي" شمال السودان في يوليو/ تموز 2023 (Sentinel Hub)

لكن اللافت أن هذه المؤشرات الدالة على تلوث المياه لم تكن موجودة طيلة الأعوام التي سبقت التعبئة الأولى لحوض سد النهضة في 2020، في حين ظهرت الزيادة في الأعوام التالية.

المحطة النهائية.. وصول الماء "المعكّر" إلى مصر

ومن "وادي حلفا" شمال السودان، يشق النهر طريقه ليبدأ رحلته في مصر من أقصى جنوبها عند بحيرة "ناصر" وبحيرات "توشكى" بمدينة أسوان، مرورًا بـ "أسيوط" وسط الأراضي المصرية، وصولًا إلى بحيرة "قارون" في الشمال.

وكما الوضع في حوض سد النهضة، ومجرى النيل داخل السودان، أظهرت صور الأقمار الصناعية نتيجة مماثلة في مصر، فمن شبه انعدام تام للون الأخضر خلال الأعوام التي سبقت الملء الأول في 2020، إلى زيادة مطردة فيه خلال عامي 2021 و2022، وصولًا إلى الذروة خلال العام الجاري.

تهديد إضافي

مما سبق، يتأكد أن الإجراءات الإثيوبية -المتمثلة في عدم إزالة الغطاء النباتي على ضفتي مجرى النيل- تسببت في تعكير وتلويث المياه المحتجزة عند حوض سد النهضة، والتي انتقلت بدورها إلى السودان ومصر، مصطحبة ما فيها من رواسب وعوالق. وهو ما يمثل تهديدًا إضافيًا على دولتي المصب، في ظل إصرار إثيوبي على التحرك الأحادي فيما يخص السد، منذ بداية إنشائه حتى الآن.