
يفكر صلاح في اقتلاع أشجار الزيتون التي زرعها قبل بضع سنوات، إذ يقول إن إنتاجية الأشجار لم تعد تغطي حتى نفقاتها، وبات يبحث إمكانية زراعة محاصيل بديلة أكثر مقاومة للتغيّر المناخي.
في السنوات الثلاث الأخيرة، تعرّض محصول الزيتون في مصر لخسائر فادحة تجاوزت الخمسين في المئة، بحسب مصادر محلية لأسباب مناخية بالأساس، أهمها التذبذب غير المتوقع في درجات الحرارة.
وصار مزارعو الزيتون في موقف لا يحسدون عليه بسبب التراجع الحاد في الإنتاج، مما سدّد لهم ضربات مالية موجعة.
يقول صلاح: “لم يعد لدينا أي طموح؛ فالخسائر مستمرة. كنت أتطلع لبناء بيت وشراء سيارة جديدة. باتت كل هذ الخطط معلقة”.
وتعدّ مصر من أهم البلدان المنتجة لزيتون المائدة في العالم، لكنّ حدة التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة باتت تهدد هذه المكانة.
خيار المضطر
خيار المضطر
يصحبني صلاح إلى إحدى أشجار الزيتون في مزرعته الواقعة شمالي مصر، ويخبرني بأن هذه الشجرة كانت “عادة ما تحمل بين 50 إلى 60 كيلوغراما من الزيتون لكنها الآن بالكاد تحمل عشرة كيلوغرامات”.
يشعر صلاح، الأب لأربعة أبناء، بالارتباط الشديد بأشجاره. وبات التفكير في اقتلاعها هو خيار المضطر. “هل أفكر في الأشجار أم أفكر في أولادي الذين يحتاجون مبالغ كبيرة من أجل التعليم والزواج؟ ليس لدي خيارات أخرى”.
ويشكو صلاح غياب الدعم الحكومي في مواجهة كل هذه الخسائر. ويقول إن الحكومة لا تقدم لهم شيئا يُذكر، رغم أن المزارعين يحتاجون لدعم أسعار الأسمدة والمبيدات خاصة عندما تتضرر إنتاجية المحاصيل بفعل عوامل خارجة عن إرادتهم.
“تأثير صامت”
ذهبنا لوحدة الإنذار المبكر التابعة لوزارة الزراعة حيث يتم رصد الظروف المناخية لعشرة أيام مقبلة. ويُخطَر الفلاحون بهذه المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى عبر الرسائل النصية حتى يتحسبوا لأي تغيرات مفاجئة.
ويرى باحثون أن المناخ هو العامل الوحيد الذي يصعب السيطرة عليه في عملية الزراعة، مؤكدين أن قطاع الزراعة هو الأكثر هشاشة في مواجهة تغيرات المناخ.

بلال عبد الحميد، مساعد رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة المصرية
ويقول مساعد رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، بلال عبد الحميد، إن “تأثير التغيرات المناخية في مصر صامت؛ إذ لا يظهر في شكل ظواهر مناخية جامحة. لكن هذا التأثير يمس المحاصيل الزراعية بشدة. على سبيل المثال، إذا حدثت أي موجات برودة أو حرارة مفاجئة، في أي من المراحل الفسيولوجية المهمة لنمو المحصول، فقد يؤدي ذلك إلى تدمير المحصول بالكامل”.
ويدلل عبد الحميد على وجهة نظره بالخسائر الكبيرة التي مُنيت بها محاصيل مثل المانجو والزيتون العام الماضي. ويضيف عبد الحميد بأن التكيّف مع التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة بحاجة إلى دعم مالي كبير لا تقدر عليه حكومة بمفردها خاصة في الدول النامية، موضحا ضرورة تكاتف دول العالم من أجل التصدي لهذه التغيرات.
ويئّن الاقتصاد المصري من عجز مزمن في الميزانية، ومن ديون خارجية ضخمة، ومن نقص في العملة الأجنبية، ومن نسبة تضخم تصل إلى نحو 15 في المئة.
