خمس تجارب يمكنك إجراؤها بنفسك لدحض فكرة الأرض المسطحة

مقال

خمس تجارب يمكنك إجراؤها بنفسك لدحض فكرة الأرض المسطحة

1/8/2026

لا تحتاج في كل مرة إلى معادلات معقدة أو صور أقمار صناعية أو دروس متقدمة في الفيزياء كي تعرف أن الأرض كروية. صحيح أن العلم الحديث يملك من الأدلة ما يكفي لإغلاق هذا النقاش منذ زمن بعيد، لكن المشكلة أن دعاة الأرض المسطحة لا يناقشون غالبًا نموذجًا علميًا متماسكًا، بل ينتقلون بين دعاوى متفرقة، فتجد لقطة مجتزأة، أو سؤالًا مخادعًا، أو صورة بلا سياق، أو حكاية تبدو غريبة لمن لا يعرف خلفيتها.

لذلك دعنا نجرّب طريقًا أبسط؛ خمسة اختبارات يمكن لأي شخص أن يلاحظها أو يجريها بنفسه، بلا مختبرات ولا أجهزة معقدة. اخترنا خمسة فقط حتى لا نطيل، فالقائمة أكبر بكثير، لكن هذه الأمثلة تكفي لتوضيح الفكرة الأهم: الأرض المسطحة ليست نموذجًا بديلًا يفسر العالم، بل ادعاء ينهار كلما حاولنا تطبيقه على الواقع.

بالطبع، هناك أدلة كلاسيكية تعلمنا بعضها في سنيّ دراستنا الأولى؛ مثل أن أعالي السفن تظهر في الأفق قبل أجسامها، أو أن ظل الأرض على القمر أثناء الخسوف دائري، أو أن الكواكب التي تراها بالتلسكوب، كالمشتري وزحل، أجسام كروية تدور حولها أقمار وحلقات. لكن دعنا نذهب إلى أمثلة أكثر حيوية، يمكن اختبارها من شرفة المنزل أو عبر مكالمة مع صديق في بلد بعيد.

مرفق 01

القمر المقلوب: تجربة من هاتفك

تخيّل أنك سافرت في رحلة عمل إلى سيدني في أستراليا. في الليلة الأولى، وبعد يوم طويل من الطيران، تخرج إلى شرفة الفندق وتنظر إلى القمر. فجأة تلاحظ شيئًا غريبًا، فالوجه القمري المألوف، ذلك الشكل الذي اعتدنا رؤيته في السماء، يبدو كأنه مقلوب. هل حدث ذلك لأنك مرهق من السفر؟ لا. ما تراه ليس خداعًا بصريًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لوقوفك على جهة مختلفة من كرة ضخمة اسمها الأرض.

مرفق 02

لفهم الفكرة، تخيّل صديقين؛ أحدهما يقف قرب القطب الشمالي، والآخر قرب القطب الجنوبي. كل واحد منهما سيشعر أن السماء فوقه والأرض تحته، لكن بالنسبة إلى الآخر سيكون مقلوبًا تقريبًا. نحن لا نشعر بذلك في حياتنا اليومية لأن الأرض هائلة الحجم، وانحناؤها لا يظهر لنا مباشرة ونحن نمشي فوق سطحها. النتيجة أن القمر نفسه سيظهر بمنظور مختلف بحسب مكانك على الكرة الأرضية. التضاريس القمرية التي تراها في أعلى القرص قد يراها شخص في نصف الكرة الجنوبي في أسفله، لا لأن القمر تغيّر، بل لأن موضعك أنت تغيّر.

والأمر لا يتوقف عند شكل القمر الكامل، بل يشمل أطواره أيضًا. في الوطن العربي، كما في معظم نصف الكرة الشمالي، يبدأ الهلال غالبًا مضاءً من الجهة اليمنى، فيبدو قريبًا من شكل حرف C معكوس، ثم يكبر حتى التربيع الأول، ثم البدر، ثم يتناقص من الجهة الأخرى. أما في أستراليا أو جنوب أفريقيا، فالاتجاه يبدو معكوسًا: الهلال الذي نراه نحن كأنه مفتوح إلى اليسار قد يبدو لهم مفتوحًا إلى اليمين.

يمكنك اختبار ذلك بسهولة. ابحث عن شخص يعيش في أستراليا أو جنوب أفريقيا أو تشيلي، واطلب منه أن يلتقط صورة للقمر في الليلة نفسها التي تلتقط فيها أنت صورة له من بلد عربي. قارن الصورتين. ستجد أن القمر يبدو مقلوبًا تقريبًا بين الشمال والجنوب.

مرفق 03

هنا قد يقول أحد أنصار الأرض المسطحة: ربما يكون القمر مجرد مصباح أو قرص مضيء فوق الأرض، ويمكن أن يبدو مختلفًا بحسب زاوية النظر. لكن هذا الرد يصطدم بخريطتهم نفسها؛ إذ تضع خرائط الأرض المسطحة أستراليا وجنوب أفريقيا وجنوب أمريكا الجنوبية في أطراف متباعدة من القرص. فإذا كانت هذه المناطق متفرقة على حافة عالم مسطح، فلماذا يرى سكانها القمر بمنظور جنوبي متقارب ومقلوب مقارنة بسكان الشمال؟ هذا لن يحدث إلا من كرة أرضية، لا قرص مسطح.

مرفق 04

لماذا لا يرى الجميع نفس النجوم في السماء؟

ليس القمر وحده من يفضح الفكرة. النجوم تفعل ذلك أيضًا. فلو كانت الأرض مسطحة وتعلوها قبة واحدة، فمن المنطقي أن يرى البشر جميعًا السماء نفسها تقريبًا، مع اختلافات طفيفة في التوقيت أو زاوية النظر. لكن هذا لا يحدث؛ فالسماء التي تراها من مصر أو المغرب أو العراق ليست هي نفسها السماء التي يراها شخص في جنوب أفريقيا أو أستراليا.

في نصف الكرة الشمالي، نعرف النجم القطبي مثلًا، وهو نجم مهم لأنه يشير تقريبًا إلى اتجاه الشمال. فكلما تحركت شمالًا ارتفع النجم القطبي في السماء، وكلما تحركت جنوبًا انخفض، حتى يختفي تمامًا بعد عبور خط الاستواء. وفي المقابل، تظهر في الجنوب نجوم ومجموعات نجمية لا نراها من معظم مناطق العالم العربي، مثل كوكبة الصليب الجنوبي.

مرفق 05 يظهر نجم القطب الشمالي (Polaris) بالقرب من النقطة في السماء التي يشير إليها محور دوران الأرض (ناسا)
مرفق 06 كوكبة "الصليب الجنوبي" (Southern Cross)؛ وهي كوكبة نجمية يراها سكان النصف الجنوبي للأرض الكروية فقط، وتُلتقط صورها عبر الأشعة تحت الحمراء غير المرئية (Constellation Guide)

يمكنك تجربة ذلك بلا أي تلسكوب. افتح تطبيقًا فلكيًا على هاتفك، أو تحدث مع صديق يعيش في أستراليا. قل له إن هناك نجمًا لامعًا فوقك الآن، ثم اطلب منه أن يبحث عنه في سمائه. في معظم الحالات لن يجده، لأنه ببساطة يرى نصفًا آخر من السماء.

الأمر ليس عشوائيًا. كلما تحركت من الشمال إلى الجنوب، تغيرت السماء التي تراها. أما الانتقال من الشرق إلى الغرب، مثل الانتقال من مصر إلى ليبيا أو الجزائر، فلا تتغير السماء جذريًا بالطريقة نفسها، بل يتغير توقيت ظهورها بسبب دوران الأرض حول نفسها.

مرة أخرى، تعجز الأرض المسطحة عن تقديم تفسير متماسك لهذه الظاهرة. ففي خرائطهم، تقع أستراليا وجنوب أفريقيا وجنوب أمريكا الجنوبية على أطراف متباعدة من القرص. ومع ذلك، يرى سكان هذه المناطق سماء جنوبية متشابهة بدرجة كبيرة، ويدور المشهد النجمي حول نقطة جنوبية لا يمكن تفسيرها بقبة واحدة فوق قرص مسطح. أما على الأرض الكروية، فالأمر بسيط، هؤلاء جميعًا يقفون في النصف الجنوبي من الكرة، وينظرون إلى اتجاهات سماوية لا يستطيع سكان الشمال رؤيتها.

لماذا تختلف سماء الصيف عن سماء الشتاء؟

اخرج الليلة بعد الغروب، واختر شكلًا واضحًا من ثلاثة أو أربعة نجوم لامعة. احفظ مكانه جيدًا. بعد أربع ساعات، عد وانظر إلى السماء. ستلاحظ أن الشكل نفسه تحرك ناحية الغرب، أو ربما اقترب من الأفق واختفى. يحدث ذلك بسبب دوران الأرض حول نفسها، ونحن نحسب هذا الدوران على أنه حركة النجوم عبر السماء. لكن هناك ظاهرة أوسع من ذلك، فالسماء نفسها تتغير من فصل إلى آخر.

النجوم التي تراها في مساء الصيف ليست هي النجوم التي تراها في مساء الشتاء. ففي الشتاء، تظهر مجموعات مثل الجبار والثور بوضوح في سماء الوطن العربي، بينما تسيطر في الصيف مجموعات أخرى كالعقرب والقوس والنسر الواقع. هذا ليس لأن النجوم نفسها تتحرك بسرعة حولنا، بل لأن الأرض تدور حول الشمس، ونحن ننظر كل فصل إلى اتجاه مختلف من الفضاء أثناء الليل.

مرفق 07 كوكبة "الجبار"؛ تسيطر نجومها (مثل إبط الجوزاء البرتقالي ورجل الجبار الأزرق وحزام المنتصف) على سماء العالم العربي في الشتاء (ناسا)

تخيل أنك تركب سيارة تدور حول ميدان ضخم في وسطه مصباح. إذا نظرت من النافذة المقابلة للمصباح، فسترى مباني مختلفة كلما دارت السيارة. الشمس هنا هي المصباح، والأرض هي السيارة، والسماء الليلية هي الجهة المعاكسة للشمس. عندما تكون مجموعة نجمية خلف الشمس بالنسبة إلينا، لا نستطيع رؤيتها ليلًا. وبعد أشهر، حين تصبح الأرض في موضع آخر من مدارها، تظهر تلك المجموعة في سماء الليل.

مرفق 08

وبالعودة إلى مثال السيارة، إذا نظرت من فتحتها العلوية وأنت تدور حول الميدان، ستجد مصباحًا لا يتغير موقعه مهما اختلف مكانك في المدار. فبعض النجوم لا تغيب تقريبًا في بعض المناطق؛ مثل النجوم القريبة من النجم القطبي في نصف الكرة الشمالي. هذه تسمى النجوم دائمة الظهور أو النجوم حول القطبية. فإذا نظرت شمالًا من مصر مثلًا، ستجد أن بعض النجوم تدور حول النجم القطبي ولا تختفي طوال العام، بينما تتغير مجموعات أخرى بحسب الفصول.

مرفق 09

كيف يمكن تفسير ذلك في نموذج يقول إن الشمس مصباح صغير يدور فوق أرض مسطحة؟ لماذا تتغير نجوم الليل من فصل إلى فصل؟ ولماذا تبقى نجوم معينة حول الشمال طوال العام؟ ولماذا يختلف ذلك جذريًا بين الشمال والجنوب؟ الأرض الكروية التي تدور حول نفسها وحول الشمس تفسر كل ذلك ببساطة. أما الأرض المسطحة فتحتاج في كل مرة إلى حيلة جديدة.

رحلات الطيران تكشف الخريطة المزيفة

لنتوقف قليلًا عند الخرائط. كثير من دعاة الأرض المسطحة يستخدمون خرائط يتخيلون فيها القطب الشمالي في المركز، وتتوزع القارات حوله، بينما تمتد المناطق الجنوبية على أطراف بعيدة جدًا عن القرص. في هذه الخريطة، تبدو أستراليا وجنوب أفريقيا وجنوب أمريكا الجنوبية متباعدة بصورة هائلة. 
لكن شركات الطيران لا تعمل وفق الخيال، بل وفق المسافات والوقود والوقت. وهنا تظهر المشكلة بوضوح. قارن مثلًا بين مسارين طويلين حول العالم:

الأول: شنغهاي، ثم لوس أنجلوس، ثم نيويورك، ثم دبي، ثم العودة إلى شنغهاي (النصف الشمالي من الكرة الأرضية).

الثاني: سيدني، ثم سانتياغو في تشيلي، ثم ساو باولو في البرازيل، ثم جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، ثم العودة إلى سيدني (النصف الجنوبي من الكرة الأرضية).

على خريطة الأرض المسطحة، ينبغي أن يكون المسار الثاني كابوسًا هائلًا؛ لأن مدنه تقع على أطراف متباعدة جدًا من القرص، وهو ما يعني أن الرحلة ستستغرق وقتًا طويلًا للغاية. لكن في الواقع، عندما نحسب المسافات الجوية أو أزمنة الرحلات، نجد أن المسارين متقاربان على نحو لا يسمح به نموذج الأرض المسطحة. السبب بسيط: هذه المدن الجنوبية ليست موزعة على حافة قرص خيالي، بل تقع حول نصف الأرض الجنوبي على سطح كروي.

مرفق 10

هذا لا يعني أن كل رحلة تسير في خط مستقيم على الخريطة الورقية؛ فالطائرات تتبع ما يسمى بالمسارات العظمى على سطح الكرة، وهي أقصر الطرق بين نقطتين على جسم كروي. لذلك تبدو بعض المسارات منحنية على خرائط مسطحة، لكنها في الحقيقة أقصر طريق على الكرة.

أي شخص يستطيع اختبار ذلك باستخدام مواقع حساب المسافات بين المدن أو برامج تتبع الرحلات. ضع مدنًا جنوبية بعيدة كما تظهر في خرائط الأرض المسطحة، ثم قارن الزمن الفعلي للرحلات. ستكتشف أن شركات الطيران تُكذّب خرائط المسطحين كل يوم، في كل رحلة عابرة للمحيطات.

هل يتآمر ملايين البشر على الكوكب؟

لنترك السماء والطيران، ونسأل عن فكرة المؤامرة نفسها. يقول بعض أنصار الأرض المسطحة إن هناك جهة ما تخدع البشر منذ قرون، وتدعي أن الأرض كروية لإبعاد الناس عن الدين أو للسيطرة على عقولهم. لكن هذا الادعاء يفتح سؤالًا أكبر: من هم المشاركون في هذه المؤامرة؟ وكم عددهم؟ وكيف بقيت سرية طوال هذا الزمن؟

الأمر لا يتعلق بوكالة ناسا وحدها. هناك وكالات فضاء في أوروبا وروسيا والصين والهند واليابان، وهناك برامج فضاء في دول كثيرة، وهناك شركات خاصة تطلق أقمارًا صناعية وصواريخ ومركبات، وهناك جامعات ومراصد ومهندسون وفنيون وملاحون وعسكريون ومختصون في الاتصالات والأرصاد الجوية والملاحة البحرية والجوية.

ثم هناك الأقمار الصناعية نفسها: أقمار للاتصالات، وللبث التلفزيوني، وللإنترنت، ولرصد الطقس، وللزراعة، وللملاحة، وللاستخدامات العسكرية. العالم العربي نفسه يستخدم أقمارًا صناعية في الاتصالات والبث، ودول عربية شاركت في برامج فضائية وأرسلت روادًا ومهمات إلى الفضاء.

إذا كانت الأرض مسطحة، فهذا يعني أن ملايين البشر في عشرات الدول، من ثقافات مختلفة، ومصالح سياسية متعارضة، متفقون جميعًا على الكذبة نفسها. الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وأوروبا واليابان، رغم التنافس والصراعات والحروب الباردة والساخنة، يتعاونون جميعًا في إخفاء "الحقيقة" ذاتها، ولا يخرج أحد من داخل هذه المنظومة الهائلة بوثيقة حاسمة أو اعتراف واضح أو دليل نهائي.

والسؤال الأهم: لماذا؟ ما المكسب العملي من إنفاق تريليونات الدولارات عبر عقود طويلة لإقناع البشر بأن الأرض كروية؟ وإذا كان الهدف هو إبعاد الناس عن الدين، فلماذا بقي الإيمان بالله حاضرًا بقوة في معظم مجتمعات العالم، وبنسب عالية جدًا في العالمين العربي والإسلامي؟

نظرية المؤامرة هنا لا تفسر شيئًا، بل تضيف عبئًا جديدًا على أصحابها. فبدل أن يشرحوا شكل الأرض وحركة الشمس والقمر والنجوم والطيران والملاحة، يتحتم عليهم أن يفسروا كيف اجتمع ملايين البشر، في دول متنافسة ومؤسسات مختلفة، على كذبة واحدة دون أن تنهار.

الإشكال في غياب النموذج

قد يستطيع أنصار الأرض المسطحة أن يثيروا سؤالًا هنا أو شبهة هناك. لكن العلم لا يقوم على الأسئلة المتناثرة فقط، بل على نموذج يفسر الظواهر كلها معًا. الأرض الكروية تفسر لماذا ينقلب القمر بين الشمال والجنوب، ولماذا تختلف النجوم بحسب خط العرض، ولماذا تتغير السماء بين الفصول، ولماذا تسلك الطائرات مسارات معينة، ولماذا تعمل الأقمار الصناعية والملاحة والاتصالات كما تعمل.

أما الأرض المسطحة فلا تقدم نموذجًا قادرًا على تفسير هذه الظواهر في وقت واحد. كلما ظهرت مشكلة، ظهرت تأويل تبريري جديد: القمر مصباح، النجوم قبة، الطيران مزيف، الصور مفبركة، الوكالات متآمرة، العلماء خاضعون، والخرائط الحقيقية مخفية. وهنا يتحول الأمر من نقاش علمي إلى تفكير سحري؛ عالم كامل يتآمر، وكل دليل ضده يصبح جزءًا من المؤامرة، وكل سؤال بلا إجابة يتحول إلى "سر" تعرفه قلة مختارة.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. ارفع رأسك إلى السماء، اتصل بصديق في نصف الكرة الجنوبي، راقب القمر، تابع النجوم، قارن رحلات الطيران، وستجد أن الأرض لا تحتاج إلى الدفاع عن كرويتها. إنها تفعل ذلك بنفسها، كل ليلة.

رحلة إلى آخر الخريطة.. كيف تكشف "أنتاركتيكا" كروية الأرض؟

مقال

رحلة إلى آخر الخريطة.. كيف تكشف "أنتاركتيكا" كروية الأرض؟

31/7/2026

تبدأ الحكاية من ادعاء شهير عند أنصار الأرض المسطحة يقول إن "أنتاركتيكا" ليست قارة في جنوب الكرة الأرضية، بل جدار جليدي هائل يحيط بحواف العالم، يمنع المحيطات من الانسكاب. ووفق هذا التصور، لا توجد قارة جنوبية يمكن الدوران حولها أو الوصول إليها بحرية نسبية، ولا يفترض أن ترى هناك ظاهرة مثل شمس منتصف الليل؛ أي أن تبقى الشمس فوق الأفق 24 ساعة متواصلة في الصيف الجنوبي.

لكن الرحلة إلى "أنتاركتيكا" تقلب هذا الادعاء رأسًا على عقب. فالسفر إلى القارة القطبية الجنوبية ليس مستحيلًا ولا ممنوعا كما يروج البعض. نعم، هو سفر مكلف وصعب ومنظم بيئيًا بسبب هشاشة المكان وحساسيته، لكنه يحدث كل عام. تنطلق معظم الرحلات السياحية البحرية إلى شبه الجزيرة القطبية من أوشوايا في أقصى جنوب الأرجنتين، أو من موانئ جنوبية أخرى، وتعبر ممر "دريك" العاصف إلى عالم مختلف. وهناك أيضًا رحلات جوية إلى مناطق داخلية مثل مخيم "يونيون غلاسيير" في غرب أنتاركتيكا، حيث يمكن للمسافر أن يرى بعينيه ما لا يستطيع نموذج الأرض المسطحة تفسيره بسهولة.

في مصر أو السعودية أو أوروبا، تعوّدنا أن الشمس تشرق من جهة وتغرب في جهة أخرى، ثم يحل الليل. أما في الدائرة القطبية الجنوبية، يعمل الصيف بطريقة مختلفة. فبسبب ميل محور الأرض ودورانها حول الشمس، تصبح المناطق الجنوبية القطبية مائلة نحو الشمس في ذلك الوقت من العام. النتيجة أن الشمس لا تهبط تحت الأفق، بل تدور حول السماء في مسار منخفض كأنها تطوف بالمكان، فتراها عند منتصف الليل كما تراها في النهار، مع اختلاف في الارتفاع واللون فقط، أي أن الشمس هناك تظهر على مدار 24 ساعة في فصل الصيف.

مرفق 11

هذه ليست تفصيلة شاعرية، بل ضربة مباشرة في قلب نموذج الأرض المسطحة. لأن الشمس، في أغلب تصورات هذا النموذج، جسم صغير يدور فوق قرص الأرض. وإذا كانت أنتاركتيكا جدارًا دائريًا بعيدًا عند الحافة، فيجب أن تبتعد الشمس عنها وتغيب عنها يوميًا كما تغيب عن بقية الأطراف. أما أن تبقى مرئية فوق الأفق طوال اليوم، وأن تدور حول الراصد 360 درجة، فهذا بالضبط ما تتوقعه الأرض الكروية المائلة على محورها.

مرفق 12

وهذا ما جعل تجربة حديثة تُعرف باسم "التجربة النهائية" لافتة للانتباه، ففي ديسمبر/ كانون الأول 2024، سافر عدد من مؤيدي الأرض المسطحة ومعهم مؤيدون للنموذج الكروي إلى "أنتاركتيكا" لمشاهدة شمس الأربع وعشرين ساعة. كان الاختبار واضحًا، إن لم تظهر الشمس طوال اليوم، فسيكون ذلك إحراجًا كبيرًا للنموذج الكروي؛ وإن ظهرت، فسيكون ذلك دليلًا مباشرًا ضد أحد أعمدة أطروحة الأرض المسطحة. 

وقد ظهرت الشمس بالفعل، لكن ما حدث بعد إعلان النتائج كان كاشفًا بقدر التجربة نفسها. فبعض المشاركين من أنصار الأرض المسطحة قبلوا، على الأقل، الجزء الذي رأوه بأعينهم: شمس الأربع وعشرين ساعة في أنتاركتيكا حقيقية. قال أحدهم، جيران كامبانيلا، ما معناه إن الإنسان قد يكون مخطئًا أحيانا، وإنه كان يعتقد أن شمس الأربع وعشرين ساعة غير موجودة، ثم رآها بنفسه. كان هذا اعترافًا مهمًا، لا لأنه حسم كل شيء عنده دفعة واحدة، بل لأنه أظهر أن التجربة المباشرة يمكن أن تفتح ثقبًا في جدار الاعتقاد المغلق.

مرفق 13

غير أن رد الفعل الأوسع داخل مجتمع الأرض المسطحة لم يكن قبولًا جماعيًا بالنتيجة. على العكس، ظهرت بسرعة محاولات لإنقاذ الفكرة الأصلية، قيل إن التصوير ربما تم في استوديو، أو داخل قبة، أو أمام شاشة خضراء، أو إن المشاركين خُدعوا، أو إنهم صاروا جزءا من المؤامرة. وهكذا، بدل أن تكون الرحلة اختبارًا فاصلًا وتجربة حاسمة، تحولت عند كثيرين إلى دليل جديد على اتساع المؤامرة نفسها. 

وهنا تحديدًا تعطينا "أنتاركتيكا" نبذة أعمق عن موضوع الأرض المسطحة. فالمسألة ليست مجرد خطأ علمي، مثل طالب لم يفهم درسًا في الجغرافيا أو الفيزياء. لو كانت كذلك، لكفى أن نعرض الدليل، ثم ينتهي النقاش. لكنها في صورتها الحديثة نظرية مؤامرة كاملة؛ أي إنها لا تكتفي بالقول إن الأرض مسطحة، بل تضيف إلى ذلك أن الحكومات ووكالات الفضاء والجامعات وشركات الطيران والبحارة والطيارين والمعلمين والعلماء، وربما ملايين البشر عبر قرون، يشتركون بطريقة ما في إخفاء الحقيقة.

هذا هو الفارق بين الجهل العلمي ونظرية المؤامرة؛ الجهل العلمي فراغ يمكن ملؤه بالمعلومة، أما نظرية المؤامرة فهي بناء مغلق يحول كل معلومة معارضة إلى جزء من المؤامرة. إذا عرضت صورة للأرض، قيل إنها مفبركة. إذا تحدث طيار، قيل إنه متواطئ. إذا سافر شخص إلى أنتاركتيكا، قيل إن الرحلة مزيفة. وإذا اعترف مؤمن سابق بالأرض المسطحة بأنه رأى ما يخالف اعتقاده، قيل إنه خائن أو مأجور. 

ولذلك فالأرض المسطحة ليست "نظرية علمية بديلة"، لأنها لا تقدم نموذجًا قادرًا على التنبؤ والاختبار والتصحيح. لكنها أقرب إلى سردية هوية وشك عام في المؤسسات، تمنح صاحبها شعورًا بأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وأنه نجا من الخداع الجماعي، وأنه يمتلك مفتاحًا سريًا لفهم العالم. 

هل تُفبرك "ناسا" صور الفضاء؟

مقال

هل تُفبرك "ناسا" صور الفضاء؟

22/7/2026

كلما نشرت وكالة فضاء صورة جديدة لسديم متوهج، أو مجرة بعيدة، أو كوكب الأرض معلقًا في ظلمة الفضاء، يعود السؤال نفسه للظهور: هل هذه صور حقيقية أم فوتوشوب؟ وقد زادت حدة هذا الجدل مع الصور الأولى لتلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، حين رأى كثيرون ألوانًا مدهشة وتفاصيل غير مألوف. 

مرفق 14 صورة من تلسكوب "جيمس ويب" لضوء الأشعة تحت الحمراء المنبعث من النجوم الأولية الساطعة في النظام النجمي الفتي "FS Tau" ، وتشير الألوان المختلفة للمجرات الخلفية إلى كمية الغبار الموجودة أمامها، حيث يمتص الغبار الضوء ويشتته (NASA)

تساءل كثيرون: هل خضعت هذه الصور للمعالجة؟ وكانت إجابة المجتمع العلمي: نعم، عولجت هذه الصور قبل نشرها. ومن هنا بدأ الخلط البسيط والخطير في الوقت ذاته؛ ظنوا أن الاعتراف العلمي بمعالجة الصور يعني بالضرورة أنها مزيفة، رغم أن الأمرين مختلفين تمامًا.

مرفق 15

الفارق بين الأمرين يشبه الفارق بين ترجمة نص بلغة لا تعرفها، وبين اختلاف نص من العدم. التلسكوبات لا تعمل مثل عين الإنسان، ولا تلتقط الكون بالطريقة نفسها التي تلتقط بها كاميرا الهاتف صورة عائلية. إنها تجمع بيانات علمية عبر مرشحات وأطوال موجية متعددة، بعضها لا يستطيع الإنسان رؤيته أصلا، ثم يحولها العلماء إلى صورة مفهومة للعين البشرية.

وقبل أن نتحدث عن الصور نفسها، يجب الانتباه إلى نقطة كثيرًا ما تغيب عن خطاب المؤامرة، وهي أن الفضاء لم يعد حكرًا على "ناسا".

01 / 03
فتلسكوب "جيمس ويب" نفسه مشروع دولي تتشارك فيه وكالة "ناسا" مع وكالتي الفضاء الأوروبية والكندية.
وتلسكوب "هابل" مشروع مشترك بين "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية.
كما أن بيانات التلسكوبات الكبرى تُستخدم يوميًا في جامعات ومراكز بحثية حول العالم.

لذلك، فإن اتهام "ناسا" وحدها بتزييف صور الكون يتجاهل شبكة واسعة من المؤسسات والعلماء والمهندسين والمراصد والأرشيفات المفتوحة التي تتعامل مع البيانات نفسها.

لفهم المسألة من جذورها، لنبدأ بسؤال بسيط: ما الذي تراه عيناك الآن؟

إذا نظرت إلى مصباح أصفر في سقف الغرفة، فإن اللون الذي تدركه ليس سوى جزء ضئيل من عالم أوسع بكثير يسمى الطيف الكهرومغناطيسي. عين الإنسان لا ترى إلا نطاقًا محدودًا جدًا من هذا الطيف، هو الضوء المرئي. أما الأشعة تحت الحمراء، وفوق البنفسجية، والأشعة السينية، وموجات الراديو، وأشعة غاما، فهي كلها "ضوء" بمعنى فيزيائي واسع، لكنها تقع خارج قدرة العين البشرية المباشرة.

تحتوي شبكية الإنسان على خلايا مخروطية تساعدنا على إدراك اللون، وخلايا عصوية تساعدنا على الرؤية في الإضاءة الضعيفة. المخاريط تمنحنا رؤية الألوان، لكنها تحتاج إلى كمية كافية من الضوء. أما العصيات فهي شديدة الحساسية للضوء الخافت، لكنها لا تمنحنا ألوانًا غنية. لهذا السبب تبدو معظم الأجرام الخافتة في التلسكوبات الصغيرة بيضاء أو رمادية للعين، حتى لو كانت صورها الفلكية المنشورة مليئة بالأزرق والأحمر والذهبي. المشكلة ليست أن الصور مخترعة، بل أن العين البشرية أضعف من أن تجمع ما يكفي من الضوء واللون في لحظة واحدة.

مرفق 16

هنا تدخل التلسكوبات والكاميرات العلمية. فبدلًا من الاعتماد على لحظة بصرية قصيرة، يمكن للكاميرا الفلكية أن تجمع الضوء دقائق أو ساعات، بل أحيانًا على عدة ليال. وكلما طال زمن التعريض، زادت كمية الضوء المجموعة، وظهرت تفاصيل لا تستطيع العين رؤيتها مباشرة. 

مرفق 17

هذا هو المبدأ نفسه الذي يستخدمه هواة التصوير الفلكي حول العالم حين يوجهون كاميراتهم إلى سديم "الجبار" أو مجرة "أندروميدا"، ثم يجمعون لقطات طويلة ليكشفوا ألوانًا وبنى لا تظهر عند النظر المباشر من خلال العدسة.

مرفق 18 صورة ملتقطة عبر تلسكوب "هابل" لسديم "الجبار"، يقع على بُعد 1300 سنة ضوئية، وهو أقرب منطقة لتكوّن النجوم إلى الأرض (NASA)

أما تلسكوب "جيمس ويب" فيضيف طبقة أخرى من التعقيد والجمال. فهو مصمم أساسًا لرصد الكون في نطاق الأشعة تحت الحمراء، أي في ضوء لا تراه أعيننا. وهذا ليس اختيارًا جماليًا، بل ضرورة علمية. الأشعة تحت الحمراء تساعد العلماء على اختراق الغبار الكوني الذي يحجب الضوء المرئي، ورؤية مناطق تولد النجوم داخل السدم، ورصد المجرات البعيدة التي تمدد ضوؤها مع توسع الكون حتى انتقل جزء كبير منه إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء.

مرفق 19

لذلك عندما ترى صورة من "جيمس ويب" بألوان زاهية، فالألوان ليست الألوان التي ستراها بعينك لو كنت هناك، لكنها أيضًا ليست ألوانًا عشوائية. ما يفعله العلماء هو إسناد ألوان مرئية لأطوال موجية غير مرئية. عادة ما تُعطى الأطوال الموجية الأقصر ألوانًا أقرب إلى الأزرق، والأطوال الموجية الأطول ألوانًا أقرب إلى الأحمر.

وبهذه الطريقة تتحول البيانات تحت الحمراء إلى صورة يستطيع الإنسان قراءتها، مع الحفاظ على علاقة منظمة بين اللون والمعلومة العلمية. ومن أشهر الأمثلة على ذلك صورة منطقة "المنحدرات الكونية" في سديم القاعدة، وهي من أوائل صور "جيمس ويب" التي انتشرت عالميًا. 

مرفق 20 صورة التقطها تيليسكوب "جيمس ويب" لمنطقة "المنحدرات الكونية" في سديم القاعدة (NASA)

لا تكمن قيمة الصورة في جمالها وحده، بل في أنها تكشف منطقة عنيفة من تشكل النجوم، حيث تنحت الأشعة والرياح النجمية الغاز والغبار، وتظهر نجوم كانت محجوبة جزئيًا في صور الضوء المرئي.

اختلاف الصورة بين مرشح وآخر، أو بين أداة وأخرى مثل "نيركام" و"ميري"، لا يعني أن هناك نسخًا متناقضة من الواقع، بل يعني أن كل أداة ترى طبقة مختلفة من المشهد الكوني. كما أن الطبيب قد يستخدم الأشعة السينية لرؤية العظام، والرنين المغناطيسي لرؤية الأنسجة، فإن الفلكي يستخدم أطوالًا موجية مختلفة لرؤية طبقات مختلفة من الكون.

مرفق 21

ومن هنا تأتي العبارة التي يساء فهمها كثيرًا، وهي "الصورة معالجة". في العلم، معالجة الصورة لا تعني فبركتها. المعالجة قد تشمل إزالة التشويش الناتج عن المستشعر، وتصحيح العيوب البصرية، ودمج عدة تعريضات، وموازنة السطوع، وتوسيع التباين حتى تظهر البنى الخافتة بجوار البنى الساطعة، ثم تلوين البيانات وفق قواعد محددة. من دون هذه الخطوات ستظهر كثير من الصور العلمية كملفات رمادية باهتة أو غير مفهومة لغير المختصين، رغم أنها تحتوي على بيانات هائلة.

الأمر أشبه بسماع لحن موسيقي مسجل بترددات لا تستطيع أذنك التقاطها، ثم تحويله إلى نطاق مسموع. هل صار اللحن مزيفًا؟ لا. لقد أصبح قابلًا للإدراك البشري. هكذا تعمل صور الفضاء في كثير من الأحيان: إنها ترجمة بصرية لواقع لا تراه العين مباشرة.

ولا يقتصر الأمر على الصور الملونة. فالعلماء لا يعتمدون على جمال الصورة لإثبات وجود مجرة أو حساب بعدها. في حالة المجرات البعيدة، لا تكفي درجة "الاحمرار" في الصورة العامة وحدها للحكم على المسافة. القياسات الدقيقة تأتي من تحليل الضوء نفسه، إما بالمطياف الذي يوزع الضوء إلى مكوناته، أو بمقارنة ظهور الجرم واختفائه عبر مرشحات مختلفة. عندما يتمدد الكون، يتمدد معه الضوء القادم من المجرات البعيدة، فتتحرك علاماته الطيفية نحو أطوال موجية أطول؛ وهذا ما يسمى الانزياح الأحمر. من هنا يستطيع العلماء تقدير المسافات والزمن الكوني، لا من انطباع بصري سريع على شاشة الهاتف.

لهذا السبب تبدو الصور الفلكية مزيجًا نادرًا من الفن والعلم. هي جميلة، نعم، لكنها ليست مجرد ملصقات دعائية. اللون فيها قد يشير إلى طول موجي، أو عنصر كيميائي، أو درجة حرارة، أو غبار ساخن، أو مناطق تشكل نجوم. في بعض صور السدم، قد يرمز الأحمر إلى الهيدروجين، والأزرق أو الأخضر إلى عناصر أو حالات تأين أخرى، وفي صور أخرى قد يرمز اللون ببساطة إلى مرشح معين. المهم أن لكل صورة مفتاحًا علميًا يشرح كيف صُنعت، وما الذي يمثله اللون فيها.

ويبقى السؤال: ماذا لو اشترى شخص تلسكوبًا ووجّهه إلى السماء؟ هل سيرى ما تراه صور "هابل" و"جيمس ويب"؟

الإجابة: سيرى الأجرام نفسها، لكن ليس بالطريقة نفسها. يمكن للتلسكوب المنزلي أن يكشف القمر والكواكب وبعض السدم والتجمعات النجمية والمجرات القريبة، لكن العين ستراها غالبًا باهتة وقليلة اللون. أما الكاميرا الفلكية، إذا أضيفت إلى التلسكوب وجمعت الضوء لفترات طويلة، فستبدأ في إظهار ألوان وتفاصيل أقرب إلى الصور المنشورة، خاصة في نطاق الضوء المرئي. لذلك، فإن التصوير الفلكي للهواة يمثل شاهدًا مهمًا: ملايين الأشخاص خارج "ناسا" يستطيعون تصوير القمر والكواكب والسدم والمجرات، وتأتي نتائجهم متوافقة في البنية والموقع مع صور المراصد الكبرى، وإن كانت أقل دقة وعمقًا.

كيف تٌرى الأرض من السماء؟
للأرض قصة مشابهة. فليست كل
صور الأرض الملتقطة من الفضاء
نوعًا واحدًا.
صورة ليلية للأرض التقطها أحد أفراد طاقم مهمة "أرتميس 2"
فهناك صور فوتوغرافية مباشرة
يلتقطها رواد الفضاء من
محطة الفضاء الدولية
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
 وهناك صور يومية من كاميرات
فضائية تُعرض بألوان حقيقية
طبيعية
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
وأخرى بـ "ألوان كاذبة" لأهداف
علمية؛ مثل رصد متوسط
تركيز أول أكسيد الكربون
في الهواء
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو رصد متوسط إجمالي بخار الماء
القابل للتكثيف في الهواء
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو رصد مستوى هطول الأمطار
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو تتبع خريطة تخزين المياه

تسمية "ألوان كاذبة" هنا لا تعني أن الصورة كاذبة، بل تعني أن اللون لا يطابق ما تراه العين البشرية، وإنما يمثل معلومة غير مرئية. في صور الأرض مثلًا، قد تُعرض الأشعة تحت الحمراء القريبة بلون أحمر لإظهار صحة النباتات، أو تعرض نطاقات أخرى لكشف آثار حرائق أو فيضانات أو عواصف ترابية. هذه ليست خدعة بصرية، بل أداة علمية في الأرصاد الجوية والزراعة والمناخ وإدارة الكوارث.

ومع ذلك، توجد أيضًا صور طبيعية اللون للأرض، وصور التقطها رواد الفضاء مباشرة من المدار، وصور يومية تُظهر كوكبنا من مسافات بعيدة. بعضها قد يكون مركبًا من عدة لقطات أو عدة أيام للحصول على خريطة عالمية خالية من السحب، وهذا يُشرح عادة في وصف الصورة. المركّب العلمي ليس تزويرًا، كما أن الخريطة ليست كذبة لأنها تجمع معلومات من أكثر من قياس.

إذن، هل تعدّل وكالات الفضاء الصور؟ نعم. هل يعني هذا أنها تفبرك الكون أو تخدع الجمهور؟ لا. التعديل هنا جزء من تحويل البيانات الخام إلى صورة مفهومة، تمامًا كما يحول جهاز الأشعة السينية بيانات غير مرئية إلى صورة يستطيع الطبيب قراءتها. ما نراه في صور الفضاء هو أجرام حقيقية: سدم، نجوم، مجرات، غبار، غاز، كواكب، وأرض كروية تدور في الفضاء. قد لا تكون الألوان دائمًا كما تراها العين البشرية، لكنها ليست أكذوبة؛ إنها طريقة علمية لجعل غير المرئي مرئيًا.

في النهاية، ربما لا تكمن أزمة صور "ناسا" في الصور نفسها، بل في توقعاتنا نحن عن معنى "الصورة الحقيقية". ففي عصر الهاتف المحمول، نظن أن الحقيقة يجب أن تأتي كما تلتقطها الكاميرا في لحظة واحدة. لكن الكون أوسع من عين الإنسان، وأعمق من حساس الهاتف، وأكثر ثراءً من الضوء المرئي. لذلك احتاج العلم إلى التلسكوبات، والمرشحات، والمطياف، والمعالجة الرقمية. لا لكي يخترع لنا كونًا جديدًا، بل لكي يكشف لنا الكون الموجود فعلًا، لكنه كان أكبر من قدرتنا على الرؤية.

لماذا ذهب الأمريكيون إلى القمر؟ ولماذا توقفوا؟ ولماذا يعودون الآن؟

مقال

لماذا ذهب الأمريكيون إلى القمر؟ ولماذا توقفوا؟ ولماذا يعودون الآن؟

18/7/2026

حين نرى نيل أرمسترونغ يهبط من سلم المركبة القمرية في يوليو/ تموز 1969، يسهل أن نتعامل مع المشهد كأنه لحظة علمية بحتة، لكن الحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا. نعم، كان الهبوط على القمر إنجازًا علميًا وهندسيًا، لكنه لم يبدأ بالأساس بوصفه مشروعًا علميًا محايدًا، بل بدأ، واستمر في جوهره، كقرار سياسي في قلب الحرب الباردة. 

ذهب الأمريكيون إلى القمر لأنه كان أبعد منصة يمكن أن ترفع عليها راية التفوق. لم يكن السؤال في واشنطن مطلع الستينيات عن أكثر الأسئلة العلمية إلحاحًا عن القمر، بل ببساطة كان: كيف نتفوق على الاتحاد السوفيتي؟

بدأت القصة قبل "أبولو" بسنوات، حين أطلق الاتحاد السوفيتي "سبوتنيك" عام 1957؛ أول قمر صناعي يدور حول الأرض. لم يكن "سبوتنيك" مجرد كرة معدنية تصدر إشارات من المدار، بل كان صفعة استراتيجية؛ فقدرة السوفييت على وضع قمر صناعي في المدار، تعني امتلاكهم صواريخ قوية بما يكفي لحمل أشياء أخرى -ربما تكون رؤوسًا نووية- عبر القارات. ثم جاءت ضربة أخرى عام 1961، حين أصبح يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض. وفي تلك اللحظة، بدا أن الاتحاد السوفيتي يسبق الولايات المتحدة في أكثر ساحات القرن العشرين رمزية. 

كان الأمريكيون قد أرسلوا "آلان شيبرد" في رحلة قصيرة شبه مدارية، لكن الفارق الرمزي كان كبيرًا، فغاغارين دار حول الكوكب، أما شيبرد فصعد وهبط سريعًا. وفي أبريل/ نيسان من العام نفسه، فشلت عملية خليج الخنازير في كوبا، لتزيد الضغط على إدارة جون كينيدي الجديدة. ولذا، احتاج الرئيس الأمريكي إلى هدف كبير، واضح، قابل للقياس، ومفهوم للجمهور العالمي.

صورة

وفي تلك الأجواء، أعلن كينيدي أمام الكونغرس، في مايو/ أيار 1961، هدفًا بدا جنونيًا آنذاك؛ وهو أن تلتزم الولايات المتحدة، قبل نهاية العقد، بإنزال إنسان على القمر وإعادته سالمًا إلى الأرض. كان القمر مثاليًا لهذا الغرض. فهو بعيد بما يكفي ليكون إنجازًا غير مسبوق، وقريب بما يكفي ليكون ممكنًا خلال عقد، وصعب بما يكفي ليجبر الدولة على تعبئة صناعية وعلمية هائلة. والأهم أنه كان هدفًا يمكن أن يفهمه أي إنسان في العالم. لم تكن هناك حاجة إلى شرح طويل؛ أول دولة تُنزل إنسانًا على القمر ستحظى بصورة القرن.

مرفق 24 جون كينيدي أمام الكونغرس الأمريكي، في 25 مايو/ أيار 1961 (u003ca href=u0022https://www.nasa.gov/wp-content/uploads/2017/04/9260665_1.jpgu0022u003eNASAu003c/au003e) u003cbru003e

وبتكلفة تخطت 200 مليار دولار بمعايير اليوم، بدأت دراسة القمر والإعداد للهبوط عليه. نتحدث هنا عن عشرات الرحلات التجريبية والفاشلة، وبعض الوفيات، وهندسة معقدة تطورت مع الوقت. كان الدافع الأساس أن يكون الهبوط على سطح القمر بمثابة جندي إضافي في الحرب بين القوى الكبرى، لكن قيمته تساوي جيشًا بأكمله؛ فالهزيمة النفسية -في بعض الأحيان- أقوى من الهزيمة العسكرية.

السؤال الشائع: إذا كانوا قد ذهبوا فعلًا إلى القمر، فلماذا لم يعودوا إليه مرة أخرى؟ في الحقيقة، عادوا أكثر من مرة. لم تكن "أبولو 11" هي الهبوط الوحيد.

بعد أرمسترونغ وألدرن، جاءت "أبولو 12" في سبتمبر/ أيلول 1969.

إذن، هبط البشر على القمر ست مرات بين 1969 و1972. لكن السؤال الأدق هو: لماذا توقفوا بعد "أبولو 17"؟ والإجابة المختصرة هي كل ما سبق، لأن الدافع السياسي الأصلي انتهى، والكلفة لا تزال هائلة، والمخاطر بقيت مرتفعة، والأهم هو أن الأولويات الأمريكية تغيرت. كان هدف كينيدي واضحًا، وهو الوصول إلى القمر قبل نهاية الستينيات، وقد تحقق الهدف، ومن ثم فقد المشروع جزءًا كبيرًا من مبرره السياسي، فالفوز بالسباق لا يحتاج إلى الفوز به كل عام. 

وقد يكون من المهم الإشارة هنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن مشروع "أبولو" لم يكن يحظى بشعبية واسعة بالقدر الذي نتخيله اليوم. حيث كان يفضل الكثير من الأمريكيين أن يوجَّه المالُ المنفق عليه نحو محاربة الفقر وتطوير المدن والتعليم والصحة. وبنهاية الستينيات، كانت البلاد تعيش اضطرابات داخلية حادة، من حركة الحقوق المدنية، إلى الاغتيالات السياسية، والاحتجاجات الطلابية، والأزمة الفيتنامية، والتضخم في الإنفاق الحكومي.

إذن.. لماذا يعودون الآن؟

العودة الحالية إلى القمر، عبر برنامج "أرتيمس"، ليست تكرارًا رومانسيًا لـ "أبولو". إنها عودة في عالم مختلف تمامًا. في الستينيات كان الهدف هو الهبوط فقط، أما اليوم فالهدف المعلن أوسع؛ وهو بناء بنية تحتية تمكّن البشر من إقامة وجود مستدام على سطح القمر، ووضع الأساس للشركات الخاصة لبناء اقتصاد على القمر، وتمهيد الطريق لهبوط البشر على المريخ.

مرفق 25 صورة التقطها طاقم مهمة u0022أرتميس 2u0022 خلال تحلقيهم حول القمر للأرض في طور الهلال، في 6 أبريل/ نيسان 2026 (u003ca href=u0022https://images-assets.nasa.gov/image/art002e009285/art002e009285~large.jpg?w=1920u0026amp;h=1280u0026amp;fit=clipu0026amp;crop=faces%2Cfocalpointu0022u003eNASAu003c/au003e)u003cbru003e

لا شك من وجود أسباب سياسية لهذا التوجه الأمريكي الجديد، وهي أسباب رئيسية إلى حد كبير، تتعلق بالصعود المتسارع للقوة العلمية الصينية، وبالأخص مشروعها الفضائي، مع وجود نوايا صينية لبناء قواعد على سطح القمر. وهو ما يعني أن الصين تكتسب قوة ناعمة كبيرة، توحي من خلالها للعالم بأن الصين أصبحت قوة "سياسية" تضاهي الولايات المتحدة الأمريكية، بل تفوقها كذلك.

مرفق 26 الشكل النهائي لمحطة الفضاء الصينية u0022تيانغونغu0022 (u003ca href=u0022https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/2/25/Chinese_Tiangong_Space_Station.jpgu0022u003eWikimedia Commonsu003c/au003e)u003cbru003e

لكن هناك سبب آخر قد لا يقل أهمية عن سابقه، وهو الاقتصاد. إذ يعتقد فريق من العلماء أن الفضاء عمومًا، والقمر خصوصًا، زاخر بالموارد؛ من المعادن الأرضية النادرة إلى غيرها من "الكنوز" بالمعنى الاقتصادي، وهناك بالفعل سباق محموم بين عدد من الدول للوصول أولًا إلى تقنيات تمكنهم من استخراج هذه الموارد؛ من الكويكبات أو الكواكب أو القمر.

مرفق 27 صورة مقربة لمركبة u0022أوريونu0022 الفضائية التابعة لناسا ضمن مهمة u0022أرتميس 2u0022، يوم 20 مارس/ آذار 2026 (u003ca href=u0022https://images-assets.nasa.gov/image/KSC-20260320-PH-JBS01_0083/KSC-20260320-PH-JBS01_0083~large.jpg?w=1536u0026amp;h=1024u0026amp;fit=cropu0026amp;crop=faces%2Cfocalpointu0022u003eNASAu003c/au003e)u003cbru003e

حين نتحدث عن القمر، قد نتخيله مكانًا بعيدًا عن السياسة الأرضية، لكنه ليس كذلك. فكلما زادت قدرة البشر على الوصول إلى مكان ما، دخل هذا المكان إلى حيز الجغرافيا السياسية. كانت البحار كذلك، ولا تزال عليها خلافات حتى الآن بين الدول عمومًا، والقوى العظمى خصوصًا. ومثلها الجو، ثم المدار الأرضي، والآن يدخل الفضاء القمري حيز الصراع؛ الطرف الذي يملك القدرة على العمل فوق القمر، سيحظى بالنفوذ في الاتصالات والملاحة والاستشعار، فضلًا عن الموارد.

ولهذا أنشأت الولايات المتحدة، مع شركاء دوليين، اتفاقات "أرتيمس"؛ وهي مجموعة مبادئ للتعاون في استكشاف القمر والفضاء، تشمل الشفافية، وتبادل البيانات، والتشغيل البيني، والمساعدة الطارئة، وتجنب التضارب في الأنشطة. وفي المقابل، تدفع الصين وروسيا بمشروع محطة الأبحاث القمرية الدولية. 

مرفق 28

نحن إذن أمام خريطتين ناشئتين للفضاء؛ إحداها تقودها واشنطن، وأخرى تقودها بكين وموسكو. القمر هنا ليس مجرد جرم سماوي، بل مساحة لترتيب التحالفات وبسط الهيمنة الأرضية.

هل زيّف الأمريكيون قصة هبوطهم على سطح القمر؟

مقال

هل زيّف الأمريكيون قصة هبوطهم على سطح القمر؟

15/7/2026

في يوليو/ تموز 1969؛ ترجّل رائد الفضاء الأمريكي، نيل أرمسترونغ، كأول بشري يطأ سطح القمر، وتبعه رفيقه، باز ألدرن، في لحظة تاريخية، بينما ظل مايكل كولينز داخل مركبة القيادة يدور حول عالم رمادي صامت، يحاصره فراغ بلا هواء، ولا ماء، ولا حياة.

مرفق 29 قائد مهمة "أبولو"، نيل أرمسترونغ"، يعمل في منطقة تخزين المعدات على متن المركبة القمرية، في 11 يوليو/ تموز 1969 (ناسا)

كانت تلك اللحظة ذروة مشروع هندسي وعلمي وسياسي ضخم، تبلور في برنامج "أبولو" الفضائي. وبعد عقود من الحدث، لم تختفِ الأسئلة حوله، بل أنتجت بعض الأوساط سردية مشككة تزعم عدم هبوط البشر على سطح القمر من الأساس، وأن كل ما رأيناه كان خدعة سينمائية ضخمة.

مرفق 30 رائد الفضاء الأمريكي باز ألدرن على سطح القمر خلال مهمة "أبولو"، في 11 يوليو/ تموز 1969 (ناسا)

يكمن الإشكال في أن أغلب هذه الادعاءات تبدو علمية للوهلة الأولى؛ إذ يتساءل أحدهم: لماذا يرفرف العلم؟ لماذا لا تظهر النجوم في السماء؟ لماذا لا توجد حفرة تحت المركبة نتيجة الهبوط؟ كيف عبر رواد الفضاء أحزمة "فان آلن" الإشعاعية؟

لكن التدقيق يكشف أن هذه الأسئلة غالبًا لا تبدأ من فرضية قابلة للاختبار؛ بل من قناعات مسبقة تبحث عن ثغرات في الصور. وما إن تُجاب ثغرة حتى تظهر أخرى، ثم أخرى، حتى يصبح النقاش أقرب إلى مطاردة ظلال لا إلى بحث علمي.

الدليل في الصخور

أقوى نقطة في قصة "أبولو" ليست الصورة ولا الفيديو، بل الحجر. إذ يمكن التلاعب بمقاطع الفيديو، وتأويل الصور، والتشكيك في الشهادة البشرية، لكن الصخور شيء آخر. فقد أعادت بعثات "أبولو" الست 2196 عينة من صخور القمر، بلغ وزنها الإجمالي نحو 382 كيلوغرامًا من الصخور والتربة واللباب الصخري والحصى والغبار القمري. ولم تبقَ هذه العينات حبيسة سردية أمريكية؛ حيث خضعت للتحليل في مختبرات عالمية مختلفة على مدار العقود الماضية، وأصبحت أساسًا لعلم القمر الحديث.

مرفق 31 عينة من الصخور التي جلبتها مهمة "أبولو" من سطح القمر (ناسا)

ما الذي يجعل صخور "أبولو" دليلًا فريدًا؟ أولًا، لأنها ليست صخورًا غريبة فحسب، بل تحمل تاريخًا جيولوجيًا لا يشبه تاريخ الصخور الأرضية المعتادة؛ إذ تحوي بعض العينات القادمة من القمر آثار تعرض ممتد للرياح الشمسية، وهي تيار من الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس. وبينما يمحو الغلاف الجوي الأرضي والمجال المغناطيسي والماء والنشاط الجيولوجي هذه البصمة الشمسية من الأرض، يعمل سطح القمر -العاري من الغلاف الجوي الكثيف والطقس والأنهار وتكتونية الصفائح كالتي نعرفها على الأرض- كأرشيف مفتوح للمقذوفات الميكروية والجسيمات الشمسية. 

ثانيًا، تكشف عينات التربة القمرية عن عالم تعرّض بلا انقطاع لقصف النيازك الدقيقة؛ إذ تحوي تراكيب زجاجية وصخور "بريشية" التحامية نشأت عن اصطدامات نيزكية صغيرة متكررة صهرت التربة وجمّدتها سريعًا، حابسة داخلها شظايا معدنية وزجاجية. ويوثق هذا السجل المجهري بيئة لا هوائية عارية من الحماية الجوية، وهو تفصيل هندسي يصعب اختراعه ميكانيكيًا داخل أروقة الاستوديوهات السينمائية.

ثالثًا، لم تكن عينات "أبولو" معزولة عن الفحص عبر مصادر مقارنة؛ إذ أعاد الاتحاد السوفيتي لاحقًا عينات قمرية بواسطة بعثات "لونا" الروبوتية، وعُثر كذلك على نيازك قمرية على الأرض. وعند مقارنة هذه المواد بالمجموعات التي جلبتها "أبولو"، تحصل على شبكة مستقلة من الأدلة الأدلة؛ فالصخور من مواقع مختلفة، ببرامج فضائية مختلفة، وبسجلات كيميائية ومعدنية متسقة مع بعضها بعضًا. لو كانت "أبولو" خدعة، لكان على الخدعة ألا تنتج فقط صورًا مقنعة، بل أيضًا جيولوجيا قمرية كاملة، قابلة للمقارنة مع العينات السوفيتية والنيازك القمرية والتحاليل الحديثة.

وهنا يأتي جانب مهم كثيرًا ما يُهمل، وهو أن الولايات المتحدة لم تحتفظ بكل الرموز القمرية داخل حدودها؛ إذ قُدمت عينات قمرية تذكارية من "أبولو 11" و"أبولو 17" إلى نحو 135 دولة ومتحفًا حول العالم. وقد أكدت دراسة حديثة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز إيرث آند انفيرونمنت" أن إحدى العينات المقدمة إلى هولندا فُحصت وأُثبتت أصالتها.

لا يعني ذلك أن كل عينة تذكارية كانت متاحة للتحليل الحر، لكنها تعني أن مادة القمر خرجت من إطار "ناسا" الضيق إلى فضاء دبلوماسي ومتحفي وبحثي واسع. وهو ما يضع مروجي سردية الخدعة أمام مأزق ضخم؛ إذ كيف تُزوّر الوكالة الأمريكية صخورًا قمرية بخصائص مجهرية وكيميائية وإشعاعية معقدة، ثم ترسل شظايا منها إلى عشرات الدول والمتاحف والمختبرات، وتبقى الخدعة صامدة لعقود تخوض فيها الولايات المتحدة حربًا باردة مع خصم يريد إلحاق الضرر والفضيحة بها بأي شكل؟ 

استدلالات المشككين

أشهر مشهد يستدل به المشككون هو العلم الأمريكي. يقول أحدهم: إذا لم يكن على القمر هواء، فلماذا بدا العلم كأنه يرفرف؟ الجواب بسيط: العلم لم يكن يرفرف بفعل الرياح، لأنها غير موجودة هناك. كان مثبتًا على عمود رأسي وذراع أفقية ليظهر مفرودًا في الفراغ. وعندما غرسه رواد الفضاء وحرّكوه، اهتز القماش بفعل القوة المطبقة عليه، ثم استمر الاهتزاز لفترة وجيزة؛ نظرًا لأن غياب الهواء يلغي المقاومة الهوائية التي تكبح الحركة سريعًا. إذن، ما رأيناه لم يكن "نسيمًا قمريًا"، بل قصورًا ذاتيا لقماش حُرّك في بيئة شبه خالية من الهواء.

مرفق 32

الاعتراض الثاني يأتي من النجوم، سيقول أحدهم: لماذا لا تظهر النجوم في صور "أبولو"؟ وهنا يخلط السؤال بين ما تراه العين وما تلتقطه الكاميرا. فسطح القمر يسجل نهارًا شديد السطوع تحت ضوء الشمس المباشر، ما يعكس إضاء حادة على بدلات الرواد والمركبة. ولذلك ضبطت الكاميرات على زمن تعريض قصير يناسب الأجسام المضيئة في المقدمة، وهو ما يؤدي إلى حجب النجوم الباهتة تمامًا مقارنة بالعناصر المُضاءة، تمامًا كما يحدث في الصورة العادية على الأرض. فعندما تلتقط صورًا لصديقك ليلًا تحت إضاءة قوية؛ قد تظهر حينها الخلفية سوداء، لا لأن النجوم اختفت، بل لأن إعدادات التعريض لا تسمح بتسجيلها.

مرفق 33

ويأتي الاعتراض الثالث من قول أحدهم إن الظلال غير متوازية في خلفية المركبة، وهو ما يعني وجود عدة عناصر ضوء في الاستوديو. لكن الظلال غير المتوازية ظاهريًا تظهر حتى على الأرض في الصور العادية بسبب المنظور واختلاف تضاريس السطح. فإذا كان السطح مائلًا أو وعرًا، وإذا التقطت الصورة بعدسة وبزاوية معينة، ستبدو الظلال وكأنها تتقارب أو تتباعد، رغم أن مصدر الضوء واحد. في صور "أبولو"، كان مصدر الضوء الأساسي هو الشمس، أما السطح فليس أرضية استوديو ملساء، بل حقل من الغبار والحصى والانحدارات الصغيرة.

مرفق 34

أما الاعتراض الرابع، فيتساءل صاحبه عن سبب وجود آثار أقدام واضحة رغم أن التربة لم تكن مبللة. والحقيقة أن هذا السؤال ينقل خبرتنا الأرضية إلى القمر بطريقة خاطئة. على الأرض، كثير من الرمال الجافة لا تحفظ الأثر جيدًا لأن الحبيبات مستديرة نسبيًا وتتدحرج بسهولة، ولأن الهواء والرطوبة والرياح تغير السطح. أما الغبار القمري فحبيباته حادة وزجاجية ودقيقة، تكونت عبر قصف ميكروي طويل بلا تعرية مائية. هذه الحبيبات تتشابك ميكانيكيًا، فتحتفظ بأثر القدم حتى من دون ماء. لذلك لا تحتاج آثار أقدام رواد "أبولو" إلى رطوبة؛ تحتاج فقط إلى تربة دقيقة زاويّة في جاذبية منخفضة وبيئة بلا رياح.

مرفق 35

الأدلة لا تأتي من الصور وحدها

حتى لو تجاهلنا صور "أبولو"، فهناك أدلة مستقلة أخرى؛ حيث ترك رواد "أبولو" عواكس ليزرية على سطح القمر، ومنذ ذلك الحين، تستخدم تجارب قياس المسافة بين الأرض والقمر هذه العواكس. المبدأ بسيط: يرسل المرصد نبضة ليزر نحو العاكس، ترتد النبضة، ويقاس زمن الذهاب والعودة، ومنه تُحسب المسافة بين الأرض والقمر بدقة عالية. يذكر مختبر الدفع النفاث التابع لناسا أن عاكسات أبولو بدأت تجربة "Lunar Laser Ranging" التي لا تزال تعطي نتائج علمية حتى اليوم. هذه ليست صورة قابلة للتأويل، أو مقطع فيديو يمكن فبركته، بل جهاز موضوع على سطح القمر يعطي استجابة فيزيائية قابلة للقياس.

مرفق 36

لماذا لا تكفي الأدلة عند المؤمنين بالمؤامرة؟

يمكن أن نستغرق يومًا كاملًا في تكرار الأدلة على عملية الهبوط على سطح القمر، على رأسها أن أعداء أمريكا لم يشككوا في ذلك بسبب قوة الدليل، لكنك لن تجد في النهاية سوى الكثير من الجدل، والسبب في ذلك أن إنكار الهبوط على القمر ليس ادعاء علميًا بالمعنى الدقيق. فالادعاء العلمي يجب أن يكون قابلًا للاختبار والتكذيب؛ إذا ظهرت نتيجة معينة، أقبل أن فرضيتي خطأ، أما نظرية المؤامرة فتعمل غالبًا بطريقة معاكسة، فكل دليل ضدها يتحول إلى دليل عليها. 

إذا عرضت صورًا، قيل إنها مزورة. إذا عرضت صخورًا، قيل إنها مصنوعة أو مسروقة أو من نيازك. إذا ذكرت تتبع المراصد، قيل إن المراصد متواطئة. إذا سألت لماذا لم يفضح السوفييت الخدعة؟ قيل إنهم كانوا جزءًا من الصفقة. هذه السمات تُسمى أحيانًا "الانغلاق الذاتي"؛ أي أن الفكرة تغلق على نفسها، بحيث تعيد تدوير وتفسير كل دليل يُفترض أن يهدمها، ليصبح دليلًا إضافيًا تتغذى عليه.

كما تشير دراسات نفسية كثيرة إلى أن نظريات المؤامرة لا تنتشر فقط بسبب الجهل بالمعلومات، بل لأنها تلبي دوافع معرفية ووجودية واجتماعية، فهي تمنح صاحبها إحساسًا بأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وتقدم تفسيرًا بسيطًا لعالم معقد، وتحوّل العجز أمام المؤسسات الكبرى إلى شعور باليقين والسيطرة. 

ولذلك قد لا يكفي أن تقول لشخص إن هذه هي البيانات؛ فالبيانات تدخل إلى عقل مشحون أصلًا بعدم الثقة، فيعيد صياغتها داخل السردية نفسها. وفي حالة "أبولو"، تمتلك المؤامرة جاذبية خاصة. الحدث كبير جدا، وسينمائي جدا، ومشحون سياسيًا بالحرب الباردة. 

كلما كان الحدث عظيمًا، زاد شعور بعض الناس بأن التفسير العادي لا يكفي. كيف يمكن لبشر أن يفعلوا شيئًا بهذا الحجم؟ لا بد أن وراءه سرًا. هنا يظهر ما يسميه بعض الباحثين "انحياز التناسب"، ما يعني أن الأحداث الكبيرة، في أذهاننا، تحتاج أسبابًا كبيرة. موت زعيم، وباء عالمي، هبوط على القمر، كلها أحداث تستدعي لدى البعض تفسيرًا أضخم من سلسلة قرارات وتجارب وهندسة وأخطاء وتصحيحات.

لكن الواقع أن مشروع "أبولو" كان كبيرًا بالفعل، لا كخدعة، بل كجهد مفتوح شارك فيه مئات الآلاف من المهندسين والفنيين والعلماء والمتعاقدين. 

المفارقة أن تزوير الهبوط ربما كان سيحتاج مؤامرة أكثر تعقيدًا من الهبوط نفسه: مؤامرة تشمل تصميم صواريخ حقيقية أُطلقت أمام العالم، وبثّ اتصالات متسقة مع المسار القمري، وخداع المراصد المستقلة، وإنتاج مئات الكيلوغرامات من صخور قمرية قابلة للفحص، وإسكات آلاف المشاركين، وإقناع الاتحاد السوفيتي بعدم استغلال أكبر فضيحة دعائية في القرن العشرين.

الأرض ليست مسطحة… حتى في ذاكرة التراث الإسلامي

مقال

الأرض ليست مسطحة… حتى في ذاكرة التراث الإسلامي

15/7/2026

في زمن الصور القادمة من الفضاء، ورحلات الطيران العابرة للمحيطات، والخرائط الرقمية التي تحملها هواتفنا، تبدو فكرة الأرض المسطحة كأنها مزحة عابرة. لكنها، على العكس، تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الخرافات العلمية قدرة على الانتشار، لا لأنها تملك برهانًا، بل لأنها تعرف كيف تستثمر الشك العام في المؤسسات، وتغذي إحساسًا زائفًا بأن الحقيقة الكبرى مخفية عن الناس.

والغريب أن بعض دعاة الأرض المسطحة يقدمون فكرتهم كما لو كانت عودة إلى حكمة القدماء، أو إلى "الأصل" الذي أفسدته الحداثة. لكن التاريخ يقول شيئًا آخر، وهو أن كروية الأرض ليست اختراعًا حديثًا، ولا خدعة فضائية بدأت مع الأقمار الصناعية، بل حقيقة أدركها الفلكيون والرياضيون قبل أكثر من ألفي عام، ثم ورثها علماء الحضارة الإسلامية وطوروها ودرسوها وطبقوها في الجغرافيا والفلك وحساب القبلة والمواقيت.

حين قاس الإنسان الأرض بظل عصا

هذا الدليل المشاهَد ليس معقدًا، ولذا ليس مستغربًا أن يصل فلاسفة اليونان وفلكيوها القدماء إلى فكرة "كروية الأرض"، التي كانت في أول الأمر بمثابة ملاحظة عامة أو فرضية فلسفية، حتى جاء إراتوستينس (276 - 195/194 ق.م تقريبًا)، في القرن الثالث قبل الميلاد، ليتساءل عن حجم هذه الكرة، وهو ما حوّل الفكرة من مجرد ملاحظة عامة إلى مسألة هندسية حسابية.

كان إراتوستينس يعمل في الإسكندرية، المدينة التي كانت يومًا إحدى عواصم العلم في العالم القديم. عَلِم أن الشمس في أسوان، وقت الظهيرة في يوم الانقلاب الصيفي، تكون شبه عمودية، بحيث لا يكون للأجسام حينها ظل يُذكر، لكنّ ظلّها يُرى بشكل طبيعي في الإسكندرية. 

لو كانت الأرض مسطحة، لكان سقوط أشعة الشمس متماثلًا في المدينتين، لكن اختلاف الظل كشف له أن سطح الأرض منحنٍ. ومن هذه الفكرة البسيطة، صنع إراتوستينس واحدة من أجمل التجارب في تاريخ العلم، حيث قاس زاوية الظل في الإسكندرية، وربطها بالمسافة بين الإسكندرية وأسوان، ثم استنتج من ذلك محيط الأرض.

كان افتراضه الأساسي أن أشعة الشمس تصل إلى الأرض شبه متوازية بسبب بعدها الشاسع، ولذلك فإن اختلاف الظل بين مدينتين يعكس اختلاف موضعهما على سطح كرة كبيرة. لم تكن القيمة التي وصل إليها مطابقة تمامًا للقياسات الحديثة، وهذا طبيعي بسبب مشكلات وحدات القياس القديمة والمسافة بين المدينتين، لكنها كانت في النطاق الصحيح إلى حد كبير. 

من الإسكندرية إلى بغداد: الكروية تدخل بيت الحكمة

لم تُنقل علوم اليونان والفرس والهنود إلى العربية في العصر العباسي على أنها روايات أدبية أو أخبار طريفة، بل دخلت في مشروع واسع للترجمة والمراجعة والحساب والرصد. وفي هذا السياق، لم تكن كروية الأرض مسألة هامشية، بل كانت جزءًا من البناء الرياضي للفلك والجغرافيا. ففي عهد الخليفة المأمون (170-218 هـ / 786-833 م)، ظهر مشروع لافت لقياس محيط الأرض. خرج فلكيون إلى سهول واسعة، ليقيسوا المسافة اللازمة لتغير ارتفاع نجم أو أي جسم سماوي بمقدار درجة واحدة. 

والفكرة في جوهرها بسيطة: إذا كانت الأرض كرة، والكرة تتخذ شكلًا دائريًا في أي موضع لها، والدائرة الكاملة تساوي 360 درجة كما تعلمنا في المدارس صغارًا، فإن قياس طول درجة واحدة من سطح الأرض يسمح بحساب المحيط كله. كان الناتج آنذاك نحو 40 ألف كيلومتر، وهي قيمة قريبة جدًا من محيط الأرض المعروف اليوم. هذه التجربة تدل على أن علماء المسلمين في عصرهم الذهبي تجاوزوا السؤال عن كروية الأرض أو تسطحها، بل طبقوا عليها -ككرة- ما تعلموه من الرياضيات والعلوم.

كروية الأرض كحاجة يومية

لعل من أجمل ما يميز التراث الفلكي الإسلامي أن البحث في شؤون السماء لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان مرتبطًا بحياتهم اليومية؛ مثل تحديد أوقات الصلاة ورؤية هلال الشهور ومعرفة الاتجاهات وحساب القبلة. وكل هذه المسائل دفعت العلماء إلى تطوير أدوات فلكية ورياضية دقيقة. فحساب اتجاه القبلة من أي مدينة إلى مكة ليس مجرد خط مستقيم مرسوم على ورقة مسطحة. 

فعلى السطح الكروي، يكون أقصر مسار بين نقطتين عبارة عن قوس من دائرة مكتملة، وحساب هذا الاتجاه يحتاج إلى معرفة خطوط الطول والعرض، وكذلك إلى هندسة كروية. ولذا درس مؤرخو العلم، مثل ديفيد كينغ، كيف أصبحت القبلة مجالًا لتطبيق الجغرافيا الرياضية والفلك الكروي في الحضارة الإسلامية. وهو ما يكشف مفارقة كبيرة، فمن يزعم اليوم أن "كروية الأرض" فكرة وافدة غريبة على التراث ينسى أن جزءًا من هذا التراث بنى حساباته الدينية واليومية على نموذج كروي للأرض والسماء.

ذاكرة رقمية قبل الحاسوب

بناء على ذلك، ظهر في التراث الفلكي الإسلامي نوع من الكتب يسمى "الزيج"، وهي جداول فلكية تضم حسابات لحركة الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وتساعد على معرفة المواقيت والكسوف والخسوف والمواقع السماوية. وقد أحصى مؤرخ العلوم الأمريكي إدوارد كيندي، في دراسته الكلاسيكية بعنوان "مسحٌ للأزياج الفلكية الإسلامية"، عددًا كبيرًا من هذه الأزياج المكتوبة بالعربية والفارسية بين القرنين الثامن والخامس عشر. 
وجود هذا التراث الطويل من الجداول لا يعني فقط أن المسلمين نقلوا الفلك القديم، بل إنهم عاشوا داخله حسابًا ومراجعة وتصحيحًا. والفلك الذي ينتج الأزياج، ويرصد الخسوف والكسوف، ويحسب القبلة، ويقيس خطوط العرض، لا يستطيع أن يعمل بكفاءة على تصور ساذج لأرض مسطحة تحت قبة بسيطة. لقد كان النموذج الكروي، حتى حين اختلط بتصورات بطلمية عن مركزية الأرض، جزءًا أساسيًا من الهندسة التي اشتغل بها الفلكيون.

الأرض من فوق الجبل

ثم جاء أبو الريحان البيروني، أحد أعظم العقول العلمية في الحضارة الإسلامية، ليقدم طريقة أخرى أكثر أناقة لقياس نصف قطر الأرض. لم يحتج البيروني إلى إرسال فريقين في الصحراء، بل احتاج إلى جبل، وأفق مفتوح، وأداة قياس زويا، وحساب مثلثات.

تقوم فكرته على أن الراصد من قمة جبل يرى الأفق منخفضًا قليلًا عن الخط الأفقي الحقيقي. يحدث هذا الانخفاض الصغير بسبب انحناء الأرض. فإذا عرفنا ارتفاع الجبل، وقسنا زاوية انخفاض الأفق من قمته، أمكننا حساب نصف قطر الأرض. إنها تجربة عبقرية لأنها تستخرج حجم الكوكب من علاقة بين عين الإنسان وخط الأفق.

مرفق 41

وفي دراستها عن البيروني، تشير الباحثة أميليا كارولينا سبارافينيا، أستاذة الفيزياء بجامعة بوليتكنيكو تورينو في إيطاليا، إلى أنه استخدم حسابات مثلثية في هذه العملية، وأنه توصل إلى صيغة بسيطة لقياس نصف قطر الأرض. وتذكر أن قياسه ارتبط بمنطقة حصن ناندانا في البنجاب، وأن القيمة التي خرج بها، بحسب تحويل معين للميل العربي، كانت قريبة من القيمة المرجعية الحديثة بدرجة لافتة، إذ اختلفت بنحو 2% فقط عن متوسط نصف قطر الانحناء عند خط عرض القياس. وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تنقل النقاش من سؤال بدائي عن كروية الأرض من تسطحها، إلى سؤال علمي أدق وهو: كيف نقيس حجم هذه الكرة؟

نصوص التراث: حين يقول العلماء ما لا يتوقعه المسطحون

الأهم من التجارب أن فكرة كروية الأرض ظهرت صريحة في كتب تراثية متعددة. ففي رسائل إخوان الصفا، وهي موسوعة فكرية كتبت في القرن الرابع الهجري تقريبا، نجد قولًا مباشرًا بأن "الأرض جسم مدوّر مثل الكرة"، وأن الهواء محيط بها من جميع الجهات، وأن الأرض بما عليها من بحار تمثل كرة واحدة.

وعند ابن حزم الأندلسي نجد معالجة مختلفة؛ فهو لا يورد المسألة بوصفها حسابًا فلكيًا فقط، بل يُدخلها في نقاش ديني وعقلي. إذ يقول ابن حزم إن البراهين أثبتت أن الأرض كروية، ويجادل بأن القول بتكويرها ينسجم مع اختلاف أوقات الزوال والصلوات بين البلدان، وهذا مهم لأنه يبين أن كروية الأرض لم تكن حبيسة كتب الفلكيين، بل وصلت إلى سجالات المتكلمين والفقهاء.

وفي "مجموع الفتاوى" المنسوب لابن تيمية، ترد نصوص تنقل عن ابن المنادي وغيره أن العلماء اتفقوا على أن "السماء على مثال الكرة"، وأن الأرض بما فيها من بر وبحر "مثل الكرة"، مع الاستدلال باختلاف طلوع الشمس والقمر والكواكب وغروبها بين جهات الأرض، وسواء قرأنا هذه النصوص قراءة فقهية أو تاريخية، فهي تكفي لهدم الادعاء الشائع بأن التراث الإسلامي كان، في جملته، متبنيًا لأطروحة الأرض المسطحة.

أما الإدريسي، الجغرافي الشهير في القرن السادس الهجري، فقد قدم في كتابه الجغرافي الكبير تصورًا واضحًا للأرض المستديرة. صحيح أن خرائطه، مثل خرائط كثيرة في العصور الوسطى، رسمت على هيئة مسطحة لأغراض التمثيل، لكن هذا لا يعني أنه كان يعتقد أن الأرض قرص مسطح. فالخريطة دائمًا تسطيح لسطح كروي، كما نفعل نحن اليوم حين نرسم العالم على ورقة أو شاشة.

التراث ضد الخرافة لا معها

من المفارقات المؤلمة أن بعض المدافعين عن الأرض المسطحة في العالم العربي يحاولون الاحتماء بالتراث، بينما التراث العلمي الإسلامي نفسه يقف ضدهم. فالفلكيون المسلمون قاسوا الأرض، والجغرافيون رسموا خرائطها، والفقهاء ناقشوا اختلاف المواقيت على سطحها، والرياضيون طوروا حسابات تفترض كرويتها.

ليس المطلوب أن نحول التراث إلى معجزة، ولا أن ندعي أن كل معرفة حديثة موجودة فيه مسبقًا. هذا خطأ شبيه بخطأ المسطحين، لأنه يستخدم التاريخ لإثبات رغبة معاصرة. المطلوب هو قراءة التراث كما كان، جهدًا إنسانيًا عظيمًا، فيه الصواب والخطأ، لكنه في أفضل لحظاته كان منحازًا إلى البرهان والعلم، لا إلى الخرافات والأوهام.

نعم، أخطأ القدماء في أشياء كثيرة، وهذا طبيعي. لكنهم حين نظروا إلى ظل الأرض على القمر، وإلى اختلاف النجوم باختلاف البلاد، وإلى تغير الظلال بين المدن، امتلكوا الشجاعة الكافية ليقولوا إن الأرض أكبر من الحس المباشر. فالعين ترى السطح مستويًا، لكن العقل يرى الانحناء المختبئ وراء الظواهر.

وهنا بالضبط تكمن قيمة العلم، أن يحررنا من خداع القُرْب. فالأرض تحت أقدامنا تبدو مسطحة لأننا صغار للغاية بالنسبة لها، كما تبدو صفحة البحر مستوية لمن يقف على الشاطئ، مع أنها جزء من كرة هائلة. ليست الحواس كاذبة، لكنها محدودة. والعلم لا يهين الحواس، بل يمدها بالأداة والرياضيات والخيال المنضبط.

إيكاد تكشف شبكة ميليشيات "أبو شباب" ودورها في سرقة المساعدات الإنسانية لغزة

مقال

إيكاد تكشف شبكة ميليشيات "أبو شباب" ودورها في سرقة المساعدات الإنسانية لغزة

13/7/2026

شاب غزاوي ينشر مقاطع صُورت له مع رفاقه على متن شاحنة مكدسة بالأطعمة والأغذية الطازجة، في الوقت الذي تدور فيه رحى الحرب ويتضور أهالي غزة جوعًا. بدا الشباب مطمئنين آمنين، كأن لا حربَ، ولا مجاعة. كان ذلك مثيرًا للانتباه والتساؤل؛ فمن هؤلاء الشباب؟ وكيف يتحصلون على الغذاء بتلك الوفرة بينما القطاع جائع؟ وكيف يتحركون بحرية وأمان وغزة تحت القصف؟ دفعت تلك التساؤلات فريق "إيكاد" للبحث خلفهم، في محاولة للحصول على إجابة. وبعد تحقيق رقمي مطول، وجدناها عند "أبو شباب".

مرفق 42

يتبع هؤلاء ما يسمى بـ "القوات الشعبية"، التي يقودها ياسر أبو شباب، المتهم رسميًا من قبل حركة حماس بـ "الخيانة"، في حين أعلن هو بدوره على إحدى القنوات الإسرائيلية ما وصفه بـ "الحرب الأهلية المفتوحة ضد حماس". وقد قادنا التحقيق إلى الكشف عن شبكة تضم عددًا من أبرز قيادات هذه الميليشيا، وكذلك تحديد هويات بعض منتسبيها الضالعين في نهب المساعدات الإنسانية الواردة إلى قطاع غزة.

الصف القيادي الأول في ميليشيا "أبو شباب"

اعتمد مسار التحقيق على تحليل حسابات التواصل الاجتماعي للشخصيات القيادية المعروفة في ميليشيا "القوات الشعبية". وكما ذكرنا أعلاه، يتزعم الميليشيا أبو شباب، الذي هرب من سجون غزة إثر اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث كان مسجونًا على خلفية اتهامات جنائية بتهريب المخدرات والأسلحة.

مرفق 43 ياسر أبو شباب

ويليه في القيادة غسان الدهيني، الذي كان في السابق قياديًا في مجموعة فلسطينية تحالفت مع تنظيم داعش في محافظة سيناء المصرية، تسمى "جيش الإسلام". ومثل قائده، خرج الدهيني من السجن بعد اندلاع الحرب، ويعرف نفسه الآن بأنه نائب رئيس ما يسمى بـ "القوات الشعبية".

مرفق 44 غسان الدهيني

ومن خلال البحث على وسائل التواصل الاجتماعي، وجدنا حسابًا نشطًا لأبو شباب، وثلاثة للدهيني؛ منهم اثنان على فيسبوك، وثالث على منصة "تيك توك". وكانت تلك الحسابات الأربعة نقطة البداية التي أوصلت فريق "إيكاد" إلى شبكة من أبرز قيادات الميليشيا والمنتسبين لها.

عصام النباهين

في الثامن من يونيو/ حزيران 2025، نشر الدهيني، في حسابه على "تيكتوك"، صورة برفقة أحد الأشخاص. وفي التعليقات ذُكر أن اسمه عصام النباهين، وهو شاب ثلاثيني، يعد أحد أبرز قيادات الميليشيا المسلحة، إلى جانب أبو شباب والدهيني.

وبعد بحث، تبين أن النباهين سبق له القتال في صفوف داعش بسيناء ضد الجيش المصري، وعاد إلى غزة قبيل بدء الحرب الأخيرة في القطاع. ومثل سابقيْه، فر النباهين من أحد سجون غزة في اليوم الأول من الحرب. وبعد نشر الدهيني لصورته بأيام قلائل، وردت أنباء تفيد القبض عليه من قبل أجهزة الأمن في غزة، وليس معروفًا -حتى الآن- مصيره النهائي.

قيادات الصف الثاني

وبعد تتبع شخصيات الصف القيادي الأول، وسع فريق "إيكاد" دائرة البحث لتشمل عناصر أخرى من المجموعة. وهو ما قادنا إلى بعض الشخصيات المقربة من الصف الأول، والتي يرجح أنها بمثابة قيادات وسطى في الميليشيا المسلحة.

صدام أبو زكار:

ومن خلال تتبعنا لحساب غسان الدهيني، رصد الفريق نشره لصورة تجمعه مع شخص يُدعى "صدام ماجد أبو زكار". وبعد البحث عنه في منصتي فيسبوك وتيك توك، اللتين تنشط بهما شبكة "أبو شباب" ومؤيديه، وجدنا حسابًا مجهولًا نشر صورة لصدام وشقيقه، واصفًا إياهما بـ "شهداء الشوكة".  

و"الشوكة" قرية تقع شرقي رفح، جنوب قطاع غزة. وهي ذات المناطق التي تنشط فيها ميليشيات أبو شباب. ومنذ عدة أيام، نشر ذات الحساب صورة لصدام، مجتزأة من ذات الصورة التي نشرها الدهيني، ويترحم فيها عليه. 

بكر الوقيلي

وبينما نواصل رصد نشاط الدهيني على منصات التواصل الاجتماعي، وجدنا تعليقًا له، في مارس/ آذار 2025، على صورة لأحد المسلحين، وكان ملثم الوجه، ناداه فيه بـ "ما غيره". وبعد نحو شهرين، نشر ذات الحساب صورة لشخص مكشوف الوجه، يرتدي ملابس عسكرية.

وبعد فحصنا لحساب "فاقد الغالي"، الذي نشر الصورتين، رصدنا ترابطًا بينه وبين حسابين آخرين، هما: "بكر ما غيره"، و"بكر ما غيره الحساب البديل"، اللذين وجدنا أن لهما ارتباطًا بحساب آخر يُدعى "بكر الوقيلي ما غيره". وفي الحساب الأخير، وجدنا صورة لنفس الشخص المنشورة صورته أعلاه. ما يعني أن الحسابات الأربع تعود إلى ذات الشخص؛ وهو "بكر الوقيلي". وقد ظهرت للوقيلي صور متعددة وهو يرتدي جعبة سلاح مشابهة لتلك التي يرتديها الدهيني.

يوسف أبو ناصر

وبتتبع نشاط الوقيلي على منصات التواصل الاجتماعي، وجدنا صورة له برفقة "يوسف أبو ناصر" وهما يرفعان السلاح. وبتحليل الصور التي نشرها الأخير، ومقارنتها مع صور الدهيني المنتشرة، يتضح أن "أبو ناصر" يرتدي ذات الجعبة العسكرية المتطورة الشبيهة بخاصتيْ الدهيني والوقيلي، وكذلك نفس الخوذة التي يرتديانها. وبمواصلة تتبع حساب "أبو ناصر" وتحليل محتواه، رجح الفريق أنه أيضًا ضمن الشبكة المقربة للصف الأول.

مرفق 59

طارق أبو حسن

أما طارق، فقد دأب على نشر صور لأصدقائه التابعين لميليشيا "أبو شباب"، مترحمًا عليهم بعد قتلهم، كما أنه ينشط في نشر "قصص - Stories" على حسابه في فيسبوك، تظهر في بعضها صور لمسلحين يعتلون شاحنات المساعدات.

مرفق 60

وخلال التحقيق، رصد الفريق أحد الحسابات الداعمة لميليشيا "القوات الشعبية" تنشر صورة لبكر الوقيلي إلى جانب شخص أُخفي جزء من وجهه، رجحنا -من خلال تحليل الصور ومقارنتها- أنه ذاته "طارق أبو حسن".

مرفق 61

أبو حسن الترباني

أما الترباني، فقد ظهر لنا لأول مرة -مسلحًا- في إحدى "القصص" على حساب "طارق أبو حسن"، ما يعني ضلوعه في نشاطات ميليشيا "أبو شباب". كما أنه نشر مقطعًا مصورًا يجمعه بغسان الدهيني داخل إحدى المركبات، في سبتمبر/ أيلول 2024. وقد رصدنا نعيَ عدد من أصدقائه له، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وهو ما يؤكد أنه قُتل.

الصف الثالث في الميليشيا

وتحت قيادة هذه المجموعة، رصدنا أفرادًا آخرين ينتسبون للشبكة، أقل قربًا من الصف الأول، لكنهم منخرطون بقوة في عمليات السطو على المساعدات الإنسانية. فعلى سبيل المثال، ينشط نمر أبو الحصين على منصة "تيك توك"، ويمتلئ حسابه بالمقاطع والصور التي يوثق من خلالها مشاركته في عمليات "نقل المساعدات" إلى مواقع الميليشيات المسلحة. 

مرفق 65

والملاحظ أن جميع الفيديوهات المتعلقة بنقل المساعدات نُشرت في حسابه قبل الهدنة التي بدأت في 19 يناير/ كانون الثاني 2025، قبل أن تتعثر مرة أخرى في مارس/ آذار من ذات العام. فضلًا عن أنها صُورت في مناطق ينشط فيها الاحتلال، مثل "محور فيلادلفيا"، ما يشير إلى وجود تعاون بين ميليشيا أبو شباب وقوات الاحتلال.

مرفق 66

وفي الوقت الذي استؤنف فيه العدوان على قطاع غزة، وأُجبر الغزيون على مغادرة أقصى الجنوب نحو خانيوس، كان عبود أبو الحصين ينشر مقاطع مسجلة يظهر فيها مشاركته بـ "عمليات تأمين المساعدات" المعلنة. كما أنه نشر صورًا ومقاطع تجمعه مع بعض المقربين من قيادة ما يسمى بـ "القوات الشعبية"، من بينهم "بكر الوقيلي" و"يوسف أبو ناصر".  

وكان من بين الشبكة المرصودة أيضًا كل من كريم أبو الحصين وأبو أنيس. وهما كذلك ضالعان في نهب المساعدات بقوة السلاح في المناطق التي ينشط بقربها الاحتلال.

وعليه، تمكن فريق "إيكاد" -عبر هذا التحقيق- من الكشف عن هوية مجموعة من أبرز قياديي ميليشيا "أبو شباب" ومنتسبيها. لكن الهوية وحدها غير كافية لإدراك حقيقة الدور المنوط بهذه المجموعة. ولذا، واصل الفريق تتبع الشبكة، مستهدفًا تحديد مناطق تواجدها ونفوذها داخل القطاع.

أين تتحرك ميليشيات أبو شباب؟

كانت نقطة الانطلاق من المسار الذي حدده بعض تجار غزة، وتحديدًا على طول الطريق الخارج من معبر "كرم أبو سالم"، المسيطَر عليه من قبل الاحتلال الإسرائيلي. حيث تحدثوا للـ "واشنطن بوست" عن وجود سواتر ترابية تظهر على مدى الطريق، يستتر خلفها أفراد ميليشيا "أبو شباب"، يترقبون مرور شاحنات المساعدات بغية الهجوم عليها والسيطرة على ما فيها.

وبالفعل، رصد فريق التحقيقات -عبر صور ملتقطة بالأقمار الصناعية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تلك السواتر على طول الطريق المذكور، وتظهر فيه شاحنات المساعدات المتجهة إلى داخل القطاع، مما يؤكد رواية التجار عن ميليشيات "أبو شباب" وممارساتهم تجاه قوافل الإغاثة في تلك المنطقة شرق رفح.

يتوافق ذلك مع حديث السيد سام روز، مدير شؤون وكالة الأونروا في قطاع غزة، عن عمليات نهب كبيرة للمساعدات تحدث في المنطقة الواقعة بين معبر كرم أبو سالم وخانيونس، والتي أطلق عليها اسم "وادي اللصوص".

مرفق 75

لكن يبدو أن "أبو شباب" يواصل مساره رغم الانتقادات، ففي أوائل يونيو/ حزيران 2025، أصدر قائد الميليشيا بيانًا صوتيًا دعا فيه سكان مناطق شرق رفح إلى العودة من مواقع النزوح، معلنًا إقامة مخيمات إيواء وفتح طرق الإغاثة الإنسانية، إضافة إلى توفير الطعام والشراب والمأوى والأمن والسلامة.

رافق البيانَ الصوتي لقطاتٌ لمخيم الإيواء الذي يُدعى إليه سكان رفح.. فأين يقع هذا المخيم بالتحديد؟ بعد تحليل المعالم الظاهرة في تلك اللقطات، حدد فريق "إيكاد" موقع المخيم، وتبين أنه قريب للغاية من ممر "موراغ" الذي يريد الاحتلال من سكان غزة الانتقال إليه. ما يعني كذلك أنه قريب من معبر كرم أبو سالم، والمنطقة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال.

ولاحظ الفريق أن إحداثيات المخيم تتطابق إلى حد كبير مع إحداثيات موقع وزعت فيه "القوات الشعبية" أكياس طحين ومساعدات كانت قد استولت عليها سابقًا.

ومن خلال تتبع التحركات الفردية لرموز الميليشيا، وجد فريق "إيكاد" أنهم يتحركون في ذات النطاق. فعلى سبيل المثال، بعد التحقق من إحداثيات المكان الذي صُور فيه الدهيني وهو يطلق النار بسلاحه في الثامن من يونيو/ حزيران 2025، تبين أنه أمام مسجد الدعوة في منطقة "الشوكة" شرق رفح.

مرفق 80

ذات الأمر حدث مع أحد مقاطع الفيديو المنشورة لـ "بكر الوقيلي"، حيث كان يتجول بإحدى المركبات في مدينة رفح. وبتحليل المقطع، تبين أنه في نفس المنطقة التي دعا أبو الشباب النازحين إلى القدوم إليها؛ أي ما بين محوري فيلادلفيا وموراغ.

مرفق 81

وفي مقطع نشره كريم أبو الحصين، عضو الميليشيا، يوثق فيه عملية "تأمين" بعض شاحنات الإغاثة، وتظهر فيه منطقة "البيوكي"، في نقطة تبعد أقل من 2.5 كم عن منطقة المخيم التي أعلنها "أبو شباب".

وفي محافظة خانيونس قرب المشفى الأوروبي، يُظهر أحد المقاطع مسلحي ميليشيا "القوات الشعبية" وهم يسيطرون على مرور شاحنات المساعدات في شارع صلاح الدين، حيث يجري تمريرها تحت سيطرتهم وهم مدججون بالسلاح.

مرفق 84

إلام تشير تلك التحركات؟

مما سبق، يتضح أن النطاق الجغرافي الذي تتحرك فيه شبكة ياسر أبو شباب تتركز بشكل كبير في منطقتي "الشوكة" و"البيوك" شرق مدينة رفح، وكذلك في أطراف شمال رفح، وهي مناطق حدودية قريبة من معبر كرم أبو سالم، وتخضع لرقابة مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

مرفق 85

وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى ما قاله وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، بداية مايو/ آيار 2025، حيث صرح بأن "أهالي غزة سيتمركزون في شريط ضيق من الأرض بين الحدود المصرية وممر موراغ".

وهو ما يعني أن خريطة تحركات ما يسمى بـ "القوات الشعبية" تتوافق إلى حد كبير مع مخططات سموتريتش والاحتلال في غزة، ما قد يعطي مؤشرًا حاسمًا على طبيعة الغطاء الأمني الذي تتحرك تحته الشبكة.

وفي ذات السياق، أكد مسؤولون إسرائيليون أن حكومتهم زودت ميليشيا "أبو شباب" بالأسلحة لمواجهة حماس، وهو ما أقر به رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو -ضمنيًا- في وقت سابق، إذ قال إن "الأجهزة دعمت مجموعات مناهضة لحماس في غزة".

وفي إطار هذه التصريحات والتحركات، من الممكن فهم التحول الذي طرأ على مجموعة "أبو شباب"، فبعد أن كان هدفها المعلن -عند تأسيسها- تأمين المساعدات، إذ بها اليوم تعلن -على لسان قائدها- استعدادها لتولي الحكم في قطاع غزة بعد سقوط حماس. وهي خطوة قد توصف بأنها محاولة صريحة لرسم واقع سياسي جديد في القطاع، بالتماهي مع خطط الاحتلال.

"إيكاد" تتبع انتهاكات مليشيات حميدتي في "الجزيرة"

تحقيق

"إيكاد" تتبع انتهاكات مليشيات حميدتي في "الجزيرة"

11/7/2026

"ميت أم حي أنت يا كلب؟".. سؤال دفع فريق التحقيقات في إيكاد إلى الشروع في تحقيق استقصائي مطول، بغية التحقق من حقيقة المقطع الذي طُرحت فيه هذا العبارة على أسماع رجل مُلقىً على الأرض. لكنه كان مقتولًا، فلم يجب بطبيعة الحال.

كان ذلك ضمن تسجيل مصور تداوله نشطاء سودانيون في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2024، يظهر فيه مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مشابهة لتلك التي ترتديها ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويهينون مجموعة من المدنيين وبجوارهم بعض الجثث ملقاة على الأرض.

واللافت أن هذا المقطع لم يكن الوحيد، إذ انتشرت العديد من اللقطات والمشاهد المتشابهة في مضمونها معه، حيث ظهرت فيها تلك القوات وهي ترتكب انتهاكات وجرائم قتل وتعذيب وحرق ونهب بحق المدنيين، وذلك إثر الحملة العسكرية التي تشنها ميليشيات حميدتي على ولاية الجزيرة، جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023. وفي الجهة المقابلة، تصر قوات الدعم السريع على نفي كل هذه الاتهامات، مدعية -من خلال بياناتها الرسمية- احترامها للمواثيق والقوانين الدولية وحقوق الإنسان.

مرفق 86 صورة تظهر معلومات عن ولاية الجزيرة (mindat.org)

وبين الادعاء والنفي، قرر فريق التحقيقات في "إيكاد" ملاحقة آثار الانتهاكات، وتتبع المقاطع والصور، التي انتشرت في الفترة منذ مطلع يناير/ كانون الأول وحتى 10 مارس/ آذار 2024، والتحقق من محتواها. وكانت النتيجة التي توصل الفريق إليها عبر الأدلة والشواهد هي أن مقاتلي الدعم السريع ارتكبوا انتهاكات صريحة بحق المدنيين وممتلكاتهم في قرى ولاية الجزيرة ومدنها

مرفق 87 بيان نفي مستشار قائد قوات الدعم السريع (إكس)

وهو ما سيتضح تفصيلًا خلال التحقيق. وإجمالًا، تتضمن هذه الانتهاكات العديد من جرائم القتل والتعذيب والإهانة، خصوصًا في بلدتي "المعيلق" و"المدينة عرب"، فضلًا عن إشعال الحرائق وتخريب الممتكلات في بلدات أخرى بالتزامن مع دخول قوات حميدتي إليها، مثل "القرية 27" و"الهجيليج"، ومناطق "جنوب المناقل"، وجنوب شرقي "كاب الجداد".

قتل المدنيين في "المعيلق"

في 10 يناير/ كانون الثاني 2024، تداول نشطاء سودانيون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع يظهر فيه مسلحون يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع، وهم يحتجزون مجموعة من المدنيين، بينهم كبار سن وأطفال. وظهر المدنيون وهم يزحفون على الأرض ويحفرون في التراب بأصابعهم. وإلى جانب هؤلاء، تُظهر اللقطات جثثًا ملقاة على الأرض.

مرفق 88 صور للمنشورات التي  تظهر لقطة من المقطع المتداول ( إكس)

وفي المقطع الذي بلغت مدته دقيقتين ونصف، ذكر أحد المدنيين المحتجزين -في معرض إجابته على سؤال لأحد المسلحين- أن المنطقة المتواجدين فيها تسمى "المعيلق". في حين سُمع أحد المقاتلين وهو يشير إلى أن تاريخ تصوير الفيديو 9 يناير/ كانون الثاني 2024.

مرفق 89 صورة من المقطع تُظهر أحد المدنيين المحتجزين وهو يجيب على سؤال المسلحين بأن المنطقة تُسمى "المعيلق"2024

وعبر التحليل التقني والبصري للفيديو، وباستخدام تقنيات المصادر المفتوحة، تمكن فريق التحقيقات من تحديد الموقع الذي سُجل فيه المقطع داخل قرية "المعيلق"، والتأكد من تاريخه. والنتيجة التي توصل لها الفريق -بعد تحقيق وتدقيق سيتضح فيما يلي- هي أن "الدعم السريع" مسؤول عن الانتهاكات المرتكبة داخل تلك القرية بعد سيطرة قواته عليها.

الوصول لموقع تصوير الفيديو وتوقيته

من خلال البحث العكسي، تبين أن مقطع نُشر للمرة الأولى في 10 يناير/ كانون الثاني 2024. ثم انتقل الفريق للتحليل البصري للمقطع المسجل، فعبر تحليل المعالم الجغرافية الظاهرة فيه، تمكن المحققون من التعرف على النقطة الدقيقة التي صُور المشهد عندها، وتبين أن الفيديو ملتقط عند المدخل الجنوب الشرقي لبلدة المعيلق. ولمعرفة توقيت تصوير الفيديو، اعتمد الفريق على تحليل الضوء والظلال المرئية من خلال "SunCalc"، وقدّر أن المقطع صُور يوم 9 يناير/ كانون الثاني 2024، خلال فترة الظهيرة، بين الساعة 12:15 والساعة 13:15 على الأرجح.

مرفق 90 صور تظهر البحث العكسي عن المقطع في جوجل

ومما سبق، يتأكد أن المقطع حقيقي، وأن قوات الدعم السريع، يوم 9 يناير/ كانون الثاني 2024، كانت تحتجز -بطريقة مهينة- مدنيين، بينهم أطفال وكبار سن، في قرية المعيلق، وأن ما حدث أسفر عن ضحايا ظهر بعضهم في المقطع كجثث ملقاة على الأرض.

مرفق 91 صورة تظهر نتيجة التحليل التقني والبصري للفيديو باستخدام تقنيات المصادر المفتوحة لتحديد الموقع الدقيق داخل قرية "المعيلق" 

تعذيب وإهانة

ورغم تلك النتائج، استمر فريق التحقيق في بحثه عن دلائل أخرى لما حدث في قرية "المعيلق" يومها. فتوصل إلى مقطع فيديو آخر، تظهر فيه قوات الدعم السريع وهي تعذب مجموعة من المواطنين وتضربهم. وثبت أن المقطع صُور أيضًا في ذات القرية.

مرفق 92 صورة تظهر أداة "SunCalc" المستخدمة لتحليل الضوء والظلال المرئية في الفيديو لتحديد توقيت التصوير 

فكيف توصل الفريق إلى هذه النتيجة؟

مرفق 93 صورة تظهر لقطة من الفيديو الثاني تُظهر مقاتلي الدعم السريع وهم يعذبون مدنيين ويضربونهم على مشارف بلدة "المعيلق"، في 9 يناير/ كانون الثاني 2024 (منصة إكس)

من خلال التحليل البصري للمقطع الثاني ومقارنته بالأول، اكتُشف وجود شخصين متطابقين على الأقل بين المقطعين، وهو ما قادنا إلى الاستنتاج بأن التعذيب في هذا المقطع مرتبط بذات الجريمة التي ارتكبها الدعم السريع في قرية "المعيلق".

مرفق 94 صورة تظهر مقارنة بين المقطعين تكشف وجود شخصين متطابقين في كليهما

وما عزز هذا الاستنتاج أن الفريق تمكن من تحديد مكان وقوع حادثة التعذيب، إذ تبين أن مقطع الفيديو الثاني سُجل على بعد عدة أمتار من مكان تصوير الأول، والذي أُثبت أعلاه أنه صُور في "المعيلق". وبالاعتماد على تحليل الضوء والظلال المرئية، اتضح أن الفيديو الثاني سُجل عقب الأول بساعة أو ساعة ونصف على الأرجح، أي بين الساعة 13:30 و14:15.

مرفق 95 صورة تظهر تحديد موقع تصوير الفيديو الثاني على بعد أمتار من موقع الأول في "المعيلق" 

وعليه، توصل الفريق إلى أن قوات الدعم السريع -كما ظهر في الفيديو الأول- قتلت وجرحت عددًا من المدنيين واحتجزت آخرين، ثم اقتيدوا بعد ذلك إلى مشارف القرية وتعرضوا للتعذيب والضرب، كما ظهر في الفيديو الثاني

مرفق 96 صورة تظهر نتيجة تحليل توقيت الفيديو الثاني الذي سُجل بعد الأول بساعة إلى ساعة ونصف، أي بين الساعة 13:30 و14:15 

 وهنا، تجدر الإشارة إلى وجود تطابق بين ما توصل له هذا التحقيق وما تحدث به شهود عيان لقناة الجزيرة. إذ كشفوا أن قوات الدعم، خلال اقتحامها لقرية "المعيلق" في 9 يناير/ كانون الثاني 2024، أعدمت ما لا يقل عن 7 مدنيين واعتقلت أكثر من 40 من أهالي البلدة، فضلًا عن نهبها للبنك والمتاجر والمقتنيات الشخصية للمدنيين هناك. 

مرفق 97

انتهاكات واغتيالات في "المدينة عرب"

لم تكن قرية "المعيقل" الوحيدة التي وثّق فريقنا تعرضها للانتهاك والإيذاء من قبل قوات الدعم السريع. إذ أثبت -من خلال الأدلة المرئية- أن الانتهاكات بحق أهالي بلدة "المدينة عرب" ارتُكبت بعد سيطرة قوات الدعم السريع على القرية، ما يرجح مسؤوليتها عن هذه الجرائم. فكيف حدث ذلك؟

كانت البداية من أخبار نشرتها حسابات حقوقية سودانية عن حدوث انتهاكات بحق أهالي البلدة من قبل قوات حميدتي. إضافة إلى قتل 3 أطباء واختطاف اثنين من الكادر الطبي من مشفى القرية في 4 مارس/ آذار 2024. كما تحدث شهود عيان للجزيرة عن أن الدعم السريع بالغ في ممارسة العنف والاعتداء على المواطنين بالضرب ونهب الممتلكات،  مما اضطرهم في النهاية إلى النزوح.

مرفق 98

سعى فريق التحقيقات في إيكاد إلى التحصل على أدلة مرئية تدعم ما جاء في هذه الأنباء. وكانت البداية من تغريدة نشرها حساب أحد الإعلاميين المناصرين لقوات الدعم السريع، في 28 فبراير/ شباط 2024، تضمنت مقطعًا مسجلًا وخبرًا يفيد بلوغ القوات حدود ولاية سنار، الواقعة جنوب ولاية الجزيرة. تضمن المقطع المرفق مشاهد أرتال عسكرية تسير على الطريق السريع، قبل أن تتوقف ويترجل الجنود بالقرب من إحدى البلدات المأهولة، وفي الخلفية تُسمع أصوات انفجارات ورصاص متقطع، ما يرجح وجود اشتباكات في المكان.

مرفق 99

هوية المجموعة العسكرية

إحدى النقاط المهمة في المقطع تمثلت في صوت مصوره الذي تحدث عن قيادة "المقدم عبد الرحمن حميدة البيشي" للمجموعة العسكرية المشتبكة. وبالبحث، وجدنا أن البيشي يشغل منصب قائد قوات الدعم السريع في إقليم "النيل الأزرق". ومن ثم ظهر ذات الشخص في مقطع الفيديو وهو يوجه المقاتلين عبر جهاز اتصالات بيده مرتديًا الزي العسكري للدعم السريع، وبالبحث العكسي، واستدللنا على ذلك عبر البحث العكسي عن صورته. وهو ما حسم أن المجموعة العسكرية الموجودة في المقطع تابعة لقوات الدعم السريع.

مرفق 100

تحديد مكان الاشتباك

ثم عمل الفريق على تحديد المكان الذي تواجدت فيه تلك المجموعة التابعة لقوات الدعم السريع، وسُمعت فيه أصوات اشتباكات وانفجارات. ومن خلال تحليل المعالم الجغرافية الظاهرة، خلص الفريق إلى أن المقطع سُجل على المدخل الشمالي الشرقي لبلدة "المدينة عرب".

مرفق 101 صورة تظهر نتيجة التحليل الجغرافي لتحديد موقع تصوير المقطع عند المدخل الشمالي الشرقي لبلدة "المدينة عرب"

ومما سبق، ثبت أن قوات الدعم السريع باتت الجهة العسكرية المسيطرة على بلدة "المدينة عرب" بدءًا من 28 فبراير/ شباط 2024 (تاريخ انتشار الفيديو المشار إليه أعلاه).  وباعتبار  أن موعد السيطرة يتقاطع مع أنباء الانتهاكات التي تحدثت عن هذه الجرائم بعد توثيقنا لوصول الدعم السريع، فإن ذلك يعني مسؤولية ميليشيات حميدتي عن تلك الانتهاكات.

إحراق الأراضي الزراعية

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فمن خلال المتابعة الدورية للمتغيرات في الولاية، رصد الفريق -عبر صور الأقمار الصناعية- نشوب حرائق في عدد من الأراضي الزراعية والمنشآت المدنية والملكيات الخاصة في عدد من القرى والبلدان بولاية الجزيرة. أتى ذلك بالتزامن مع تداول وكالات الأنباء ووسائل الإعلام أخبارًا عن هجوم قوات الدعم السريع على ذات القرى والبلدات. وبعد تتبع التطورات الميدانية خلال الفترة نفسها، لم تُرصد أي إشارة إلى استهداف تلك المواقع من قبل سلاح الطيران التابع للقوات المسلحة السودانية، وهو ما يستعبد احتمالية أن تكون تلك الحرائق ناجمة عن ضربات الجيش السوداني.

وفي هذا السياق، قد يكون مهمًا الإشارة إلى أن لقوات الدعم السريع تاريخًا في حرق الأراضي الزراعية وإتلاف المحاصيل بهدف ترهيب المدنيين وإخضاع المناطق لسيطرتها، إذ سبق لها ممارسته في ولايات جنوب كردفان مطلع عام 2024، حسب بيان للخارجية السودانية

وفي هذا السياق، رصدت مستشعرات الأقمار الصناعية وجود حرائق في عدة مناطق على فترات متقطعة، لكن اللافت أن فريق إيكاد لاحظ -من خلال متابعة الوقائع الميدانية- ارتباط هذه الحرائق بالفترات التي سيطرت فيها قوات الدعم السريع على تلك المناطق، أو تواجدت فيها على أقل تقدير. فعلى سبيل المثال، رُصدت حرائق في بلدة "كاب الجداد" شمال ولاية الجزيرة على امتداد يومي 25 و26 فبراير/ شباط 2024.

مرفق 102 صورة تظهر رصد مستشعرات الأقمار الصناعية حرائق في بلدة "كاب الجداد" شمال ولاية الجزيرة، في 25 فبراير/ شباط 2024 (NASA FIRMS)

وبتتبع الواقع الميداني، تبين أن قوات الدعم كثفت هجماتها على المنطقة في تلك الفترة، لا سيما بلدات "كاب الجداد" و"السديرة الشرقية" و"السديرة الغربية". تبين أن هذه المنطقة التي تعرضت للحرق -بعد تحليل معالمها الجغرافية- كانت مجرد أراض زراعية.

مرفق 103 صورة تظهر بلدات "كاب الجداد" و"السديرة الشرقية" و"السديرة الغربية"

وما عزز هذه النتائج هو مقارنة الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية بعد الحريق، إذ تحولت أجزاء من تلك الأراضي إلى اللون الأسود، ما يرجح تلف المحاصيل الزراعية.

مرفق 104 صورة تظهر الأراضي الزراعية في منطقة "كاب الجداد" قبل وبعد تعرضها للحرائق، في فبراير/ شباط 2024 (صور الأقمار الصناعية)

نفس المشهد تقريبًا تكرر في "القرية 27 الفرقان". إذ رصدت المستشعرات وجود حرائق في 14 و15 مارس/ آذار 2024. وهو ما تأكد عبر صور القمر الصناعي  Sentinel Hub وPlanet خلال الفترة نفسها تقريبًا.

مرفق 105 صورة تظهر رصد مستشعرات الأقمار الصناعية حرائق في "القرية 27 الفرقان" بولاية الجزيرة، في 14 و15 مارس/ آذار 2024 (NASA FIRMS)

وعند مراجعة الأحداث الميدانية في المنطقة خلال تلك الفترة، تبين أن قوات الدعم السريع شنت هجمات على منطقة الفاو المحاذية للقرية 27 من الجهة الشرقية.

مرفق 106

كما اتضح أن المناطق التي تعرضت للاحتراق داخل البلدة تضم بيوتًا طينية ومنازل ومحال صغيرة عائدة لأهل القرية، ما يرجح كذلك أن عملية الإحراق أتت في سياق التخريب وترهيب المدنيين.

مرفق 107

ولم تختلف هذه النتائج عن تلك المرصودة في عدد من المواقع الأخرى، مثل بلدة "الهجيليج"، وطريق "المناقل-الشكينية" السريع الواصل بين مدينتي المناقل والشكينية. 

من الممكن القول إن تكرر النمط في عدد من المناطق بشكل متزامن، مع وجود عامل مشترك بينها جميعًا؛ يتمثل في تواجد "الدعم السريع"، يرجح مسؤوليته عن هذه الحرائق. وتكرار استهداف الأراضي الزراعية والمنشآت المدنية يعزز الفرضية القائلة بأن الهدف هو إخضاع المناطق لسيطرتها عبر إرهاب المدنيين.

خلاصة نتائج التحقيق

إجمالًا، خلص تحقيق فريق "...."، بخصوص ممارسات ميليشيات الدعم السريع تجاه المدنيين خلال الحملة العسكرية ضد ولاية الجزيرة، إلى عدة نتائج:

  1. ارتكبت ميليشيات الدعم السريع انتهاكات ومارست عنفًا انتقاميًا ضد أهالي بلدة "المعيلق" في ولاية الجزيرة

  2. ميليشيات الدعم السريع مسؤولة عن الانتهاكات التي ارتُكبت في بلدة "المدينة العرب" بولاية الجزيرة

  3. تزامنت حوادث إحراق الأراضي الزراعية وتدمير المنشآت المدنية وتخريب الممتلكات الخاصة في عدة مناطق، مثل "كاب الجداد" و"القرية 27 الفرقان" وطريق "المناقل الشكينية" وبلدة "الهجيليج"، مع هجوم الدعم السريع على تلك المناطق

وبالتوازي مع هذه النتائج حول انتهاكات ميليشيات الدعم السريع منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023 حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وثقت مراصد سودانية ومنظمات دولية خلال الفترة ذاتها مئات الانتهاكات المرتكبة بحق أهالي ولاية الجزيرة، كالقتل والاختطاف والتعذيب والاغتصاب والنهب والحصار والتهجير وتدمير الممتلكات والسرقة.

على رأس هذه التقارير ما أصدرته الأمم المتحدة في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2028، إذ كشفت فيه عن سرقة ميليشيات حميدتي لمستودعات برنامج الغذاء العالمي في الولاية، ونهب أكثر من 2500 طن من محتوياتها.

مرفق 108

هذا بالإضافة إلى تقارير منظمة "محامو الطوارئ" السودانية، و"المرصد المركزي لحقوق الإنسان في السودان"، و تقارير "لجان ود مدني". 

كل ذلك يؤكد ويثبت حجم الانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيات الدعم السريع بحق أهالي الجزيرة، في إطار حملتها الساعية للسيطرة على الولاية.


أهمية السيطرة على "الجزيرة

ولعل من المفيد في هذا الإطار محاولة فهم الأسباب والدوافع التي حَدَت بحميدتي وميليشياته إلى شن هذا الهجوم الواسع والعنيف على الولاية القابعة جنوب الخرطوم.

قد تكون الجغرافيا مدخلًا مهمًا في فهم أهمية السيطرة على الولاية من الناحية العسكرية والسياسية، والاقتصادية كذلك.

مرفق 109

فكما يتضح على الخريطة، تمثل "الجزيرة" جبهة استراتيجية عسكرية حساسة، كونها تطوّق العاصمة من الجنوب، ما يعني أن السيطرة عليها سيمنح "الدعم السريع" تفوقًا عسكريًا ملحوظًا في صراعه مع الجيش المتمركز في الخرطوم.

كما أن الموقع الاستراتيجي للولاية جعلها بمثابة الرابط الرئيس لمعظم الطرق التي تتحرك عليها إمدادات الغذاء والصحة وغيرهما. 

إلى جانب ذلك، تعتبر الولاية من الحواضن الرئيسية للاقتصاد السوداني، حيث يطلق عليها: "سلة غذاء السودان"، نظرًا لأن بها المشروع الزراعي الأكبر في البلاد، وهو مشروع الجزيرة.  هذا بالإضافة إلى أنها تحوي ما لا يقل عن 20 في المائة من القاعدة الصناعية في السودان.

كل نقاط القوة هذه قد تستحيل إلى نقاط ضغط على الحكومة السودانية إذا ما سيطرت ميليشيات حميدتي على الولاية أو جزء منها. 

وعليه، يهدف حميدتي إلى تقوية أدواته عبر السيطرة على الجزيرة، وهو ما سيعزز موقفه في جولات التفاوض السياسي القادمة مع الجيش، لا سيما وأن الحملة العسكرية تأتي تزامنًا مع تجدد الرغبة الدولية والأمريكية بإعادة أطراف الصراع في السودان إلى طاولة المفاوضات مجددًا.

بعد مسار غامض.. أين رَسَت السفينة الخاضعة للعقوبات الأمريكية؟

خبر

بعد مسار غامض.. أين رَسَت السفينة الخاضعة للعقوبات الأمريكية؟

10/7/2026

بعد ضبابية محطتها النهائية بسبب اختفاء إشارتها، وتأرجح الاحتمالات بين موانئ متعددة في الساحل الغربي للقارة الإفريقية، أنهت البيانات الملاحية الغموض بشأن وجهة السفينة الروسية "MIKHAIL BRITNEV" التي أبحرت من بحر البلطيق، ومن ثم واصلت الإبحار جنوبًا حتى وصلت إلى نطاق ميناء لومي في توغو.

وعبر مواقع الملاحة البحرية، رصد فريق "إيكاد" وصول السفينة إلى الميناء يوم 9 يوليو/ تموز 2026، وتحديدًا عند الساعة (03:04) بالتوقيت العالمي "UTC"، بعد رحلة بحرية قطعت خلالها نحو 4173.3 ميلًا بحريًا. 

مرفق 110

حيث انطلقت من بحر البلطيق وعبرت المحيط الأطلسي بمحاذاة سواحل غرب أفريقيا حتى خليج غينيا.

مرفق 111

ورغم إعلان السفينة السابق أن وجهتها النهائية هي داكار، إلا أن فريق "إيكاد" رجح -في تقرير سابق- أن الوجهة الحقيقية لا تزال ضبابية، ووضع احتمالًا بوجود محطات أخرى، وذلك بسبب إخفاء إشاراتها عن الرادارات الملاحية، وهو ما زاد الريبة حول السفينة الخاضعة بالأساس لعقوبات أمريكية.

ويأتي الرصد الجديد ليؤكد أن الوجهة المعلنة سابقًا لم تكن الأخيرة، إذ واصلت السفينة إبحارها جنوبًا إلى لومي دون أن تَظهر -حسب المعطيات الحالية- في كوناكري، ما يضع توغو ضمن الموانئ المحتملة التي قد تستخدمها السفن الروسية كنقاط وصول أو عبور نحو مناطق النفوذ الروسي في أفريقيا. 

إكس

ممر بري محتمل نحو مالي

ورغم أن وصولها إلى لومي لا يحسم طبيعة حمولتها أو وجهتها البرية اللاحقة، لكنه يعزز فرضية وجود مسار لوجستي روسي عبر موانئ غرب أفريقيا يمكن استخدامه لنقل الإمدادات إلى الداخل الأفريقي، بما في ذلك دول الساحل.

كما أن وصول السفينة الروسية إلى لومي يفتح الباب أمام احتمال استخدام ممر بري يربط الميناء بباماكو عبر بوركينا فاسو، وهو احتمال ذكرته بعض المصادر، كما يدعمه إعلان توغولي، في مارس/ آذار 2025، عن بدء مرحلة تجريبية للربط الجمركي بين توغو ومالي عبر هذا المسار. 

وتزداد أهمية هذا السيناريو مع إعلان وزير الخارجية التوغولي، روبرت دوسي، في يناير/ كانون الثاني 2025، أن بلاده تدرس الانضمام إلى تحالف دول الساحل، بالتزامن مع تقارير عن تقارب مع موسكو واتفاقات تعاون عسكري، ضمن سياق توسع الدعم الروسي لتحالف مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ويأتي وصول السفينة الروسية إلى لومي بالتزامن مع تصاعد المعارك في شمال مالي، بعد هجمات شنتها جماعات مسلحة، في 4 يوليو/ تموز 2026، على مواقع في "أنيفس" و"غاو" و"أغيلهوك" و"سيفاري"، الأمر الذي يضفي حساسية إضافية على توقيت ظهور السفينة المرصودة قرب ميناء يرتبط برًا ببوركينا فاسو ثم باماكو، إذ يعزز فرضية اعتماد موسكو مسارات إمداد بديلة لدعم القوات المالية والفيلق الروسي مع اتساع نطاق القتال.

لؤي ضاهر.. جندي درزي بين صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي

مقال

لؤي ضاهر.. جندي درزي بين صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي

9/7/2026

رصد فريق "إيكاد" مقطعًا مصورًا نشره حساب إسرائيلي باسم "لؤي ضاهر"، في 28 يونيو/ حزيران 2026، ويظهر فيه شخص ملثم يرتدي زيًا عسكريًا كاملًا يتجول داخل سيارة عسكرية وسط مبانٍ مدمرة، ما يعطي احتمالًا بأنه جندي في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

مرفق 114 صورة من المقطع، تظهر لؤي ضاهر يتجول داخل مركبة عسكرية، فيما تظهر خلفه مبانٍ مدمرة يُرجح أنها في جنوب لبنان

وفي إطار تتبع الفريق لجنود الاحتلال وتوثيقه لانتهاكاتهم وجرائمهم في جبهات القتال المختلفة، سعى إلى التعرف على هوية صاحب الحساب وتحليل محتواه. وبتحليل أرشيف حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، توصل الفريق إلى أن "ضاهر" مجند ينحدر من بلدة ساجور ذات الغالبية الدرزية، خدم ضمن ما يسمى "حرس الحدود" التابع للشرطة الإسرائيلية، ونشر صورًا توثق تواجده خلال مناوبات على حواجز في الأراضي المحتلة.

مرفق 115 صور من أرشيف حسابات لؤي ضاهر تكشف خدمته في "حرس الحدود" الإسرائيلي ومناوباته على الحواجز في الأراضي المحتلة

كما وجدنا أنه نشر مقطعًا، في 14 يونيو/ حزيران 2026، مشابهًا للمقطع الذي لفت نظر الفريق في البداية وورد في صدر التقرير؛ إذ كان كذلك مرتديًا بزة عسكرية داخل سيارة تتجول بين مشاهد الدمار. وهو ما يشير إلى تواجد الجندي في مناطق الحرب الإسرائيلية؛ سواء داخل قطاع غزة أو في الجنوب اللبناني.

مرفق 116 صورة من المقطع، تظهر لؤي ضاهر يوثق مروره وسط أبنية مدمرة يُرجح أنها في جنوب لبنان أو قطاع غزة

ومطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2025، نشر ضاهر مقطعًا آخر أثناء تجوله مترجلًا مع زميل له وسط منطقة مدمرة، يُرجح أنها داخل قطاع غزة، كما وضع راية الطائفة الدرزية إلى جانب العلم الإسرائيلي.

مرفق 117

وبشكل عام، يخضع الرجال الدروز داخل إسرائيل للتجنيد الإلزامي منذ عام 1956، بخلاف غالبية الفلسطينيين في مناطق الداخل المحتل، فيما لا يشمل التجنيد الإلزامي النساء الدرزيات. وتقدر مصادر إسرائيلية نسبة التحاق الشبان الدروز بالخدمة العسكرية بنحو 80%. وبعد حل "كتيبة السيف" الدرزية عام 2015، دُمج المجندون الدروز في مختلف تشكيلات الجيش، بينها وحدات المشاة والمدرعات وحرس الحدود.

كما برزت مشاركة الجنود الدروز منذ اندلاع حرب غزة عام 2023 على الجبهتين الجنوبية والشمالية. ومن أبرز القتلى العقيد إحسان دقسة، قائد اللواء 401 المدرع، الذي قتل خلال عملية عسكرية في جباليا، وكان من أعلى الضباط رتبة الذين قتلوا في قطاع غزة. كما قتل المقدم عليم عبد الله، نائب قائد اللواء الإقليمي 300، خلال اشتباك قرب الحدود اللبنانية بعد يومين من اندلاع الحرب.