يوجد معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تعزز كتيبتها العسكرية في شمال شرق سوريا وكذلك في قاعدة “التنف” التي احتلتها بشكل غير قانوني منذ فترة طويلة
هكذا صرح المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، “ألكسندر لافرنتييف”، لوكالة “سبوتنيك” في يونيو 2023 مؤكدا أن روسيا لديها معلومات بأن الولايات المتحدة تعزز قواتها العسكرية في سوريا.1
أتى هذا التصريح بعد ما نشرته وسائل إعلام تركية في وقت سابق1، حول وصول تعزيزات للقواعد العسكرية الأمريكية بسوريا. حيث شملت تلك التعزيزات -حسب وكالة الأناضول التركية التي نقلت عن مصادر سورية محلية- موكبا عسكريا مكونا من 75 مركبة شملت مدرعات وشاحنات ذخيرة وعربات وقود جديدة تدفقت من معبر الوليد من العراق. ووصلت الجيش الأمريكي في مناطق الرميلان والشدادي في محافظة الحسكة، الخاضعين لسيطرة ما يُعرف بقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، كما وصلت لقاعدة “التنف” بمحافظة حمص.3
التواجد الأمريكي في سوريا
في ٢٦ موقعا…
حيث تنتشر القوات الأميركية بمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الوحدات الكردية. لكن، في أكتوبر/تشرين الأول 2019 إبان عملية نبع السلام التركية شمالي سوريا، انسحبت القوات الأميركية من غربي نهر الفرات إلى شرقه، لتعزز وجودها حول منابع النفط بشمالي شرقي سوريا.

على الجانب الآخر، نفى السكرتير الصحفي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، العميد بالقوات الجوية الأمريكية “بات رايدر” في 17 أغسطس 2023، وجود أي دور للجيش الأمريكي في حماية “الحدود العراقية السورية”، موضحا أن توفير أمن الحدود هو واجب الحكومة العراقية؛ وأن المهمة الأساسية للقوات الأمريكية في سوريا هي محاربة”تنظيم الدولة”.4
فيما انتشرت خلال شهري يونيو ويوليو 2023 تقارير إعلامية4، حول اجتماعات أجريت لتنسيق التعاون بين “الجيش الوطني”، صاحب النفوذ في ريف حلب الشمالي والشرقي، وقاعدة “التنف” العسكرية الأمريكية الواقعة على المثلث الحدودي بين الأردن وسوريا والعراق، لقتال الميليشيات الإيرانية شرقي سوريا، وقطع طريق “طهران- بيروت” عبر معبر “البوكمال” شرقي دير الزور، والسيطرة على الحدود السورية- العراقية. الأمر الذي نفته قيادة الجيش الأمريكي في سوريا.
في هذا التقرير لا تحاول إيكاد تأكيد أو نفي العملية العسكرية الأمريكية المزعومة؛ وإنما تكشف إيكاد في هذا التحقيق التغيرات التي حدثت خلال الفترة السابقة في هذه القاعدة المركزية التي تقع في المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق ضمن منطقة عازلة بعمق 55 كيلومترا، والتي تشكلت في إطار تفاهم أميركي روسي عام 2016، وعلاقة هذه التغيرات بدور قاعدة “التنف” العسكرية على الحدود العراقية السورية الأردنية كما يره قادة القوات الأمريكية.
ماذا نعرف عن قاعدة “التنف” العسكرية بسوريا؟

تأسست قاعدة “التنف” العسكرية عام 2016، بعد طرد “تنظيم القاعدة” من مناطق سيطرته على يد قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ومنذ ذلك الحين، استخدمتها الولايات المتحدة كقاعدة تدريب لجماعات من المعارضة السورية.
حيث قامت قاعدة “التنف” عند تقاطع الحدود السورية مع الأردن والعراق، وهي منطقة جغرافية تتبع إداريا لمحافظة حمص المحافظة الأكبر في سوريا، ويشير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في تقرير له إلى أنها تضم ما بين 100 إلى 200 من العسكريين الأميركيين، إلا أن تقارير أخرى تشير إلى أعداد أكبر، إضافة إلى وجود لجنود بريطانيين ومن دول أخرى مشاركة بالتحالف. 4
وتقع القاعدة على واحد من الطرق السريعة الرئيسية بين بغداد ودمشق؛ وهو الطريق الذي تنقل إيران من خلاله -وفق ما تقوله واشنطن- إمدادات الأسلحة من إيران إلى سوريا ومقاتلي حزب الله اللبناني، كما يحيط بالقاعدة حرم أو منطقة عازلة نصف قطرها يبلغ 55 كيلومترا تشكلت في إطار تفاهم أميركي روسي عام 2016. 4
و“التنف” هو الموقع الوحيد الذي تتواجد فيه القوات الأمريكية في سوريا خارج الشمال الذي يسيطر عليه المقاتلون الأكراد المدعومون من واشنطن. وتُستخدم القاعدة -وفق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى- لمواصلة العمليات ضد تنظيم الدولة، وإعاقة أنشطة وكلاء إيران في سوريا، وتعد في الوقت نفسه ورقة نفوذ في المفاوضات القائمة منذ فترة طويلة حول مستقبل سوريا.8
وبالإضافة لموقع القاعدة المميز على الحدود السورية العراقية الأردنية، يقع بالقرب من القاعدة مخيم للنازحين السوريين يسمى مخيم “الركبان”، الذي كان ملجأَ لأكثر من 50 ألف نازح سوري، رغم أن هذا العدد -وفق عدة مصادر- تراجع إلى نحو 10 آلاف على مرّ السنوات في ظل عودة عدد من قاطنيه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في أعقاب إبرام العديد من الصفقات مع دمشق.9
كما يحتضن “مخيم الركبان” عائلات فصيل المعارضة الرئيسي في “قاعدة التنف العسكرية”، والمسمى “جيش مغاوير الثورة”، وهي جماعة من ضباط وعسكريين سوريين سابقين ينحدر معظمهم من محافظة دير الزور التي سيطر تنظيم الدولة عليها في هجومه الواسع في سوريا والعراق صيف عام 2014 قبل طرده منها بعد أعوام.

يكشف هذا التقرير -عبر صور أقمار صناعية حصل عليها فريق إيكاد- توسعات وتحديثات شهدتها قاعدة “التنف” العسكرية تُنشر إعلاميا للمرة الأولى؛ فبالمقارنة بين صور الأقمار الصناعية الأحدث على برنامج Google Earth Pro والملتقطة بتاريخ 18 يونيو، 2022، وبين صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها إيكاد من برنامج Maxar الملتقطة في 1 أغسطس 2023، نكشف عن توسعات جديدة في القاعدة الأمريكية، شملت:
- تحصينات القاعدة
- البنية التحتية
- العتاد

الأمر الذي يثبت توسع القاعدة، ليس فقط على مستوى التحصينات والبنية التحتية والعتاد، بل كذلك على مستوى الوظيفة والدور الذي تلعبه في تلك المساحة الجغرافية المهمة على الحدود السورية العراقية الأردنية.

تحصينات جديدة في قاعدة التنف
من خلال المقارنة بين أحدث صورة عرضها برنامج Google Earth Pro وبين صور الأقمار الصناعية التي حصل عليها فريق إيكاد، يتضح حجم التوسع الذي تم في القاعدة الأمريكية خلال حوالي سنة وستة أسابيع شكلوا الفارق الزمني بين الصورتين.

Sentinel Hub | أبعاد قاعدة التنف في يونيو 2022
- المساحة: 1.45 كلم مربع
- المحيط: 5.15 كلم

Maxar | أبعاد قاعدة التنف في أغسطس 2023:
- المساحة: 1.86 كلم مربع
- المحيط: 5.91 كلم
حيث يتضح من المقارنة بين الصورتين أن مساحة القاعدة قد زاد بمقدار 0.41 كلم مربع (410,000 متر مربع) وزاد محيطها بمقدار 0.76 كلم (760 متراً).كما كشفت صور الأقمار الصناعية أن جل هذه الزيادة كانت لتعزيز العمق الاستراتيجي والتحصين، من خلال زيادة عدد السواتر الترابية على مساحات أكبر بمحيط القاعدة، التي يكون الهدف منها -عادة- هو ردع الهجمات البرية.
إذ تكشف صور الأقمار الصناعية التوسعات التي تمت في السواتر الترابية حول الشق الغربي من القاعدة، حيث زاد عمق هذه السواتر وتمت إضافة سور من المتاريس معها، والذي لم يكن موجودا من قبل؛ وهو من شأنه أن يضاعف الحماية.






كذلك لاحظنا من خلال مقارنة صور الأقمار في كل من يونيو 2022 وأغسطس 2023 زيادة في عدد الشباك المستخدمة للتمويه والحماية من هجمات المسيرات الانتحارية، والتي تم وضعها على عدد من مباني ومرافق القاعدة.


الامر الذي يؤكده صورة حيةنشرتها مجلة INSDER بتاريخ أبريل 2020، و تُظهر فيها نموذجاً لشباك التمويه والردع بقاعدة التنف خلف الجنود الأمريكيين.

تطويرات بالبنية التحتية بقاعدة التنف
كشفت صور الأقمار الصناعية لفريق إيكاد عن تمدد في أبنية القاعدة العسكرية، حيث أُضيفت مبانٍ جديدة لاستيعاب العتاد والجنود، ومساحات إضافية لاستضافة المركبات العسكرية واللوجستية. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء مدخل جديد شمال غرب القاعدة، بعد أن كان هناك مدخل وحيد فقط جنوب القاعدة. وتم تهيئة المدخل الجديد بطريق معبّد محاط بحواجز ويحتوي على “دوّار” لتنظيم حركة المرور ذهاباً وإياباً.


أما في وسط القاعدة، فقد أضيفت 4 مباني كبيرة يبلغ مجموع مساحتها 2,400 متر مربع، نرجح أن تكون مخازن للمعدات ومساكن للجنود، ما يعزز وجود تعزيزات بالقاعدة احتاجت هذا البناء الجديد.


كما ظهرت ثلاث مباني أخرى جديدة شمال هذه المباني الأربعة في وسط القاعدة، مساحاتها بلغت 250 متر مربع و200 متر مربع و150 متر مربع تباعاً.


وقد كشفت صور الأقمار الصناعية -كذلك- عن عمليات حفر وتعبيد، قامت بها عدة مركبات شرق هذه المباني الثلاثة، حيث ظهرت رقعة ترابية كاملة تبلغ مساحتها 16,000 لم تكن مستغلة سابقاً، ويبدو من موقع عمليات الحفر ومساحتها أنها عملية إنشاء لمخاز عتاد او حظائر مركبات عسكرية.






كما يظهر لنا في الشق الموجود شمال غرب القاعدة، المكان الذي تمت به تعزيز تحصينات السواتر الترابية كما ذكرنا سابقاً، استمرار عمليات البناء؛ فظهرت سواتر للمنظومات العسكرية التي تم تغطيتها بالشباك، بجانب مبانٍ صغيرة إضافية ومصف مركبات تبلغ مساحته 3,500 متر مكعب.



قاعدة التنف تتسلح بعتاد أمريكي جديد
لم تكن التحصينات والمنشآت الجديدة هي التوسعات الوحيدة في قاعدة “التنف” العسكرية، فقد كشفت صور الأقمار الصناعية عن إضافة أجهزة مراقبة متطورة تمثلت بجهاز كبير إضافي لالتقاط الإشارات، ومنظومة مراقبة متطورة (Persistent Threat Detection System) تمثلت بقاعدتها والمنطاد الأبيض الكبير، القادر على جمع المعلومات الاستخبارية لمدى يصل إلى 100 ميل بجميع الاتجاهات وعلى مدار الساعة طوال اليوم. وقد استُخدمت هذه المنظومة سابقاً من قبل قوات الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق.




وقد أُنشئت منظومة المنطاد في مساحة تبلغ 13,225 متر مربع، كما أحيطت بالسواتر والمتاريس، وأضيف إليها معدات للمنظومة وثلاث حظائر تم تغطيتها بشباك تمويه وحماية، بالإضافة إلى مناطق للمركبات والمعدات اللازمة:

وبجانب منظومة المراقبة، أظهرت صورة القمر الصناعي من Maxar دخول سرب عسكري مكون من مدرعات وشاحنات ومركبات مجموعها ٣٠ مركبة تقريباً. في شكل إمدادات عتاد وجنود أو أنها مركبات تابعة للقاعدة كانت موجودة بالأساس وقامت بمناورات أو عمليات لوجستية/عسكرية روتينية بالقاعدة.

رصدنا كذلك من خلال صور الأقمار الملتقطة بتاريخ ٤ سبتمبر 2023 من Sentinel Hub مقاتلة في المحيط المباشر لقاعدة التنف، وهو ما يعبر عن نشاط عسكري جوي بأجواء القاعدة:


عبر ما تم كشفه في هذا التقرير، يتضح لنا أن التوسيعات وزيادة التحصين والعتاد الذي شهدته قاعدة “التنف” العسكرية في سوريا لهم هدف أكبر مما تعلنه قيادة القوات الأمريكية في سوريا، وهو ما يتوافق مع ما ألمح إليه القائد السابق للقيادة المركزية للولايات المتحدة الجنرال “جوزيف فوتيل”، عندما ألمح إلى أهداف أوسع للقاعدة أثناء الإدلاء بشهادته أمام الكونجرس في عام 2018.
حيث قال:” لدى قاعدة النتف العسكرية قيمة مشتقة من كونها على طول الخط الرئيسي الذي يربط بين إيران ووكلائها في سوريا ولبنان.. وبينما ذلك ليس هو مهمتنا، فنحن ندرك التأثير غير المباشر الذي نملكه”.10
وبالإضافة إلى عرقلة هذا الطريق الرئيسي بين إيران وأذرعها في سوريا ولبنان، تلعب القاعدة دورا مهما -حسب تقرير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى- في تقديم الدعم اللوجيستي للغارات الجوية التي تشنها إسرائيل على النظام السوري وعلى مليشيات الحرس الثوري الإيراني المتواجدين في سوريا. 10
كما تؤدي القاعدة دورا في حماية حدود المملكة الأردنية والحدود الغربية للعراق 10 ، الأمر الذي نفته قيادة القوات الأمريكية، لكن ما كشفناه في هذا التقرير عبر صور الأقمار الصناعية يؤكد هذا الدور الذي تلعبه قاعدة النتف العسكرية على الحدود السورية العراقية الأردنية.
