تحقيق

حملة رقمية تحوّل فلسطين إلى متهم مسؤول عن العنف في فرنسا

20/10/2026

تشهد فرنسا، منذ منتصف سبتمبر/ أيلول 2026، احتجاجات طلابية تطالب بتحسين ظروف التعليم، اتسعت يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول إلى تعبئة واسعة ضد غلاء المعيشة، رافقتها أعمال حرق ونهب في عدة مدن.

وبالتوازي مع هذه الاحتجاجات، رصد فريق "إيكاد" عددًا من المنشورات على منصات التواصل تُخرج الاحتجاجات من سياقها المعيشي والتعليمي، وتقدمها كعنف مرتبط بفلسطين والمتضامنين معها، حتى سمّى بعضها باريس "Paristine"، في إشارة ساخرة إلى ما يزعمون أنه "استيلاء الفلسطينيين على باريس".

صور معدلة بالذكاء الاصطناعي

لاحظ الفريق أن كثيرًا من هذه المنشورات أُرفقت بصورتين يظهر فيهما محتجون يرفعون العلم الفلسطيني وسط الدخان والنيران؛ إحداهما أمام برج "إيفل"، والثانية أمام مبنى مشتعل. واعتُبرتا أنهما توثيق حقيقيّ للاحتجاجات في فرنسا، وتحولت الأعلام إلى أداة لربط القضية الفلسطينية بأحداث العنف التي تشهدها فرنسا.

لكن بعد فحص الصورتين، تبين أن في كليهما تدخلًا لأدوات الذكاء الاصطناعي. فمن خلال إخضاع الصورتين لعدد من نماذج كشف الصور المولدة، صُنفت مولّدة بنسبة ترجيح بلغت 99% و96%. وبالتدقيق البصري في الصورة الثانية، تظهر فيها علامات غير منطقية تعزز هذا الترجيح، منها تماثل ألسنة اللهب الخارجة من المبنى وتشابه الدخان المتصاعد منه.

ورغم أن الصورتين متلاعب فيهما بالذكاء الاصطناعي، لاقتا انتشارًا واسعًا على منصات متعددة؛ بينها "إكس" و"ريديت" و"فيسبوك" و"تيليغرام" و"إنستغرام" و"لينكدإن" و"ثريدز"، وعدد من المواقع الإلكترونية.

نماذج لمنشورات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

وبتتبع الصورتين عبر الأدوات المتخصصة، تبين أن "إكس" كان له النصيب الأكبر في كثافة تداولهما. ويوضح الرسم التالي كثافة نشرهما بين المنصات المختلفة؛ إذ تمثل الخيوط تطابق الصور بين المنشورات، فيما تشير الأسهم إلى الاقتباسات والإحالات.

مرفق 05 انتشار صورتي برج إيفل والمبنى المحترق عبر المنصات والمواقع الإخبارية بين 6 و18 أكتوبر/ تشرين الأول (إيكاد)

حجم الانتشار الرقمي

بسبب هذا الانتشار، سعى فريق "إيكاد" إلى معرفة نطاق تداول المنشورات التي ربطت احتجاجات فرنسا بفلسطين خلال الفترة من 14 إلى 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أي قبل ذروة الاحتجاجات يوم 17 أكتوبر وبعدها.

وبلغ المحتوى المرصود نحو 32.6 ألف منشور، بين منشورات أصلية وردود وإعادات نشر، صدرت عن نحو 20 ألف ناشر، بإجمالي نحو 517 مليون انطباع محتمل (أي عدد المرات التي يُقدَّر أن المحتوى ظهر فيها أمام المستخدمين).

مرفق 06 إجمالي المنشورات التي ربطت احتجاجات فرنسا بفلسطين وناشريها وانطباعاتها المحتملة، بين 14 و18 أكتوبر/ تشرين الأول 2026

ومن خلال الخريطة الزمنية لانتشار المحتوى، تبين أن التداول ظل محدودًا نسبيًا خلال الأيام الثلاثة الأولى، ثم قفز إلى 12,413 منشورًا يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول، و17,221 منشورًا يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول، وسُجلت ذروته عند 2,300 منشور بين الساعة 02:00 و02:59 بتوقيت لندن في اليوم نفسه.

مرفق 07 عدد المنشورات في كل ساعة بين 14 و18 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بتوقيت لندن

إكس استحوذ على الغالبية الساحقة من منشورات الصورتين، وبلغ الانتشار ذروته يومي 17 و18 أكتوبر

عدد المنشورات التي نشرت صورتي برج إيفل والدخان والمبنى المحترق والعلم الفلسطيني، موزعة حسب المنصة وفترة النشر (كل نقطة تمثل منشورًا واحدًا)

تركّزت 92.4% من منشورات الحملة في يومي 17 و18 أكتوبر بعد أيام من النشاط المحدود

عدد منشورات الحملة يوميًا بين 14 و18 أكتوبر 2026، بتوقيت لندن (الإجمالي 32055 منشورًا)

كان من اللافت أن المحتوى الأصلي لم يتجاوز من هذه الحصيلة 189 منشورًا، ما يعني أن 99.42% من تداول السردية جاء على هيئة ردود وإعادات نشر لعدد محدود من المنشورات، وهو ما يطرح احتمالًا بوجود عملية تضخيم ممنهجة لهذا المحتوى.

منشورات التضخيم شكّلت 99.42% من المنشورات، بنحو 171.5 منشورًا لكل منشور أصلي

عدد المنشورات المرتبطة بسرديات احتجاجات باريس بين 14 و18 أكتوبر 2026 مقسّمة إلى أصلية وتضخيم

ما السرديات التي روّجت لها المنشورات؟

بمراجعة مضمون هذه المنشورات، رصد الفريق عددًا من السرديات المترابطة؛ مثل تحميل المتضامنين مع فلسطين مسؤولية العنف في فرنسا، وربط العلم الفلسطيني بالإرهاب واعتبار القضية تهديدًا لأوروبا، وتصوير باريس كمدينة استولى عليها الفلسطينيون وتحتاج إلى تحرير.

تحميل المتضامنين مع فلسطين مسؤولية العنف

من خلال صور الأعلام الفلسطينية، نسبت حسابات أعمال الحرق والنهب في فرنسا إلى المتضامنين مع فلسطين، واصفة إياهم بـ "العصابات" الداعية إلى "فلسطين حرة".

تحويل العلم الفلسطيني إلى رمز للعنف والإرهاب

أما العلم الفلسطيني نفسه، فقدّمته حسابات علامةً على العنف والإرهاب، بأوصاف مثل "راية العنف" و"الرمز العالمي للإرهاب"، مع تكرار الادعاء بأن ظهوره يقترن بالتخريب.

ثمن الاعتراف بفلسطين

وذهبت حسابات إلى أن الاضطرابات الحادثة تعد ثمنًا للاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، زاعمة أن أعمال التخريب نتيجة لدعم القضية، واستخدمت السخرية للإيحاء بأن فرنسا قوبلت العنف مقابل اعترافها بفلسطين.

مرفق 14 نماذج لمنشورات صوّرت الاضطرابات في فرنسا ثمنًا لاعترافها بالدولة الفلسطينية

تصوير باريس مدينة استولى عليها الفلسطينيون

واستخدمت حسابات أخرى تسمية "Paristine"، في إشارة ساخرة تهدف إلى تصوير باريس كمدينة استولى عليها الفلسطينيون. ووصفت بعض المنشورات باريس بأنها دولة "محتلة" من قبل الفلسطينيين، وطالب البعض بتحريرها "Free Paristine".

تهديد لأوروبا

واتسع الاتهام ليمتد إلى المسلمين عمومًا، إذ ربطت حسابات الاحتجاجات بادعاءات عن تخريب أوروبا وتهديد مجتمعاتها، بما يحول وقائع محددة إلى اتهام ديني وجماعي.

من أبرز المشاركين في الحملة؟

من خلال تتبع الحسابات المشاركة في الحملة، رسم فريق "إيكاد" خريطة تحوي أبرز الشخصيات والحسابات التي روجت لهذه السرديات، موزعةً على مجموعات أمريكية وأوروبية وإسرائيلية وعربية، تتقاطع منشوراتها في تحميل القضية الفلسطينية ورموزها مسؤولية الاضطرابات.

مرفق 21 أبرز الشخصيات والحسابات التي ربطت فلسطين باحتجاجات فرنسا، موزعةً على أربع مجموعات | إيكاد

المجموعات الأمريكية والأوروبية اليمينية

من الجانب الأمريكي والأوروبي، ربطت حسابات ذات توجهات يمينية التضامن مع فلسطين بأعمال التخريب، ووصفت العلم الفلسطيني بأنه "علم الفوضى والكراهية والدمار" وأنه "يمثل ازدراء البشر والعنف"، وبأن "فلسطين الحرة قنبلة حارقة على فرنسا".

الحسابات الإسرائيلية

أما الحسابات الإسرائيلية، فوظفت مشاهد الاضطرابات لقلب خطاب التحرير الذي يطالب به المتضامنون مع فلسطين، وتصوير أوروبا كطرف يحتاج إلى التحرر من الحضور الفلسطيني.

مرفق 24 منشور لسفير إسرائيل في جورجيا "Walid Abu Haya" يتساءل عمّن يحتاج إلى التحرير، فلسطين أم أوروبا

الحسابات العربية المؤيدة للرواية الإسرائيلية

والتقت حسابات عربية مؤيدة للرواية الإسرائيلية مع هذا الخطاب، فربطت كذلك بين العلم الفلسطيني والحرائق، ووسعت الاتهام ليشمل الممارسات الدينية لأشخاص ظهروا في مشاهد الاحتجاجات.

مرفق 25 منشور للناشط العراقي سفيان السامرائي يربط صلاة أشخاص في الشانزليزيه بأعمال التدمير في باريس

الخلاصة

يخلص التحقيق إلى أن صورتين معدلتين بالذكاء الاصطناعي، قُدّمتا على أنهما توثيق حقيقي لاحتجاجات فرنسا، واستُخدمتا لربط العلم الفلسطيني بالعنف والتخريب، وصولًا إلى اتهام المسلمين والمهاجرين.

وبلغ المحتوى الذي ربط الاحتجاجات بفلسطين نحو 32.6 ألف منشور بين 14 و18 أكتوبر/ تشرين الأول، لم يتجاوز الأصلي منها 189 منشورًا، وسُجلت ذروته يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول، ما يكشف اعتماد الانتشار على إعادة تداول عدد محدود من المنشورات.

وشاركت في نشره حسابات مؤيدة لإسرائيل، وأخرى من اليمين الأوروبي والأمريكي، وحسابات عربية تتبنى الرواية الإسرائيلية، تقاطعت في تصوير فلسطين تهديدًا لأوروبا، والاضطرابات ثمنًا لاعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية.