"GSK".. الواجهة التقنية التي تدير إعلام "الدعم السريع" وتموّل حربه
في السادس عشر من يوليو/ تموز 2023، بثّ جهاز المخابرات العامة السوداني مقطعًا مصوّرًا على "يوتيوب" و"فيسبوك" حمل عنوان "جهاز المخابرات العامة – قوات العمل الخاص – مداهمة الخلايا الإعلامية للمليشيا المتمردة". ظهر فيه رجل قدّمه الجيش السوداني كعضو في "خلية إعلامية" تابعة لقوات "الدعم السريع"، واعترف بأنه كان يعمل في غرفة التحكم بإدارة الإعلام الإلكتروني للمجموعة، وهي الإدارة التي تشغّل لجانًا رقمية فرعية في المحافظات، تتلقى أوامرها من مجموعة تسمّى "الخلية أ" لاتصالها المباشر بشركة اسمها "GSK".
وأضاف المحتجَزون أن "GSK" هي المسؤولة عن إدارة اللجان الإلكترونية المروّجة للدعم السريع، عبر إنشاء حسابات وهمية على "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام" و"تلغرام" و"واتساب" لتحسين صورة "الدعم السريع".
ومن هذا الاسم الذي أفصح عنه المحتجزون بدأ فريق "إيكاد" خيط التتبع، فتتبّع الشركة بأدوات المصادر المفتوحة للتحقق من هويتها ومالكيها وشبكة الشركات المرتبطة بها وأنشطتها داخل السودان وخارجه.
كانت "GSK" عقدةً تلتقي عندها خيوط التمويل والتقنية والدعاية التي تسند حرب "الدعم السريع". وخلف واجهتها التقنية المعلنة، قادت المصادر المفتوحة الفريق إلى شبكة شركات موزّعة بين دبي والرياض والخرطوم، وإلى رجل واحد يتكرر اسمه في بيانات تسجيلها.
قائمة العقوبات البريطانية تُدرج "GSK" بين ممولي الحرب
في الثاني عشر من يوليو/ تموز 2023، وقبل أيام من بثّ مقطع الاعترافات، أصدرت حكومة المملكة المتحدة قائمة عقوبات على شركات في السودان، علّلتها بضلوعها في "الصراع المدمّر في السودان عبر توفير التمويل والأسلحة للأطراف المتحاربة"، وقضت بتجميد أصول تلك الكيانات في بريطانيا.
ضمّت القائمة ثلاث شركات محسوبة على "الدعم السريع". أولاها مجموعة "الجنيد"، وهي تكتل تجاري كبير أسّسه قائد القوة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، وقدّم عشرات الملايين دعمًا ماليًا لاستمرار القتال. وثانيتها شركة "Tardive General Trading"، المرخّصة في الإمارات منذ الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، وتمدّ المجموعة بالمال والعتاد. ونشرت صفحة "البعشوم" السودانية على "فيسبوك" إشعارات دائن توثّق حوالات من "Tardive" إلى قوات "الدعم السريع".
أما الشركة الثالثة، فهي "GSK Advance Company Ltd" التي ذكرها المحتجزون ووصفتها القائمة البريطانية بأنها شركة حلول تقنية تابعة للقوة، وتعمل واجهةً لتوفير التمويل والمعدات التقنية والعتاد لمجموعات "حميدتي". من هنا اتجه الفريق إلى ملكية الشركة وطبيعة نشاطها.
من نطاق واحد إلى شبكة نطاقات
ويعد اشتراك النطاقات في خادم واحد دليلًا تقنيًّا على أنها تُدار من جهة واحدة، ما يعني ارتباطًا وثيقًا للشركات الثلاثة بشركة "GSK"، المرتبطة بالدعم السريع، وهو ما دفع الفريق إلى التقصي عن هذه الشركات والتحقق من خلفياتها.
بريد واحد يجمع النطاقات الثلاثة
عند فحص بيانات تسجيل نطاق الشركة الأولى (tradive.com)، وجد الفريق أنها مسجلة في دولة الإمارات، من قبل "GSK for Information Technology". وفي النطاقين الآخرين ظهر اسم شخص واحد كمسجل لهما، هو "عماد الشريف".
كما أظهرت بيانات تسجيل موقع "GSK" أن "عماد الشريف" حجزه تحت غطاء شركة أخرى مقرّها دبي، تُدعى "Hala Trading Company". ولم يعثر الفريق في سجل "دبي للأوراق المالية" ولا عبر المصادر المفتوحة على أي أثر لهذه الشركة، ما رجّح لديه أنها أُلغيت أو حُذفت من السجلات بعد استعمال اسمها في إنشاء الموقع.
إذن، كان "عماد الشريف" خلف تسجيل نطاقات ثلاث شركات من أصل أربع يشتركون في ذات النطاقات. وبالبحث المعمق، تبين أن البريد الإلكتروني الذي يستخدمه "الشريف" في حجز نطاقات المواقع هو "[email protected]".
وبالبحث خلف نطاق الشركة الثانية (moresecure-sd.com)، تبين أنه سُجل في السعودية على خادمي "GSK" نفسيهما قبل نحو خمس سنوات، وتحديدًا بتاريخ 23 يوليو/ تموز 2018. ورجّح الفريق أن اختيار السعودية مكانًا للتسجيل قصد التعتيم على الأثر الرقمي الذي قد يقود إلى مالكي الشركة.
وبذلك تتجمع عدد من الخيوط التي تثبت صلة هذه الشركات بقوات الدعم السريع؛ سواء من خلال النطاق الموحد مع شركة "GSK" المعروف ارتباطها بقوات حميدتي، أو عبر العلاقات التجارية مع شركات مملوكة لعائلة قائد المجموعة المتمردة. لكن السؤال الذي بقي يطرح نفسه: من ذاك الشخص الذي تُسَجّل باسمه نطاقات المواقع الإلكترونية الخاصة بتلك الشركات؟
عماد الشريف.. مستشار تقني أم واجهة؟
يقود اسم عماد الشريف إلى موقع شخصي باسمه (e-shareef.com)، عُرّف فيه بأنه مستشار في أمن المعلومات ومقيم بالمملكة العربية السعودية. وطابق الفريق البريد المعلن على موقعه مع البريد الذي حُجزت به نطاقات الشركات، فوجد اسم المستخدم "Noip515" نفسه في الاثنين، مع فارق أن أحدهما مسجل على "Yahoo" والآخر على "Hotmail".
وقادت البيانات المعلنة على موقعه إلى حسابه على "لينكد إن"، الذي كانت فيه معلوماته التعريفية الأولية حول هويته وعمله ومحل إقامته مطابقة لتلك التي وُجدت في موقعه الإلكتروني. لكن المعلومة الأكثر أهمية التي وجدها الفريق في ذلك الحساب هي أنه عمل مديرًا لفريق الأمن السيبراني في "GSK" بين يناير/ كانون الثاني 2019 وأغسطس/ آب 2020، وقبلها متخصصًا في اختبارات الاختراق بالشركة نفسها بين يناير/ كانون الثاني 2017 ويناير/ كانون الثاني 2019. وفي منتصف عام 2020، أعلن عماد الشريف على حسابه قرب إطلاق موقع شركة أمن سيبراني جديدة باسم "First Shield"، وأرفق رابطها.
"First Shield".. مقرٌّ يتنقّل بين ثلاث مدن
بفحص موقع "First Shield"، وجده الفريق معطّلًا منذ النصف الثاني من مايو/ أيار 2023، بالتزامن مع توجّه دولي لمعاقبة الشركات المتورطة في تغذية الحرب السودانية. وبالعودة إلى أرشيف الموقع، تتبّع الفريق تحوّل مقرّ الشركة عبر ثلاث نسخ مؤرشفة.
ففي النسخة المؤرشفة بأول نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، كان مقرّ الشركة في دبي، ويديرها تنفيذيًا "عيسى الموسى"، أحد أفراد عائلة "حميدتي"، بينما يتولّى "عماد الشريف" قسم الأمن السيبراني.
ثم في نسخة الرابع عشر من مايو/ أيار 2023، انتقل المقرّ من الشارقة إلى الرياض. لكن مع كل هذه التغيرات، ظلّ حساب الشركة الرسمي على "لينكد إن" يُدرج دبي مقرًّا لها، وهو تعارض يوثّق تنقّل العنوان بين ثلاث مدن قبل تعطيل الموقع.
أرشيف "GSK" يكشف أدوارًا تتجاوز الدعاية
كان اعتراف المحتجزين في المقطع المذكور صدر التحقيق قاصرًا على الدور الدعائي لشركة "GSK"، غير أن أرشيف موقعها كشف أدوارًا أوسع. ففي نسخة مؤرشفة بتاريخ 14 أغسطس/ آب 2018، أدرجت الشركة قائمة عملائها الذين قدّمت لهم خدمات تقنية، وفيها خمس شركات تابعة لمجموعة "الجنيد" الخاضعة للعقوبات البريطانية، كما أن قوات "الدعم السريع" نفسها مصنّفة كـ "عميل دائم".
كما أدرج الموقع شهادات "شكر وتقدير" من تلك الكيانات لـ "GSK" عن خدمات في المراقبة وإدارة الشبكات والدعم السيبراني. وحملت الشهادات تاريخًا واحدًا أو بفارق يوم أو اثنين، وهو تقارب رجّح لدى الفريق أنها تتبع جهة واحدة تنسّق تبادل الخدمات بينها.
يجمع هذا الخيط طرفَيه عند "GSK". شركةٌ قدّمت نفسها واجهةً للحلول التقنية، لتقف عند ملتقى التمويل والتقنية والدعاية في حرب "الدعم السريع"، تدير لجانه الإلكترونية وفق اعتراف المحتجزين، وتتقاطع نطاقاتها مع شركات تموّله وتخدمه أمنيًا، وتربطها ملكيتها وعملاؤها بعائلة "حميدتي". ومن اسمٍ واحد نطق به محتجز أمام كاميرا المخابرات، إلى شبكة شركات موزّعة بين ثلاث دول، يبقى خيط GSK ممسوكًا من أوله إلى آخره.
وتندرج هذه النتائج ضمن مشهد أوسع سبق اندلاع الحرب السودانية واستمر في التطور بعدها. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2021، أعلنت شركة "Meta" إزالة 666 حسابًا و116 صفحة و69 مجموعة على "فيسبوك"، إلى جانب 92 حسابًا على "إنستغرام"، بعدما ربطت الشبكة بقوات "الدعم السريع" ووجدت أنها تستهدف الجمهور السوداني وتستخدم واجهات إخبارية محلية. وبعد خمسة أشهر من اندلاع القتال، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية شركة "GSK" وشركة "Aviatrade" الروسية على قائمة العقوبات، وقالت إنهما تعاونتا منذ أواخر عام 2020 في ترتيب قطع ومستلزمات وتدريب لطائرات مسيّرة سبق أن اشترتها "الدعم السريع"، ثم في مشتريات إضافية شملت معدات مراقبة وقطع غيار خلال عام 2023.
واتسع نطاق الإجراءات الدولية في يناير/كانون الثاني 2024، حين أدرج الاتحاد الأوروبي "GSK" ضمن أول ستة كيانات خاضعة لنظام عقوباته الخاص بالسودان، وفرض عليها تجميد الأصول وحظر إتاحة الأموال والموارد الاقتصادية لها. وفي امتداد أحدث للمشهد المعلوماتي، خلصت مؤسسة "Thomson Foundation" في تقييم نشرته مطلع عام 2026 إلى أن التلاعب بالمعلومات في السودان أصبح عنصرًا متكررًا في الحرب، مع استخدام شبكات منسقة وأساليب تختلف باختلاف المنصات، ووصول بعض الحملات إلى محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تضخيمها عبر جهات خارجية ومنظومات إعلامية إقليمية.