بعد حادث "فلاي دبي".. "إيكاد" تحلل الأرشيف الرقمي لحساب باسم "همام الهمامي"
تداولت وسائل إعلام اسم "همام الهمامي" بوصفه مساعد الطيار المشتبه في أنه هاجم قائد رحلة "فلاي دبي" المتجهة إلى إسرائيل بهدف السيطرة على الطائرة، يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2026. واستند تداول الاسم إلى مصادر إعلامية وأمنية لم تكشف هوياتها، فيما لم تصدر الجهات الرسمية ذات الصلة، حتى إعداد هذا التقرير، بيانًا علنيًا يثبت هوية المشتبه به أو يوضح ما نُشر عن مساره المهني والأمني.
وعبر استخدام أدوات المصادر المفتوحة، عثر فريق "إيكاد" على حساب طيار يحمل الاسم نفسه "همام الهمامي"، ما قاد في النهاية إلى استعادة أكثر من ثلاثة آلاف منشور محذوف من حسابه على منصة "X".
كيف وصل الفريق إلى أرشيف الحساب؟
بالبحث عن الاسم المتداول، عثر الفريق على صفحة محفوظة في موقع "رتِّبها" باسم "الطيار همام الهمامي" وبمعرّف "@PilotHamam". ويجمع الموقع السلاسل المنشورة على منصة "X" بطلب من المستخدمين، ثم يعرضها في صفحات قابلة للقراءة والحفظ والمشاركة.
وتحتفظ الصفحة بنبذة الحساب القديمة، وفيها يعرّف صاحبه نفسه بأنه "طيار مدني". كما تعرض سلسلة (Thread) من 14 منشورًا كتبها عن دراسة الطيران وشروطها ورخصها وتكاليفها ومراحل التدريب.
وبالبحث عن الحساب نفسه على منصة "X"، لم يعثر عليه الفريق، ما يعني أنه حُذف. وبدت حسابات أخرى تحمل الاسم نفسه أو تتبع الهمامي على مختلف مواقع التواصل محذوفة أو متوقفة. غير أن ظهور المعرّف في "رتّبها" فتح الطريق إلى الأرشيفات الرقمية، التي قادت الفريق إلى آلاف المنشورات التي اختفت من المنصة الأصلية.
استعادة منشورات الحساب
من خلال البحث في النسخ المحفوظة على "أرشيف الإنترنت" (Wayback Machine) عن الحساب ذي المعرّف "@PilotHamam"، تبين أنه يحمل رقمًا تعريفيًّا: "1464486872776953860". وبين نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 و29 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، حصر الفريق 3,044 منشورًا مؤرشفًا نشرها هذا الحساب؛ من بينها 2,994 منشورًا مقروءًا، تتوزع بين منشورات أصلية واقتباسات (107) وردود (2,994).
وأضاف الفريق إلى التحليل بيانات الحساب الخام المحفوظة في 39 نسخة في تواريخ مختلفة، ومنها الاسم والنبذة وعدد المنشورات والمتابعين. ويرجّح الفريق أن الحساب أُنشئ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، ثم بلغ عدد منشوراته 1,787 منشورًا في 17 سبتمبر/ أيلول 2022، قبل أن يهبط إلى ثمانية منشورات فقط في 29 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، أي أن نحو 99.5% من محتواه حُذف.
ما الصورة التي رسمتها المنشورات عن صاحب الحساب؟
بعد جمع هذه المعطيات، بدأ الفريق في قراءة النصوص المتاحة وتحليلها، لا سيما المتعلق منها ببعض الملفات والقضايا؛ مثل الجماعات الجهادية وسوريا وإيران و"حزب الله" والحوثيين وفلسطين وإسرائيل والتطبيع.
لكن من المهم التأكيد هنا على أن كل معلومة يذكرها صاحب الحساب تعبر عما طرحه هو، ولم يتحقق منها الفريق بشكل مستقل. كما أن معظم المواد المتاحة تمثل ردودًا على منشورات أخرى لم يحتفظ بها أرشيف الانترنت، وهو ما يجعل سياق بعض العبارات والردود ناقصًا. كذلك يجب الإشارة إلى أن غياب مصطلح أو جملة عن الأرشيف لا تقطع بالضرورة بعدم ذكرها إطلاقًا على الحساب.
وبالتالي، تتيح المنشورات إعادة بناء الصورة التي اختار صاحب الحساب أن يقدّمها عن نفسه، من هويته المعلنة وصلاته العائلية، إلى أماكن إقامته وسفره، فمساره الدراسي والمهني، ثم مواقفه الدينية والاجتماعية والسياسية.
هويته وعائلته
قدّم صاحب الحساب نفسه باسم "الطيار همام الهمامي"، وقال، في فبراير/ شباط 2022، إن عمره 25 عامًا، ما يرجّح أنه من مواليد 1996 أو 1997، إن صحّت روايته. وفي سبتمبر/ أيلول 2022، عرّف نفسه بأنه عُماني"، بعد أشهر اكتفى فيها بالقول إنه من "دولة خليجية مجاورة"، نافيًا أن يكون سعوديًا أو عراقيًا أو إيرانيًا.
وفيما يخص عائلته، ذكر صاحب الحساب أن والدته سورية من قبيلة "شمر"، وأن أخواله من جنوب سوريا، وأن للعائلة أقارب وممتلكات سابقة هناك. وأفاد كذلك بأن والده محامٍ، كما تحدث عن أخٍ له يدرس في بريطانيا، وأقارب يعيشون في شمال تركيا.
إقامته وتنقلاته
يقول صاحب الحساب إنه يقيم مع عائلته في مسقط. كما أنه كتب في أكثر من منشور أنه عاش في سوريا "عدة سنوات" أو "فترة"، وأنه كان يزورها باستمرار، دون أن يحدد المدينة أو السنوات التي أقام فيها هناك.
لكنه تحدث أيضًا عن مشاهدته طريقة معاملة اللاجئين العراقيين واللبنانيين في سوريا، ومن ذلك يقدّر الفريق أن إقامته هناك كانت بعد عام 2003 وقبل 2011، وهو تقدير زمني يستند إلى تحليل منشوراته لا إلى تصريح مباشر منه. وذكر كذلك أنه درس الصف السابع في دولة عربية لم يسمّها، ويرجّح عمره أن ذلك كان بين عامي 2008 و2010.
وتكشف منشورات صاحب الحساب حركة سفر واسعة يربطها بعمله في الطيران، تمتد من السعودية والهند وباكستان وتنزانيا، إلى رحلات شخصية إلى مصر وتركيا وأذربيجان.
مساره التعليمي والمهني
تبدو رواية صاحب الحساب عن مساره متسقة زمنيًا في معظمها. فقد قال إنه ابتُعث في الثامنة عشرة من عمره لدراسة الهندسة، ثم غيّر تخصصه وقضى خمس سنوات بين أستراليا وبريطانيا ونيوزيلندا، وصفها بأنها "السنوات الذهبية" لالتزامه الديني، وقال إن هذا الالتزام تراجع كثيرًا بعد عودته.
كذلك ذكر أنه درس فترة في جامعة "RMIT" في ملبورن الأسترالية، وتدرّب على الطيران في نيوزيلندا وبريطانيا، وأنه تعلّم الإنجليزية في ثلاثة أشهر حين كان في الخامسة عشرة.
وبعد عودته، قال إنه عُيّن طيارًا في الثالثة والعشرين، وإنه أمضى في الوظيفة سنتين حتى يناير/ كانون الثاني 2022، ما يضع بداية عمله، وفق روايته، في حدود عام 2020.
تطرقت منشوراته كذلك إلى تواجده في قمرة قيادة طائرات "بوينغ 737"، وحدد طرازات NG وMAX و900، بعد أن ترك طائرة "سيسنا 172" (Cessna 172). ووصف رحلاته بأنها تكون "مع الكابتن"، ما يرجّح أنه كان يعمل مساعد طيار. أما جهة عمله فلم يسمّها، واكتفى بنفي العمل في "طيران ناس" أو "الخطوط السعودية".
لكن لاحظ الفريق غموضًا نسبيًا في روايات الحساب عن تعليمه الجامعي، حيث ذكر مرة أنه كان طالبًا جامعيًا، في حين قال -في منشور آخر- إنه ترك الجامعة من أجل الوظيفة، وفي منشور ثالث كتب أنه لم يدرس في جامعة.
ويجمع الجدول التالي محطات هذا المسار كما رواها في منشوراته.
أفكاره وقناعاته السياسية والدينية
تداولت حسابات وتقارير ادعاءات بأن إقامة الهمامي السابقة في سوريا أسهمت في تشدده المفترض، دون أن تقدّم دليلًا على هذه الصلة. أما تحليل منشوراته فيرجّح أن تلك الإقامة كانت في طفولته، قبل اندلاع الثورة السورية، أو على الأقل قبل مرحلة صعود التيارات الجهادية الكبرى. وفي المقابل، قال -كما ذُكر أعلاه- إن ذروة التزامه الديني كانت خلال سنوات دراسته في أستراليا وبريطانيا ونيوزيلندا.
ومن خلال تحليل منشوراته، حاول الفريق التعرف على ملامح أفكار صاحب الحساب، عبر البحث عن مواقفه بشأن الجماعات الجهادية وأفكارها، والموقف من سوريا وإيران و"حزب الله" والحوثيين، إضافة إلى القضية الفلسطينية والتطبيع والاحتلال الإسرائيلي.
مع التأكيد مجددًا على أن المنشورات وما فيها لا يرقيان للجزم بأي أفكار أو قناعات يعتنقها صاحب الحساب، لكنها قد تكون مؤشرًا بطبيعة الحال. لا سيما وأن الحساب كان يتعمد غياب السياسة عن منشوراته، ففي فبراير/ شباط 2022، أضاف إلى نبذة حسابه عبارة تعلن تجنّبه الحديث في السياسة.
هل تظهر في منشوراته أفكار جهادية؟
خلت النصوص المتاحة من أي ذكر لـ "تنظيم الدولة" أو "القاعدة" أو "طالبان" أو "جبهة النصرة" أو "هيئة تحرير الشام"، ومن أي ثناء صريح على جماعة مسلحة أو دعوة إلى تنفيذ عمل مسلح. ووردت كلمة "الجهاد" مرتين فقط، بمعنى مجاهدة النفس في الحالتين، الأولى في نصيحة بالمحافظة على الصلاة، والثانية في ردّه على شخص كان يتحدث عن الانتحار.
ماذا قال عن سوريا؟
ورغم الصلات العائلية التي ذكرها بسوريا، خلا الأرشيف المتاح من أي ذكر لبشار الأسد أو نظامه أو رموزه، ومن أي موقف من المعارضة أو من التدخلين الروسي والإيراني. وورد ذكر "الثورة السورية" في منشور واحد، لم يتخذ فيه موقفًا صريحًا من الثورة أو النظام، غير أن تسميته لها "ثورة"، خلافًا لتسميات النظام وحلفائه حينها، قد تشير إلى وقوفه في صفها.
إيران و"حزب الله" والحوثيون
لم يعثر الفريق على موقف سياسي أو عقائدي من إيران أو من الحوثيين، ولا على ذكر لـ"حزب الله" أو حسن نصر الله أو قاسم سليماني أو علي خامنئي أو "الحشد الشعبي" أو الفصائل العراقية.
وظهر اسم إيران مرتين فقط، الأولى حين نفى أن يكون عراقيًا أو إيرانيًا، والثانية حين ذكر أن بين أساتذة جامعة "RMIT" إيرانيين، دون مضمون سياسي في المرتين.
فلسطين وإسرائيل والتطبيع
ويغيب عن الأرشيف أي موقف من القضية الفلسطينية أو الاحتلال الإسرائيلي أو التطبيع، وأي ذكر مباشر لإسرائيل أو غزة أو القدس أو المسجد الأقصى. وورد الفلسطينيون في ستة منشورات بوصفهم إحدى الجنسيات العربية المقيمة في الخليج، ضمن نقاشات اجتماعية عن الاختلاط والابتزاز، لا تحمل مضمونًا سياسيًا يتعلق بفلسطين. وفي إحدى المرات، ذكر أن "بدو فلسطين" يعيشون في خيام في الجولان وما حولها، في منشور لا يتضمن كذلك موقفًا سياسيًا من القضية الفلسطينية.
مقطعان على "إنستغرام"
بعد نحو أربع سنوات من آخر ما حفظه الأرشيف في الشهور الأخيرة لعام 2022، ظهر للمعرّف نفسه أثر على "إنستغرام"، إذ رصد الفريق في نتائج بحث "غوغل" مقطعين مصورين نشرهما حساب على "انستغرام" يحمل اسم "همام الهمامي" والمعرّف "@pilothamam". واحتفظت نتائج البحث بصور المحتوى من الخارج وأجزاء من وصفه، بينما لم يعد الحساب متاحًا على المنصة.
يعرض المقطع الأول صورة ليلية مركّبة تربط مكة والمدينة والمسجد الأقصى، أرفق بها الحساب ترجمة إنجليزية لمطلع آية الإسراء: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله...". ويُظهر الثاني مشهدًا من داخل قمرة طائرة، وفي وصفه أنه "صدقة جارية" له ولوالديه ولأساتذته ولكل سامع وسامعة، مع وسوم مرتبطة بالطيران والسعودية ودبي.
وبعد فحص بيانات المقطعين عبر الأدوات المتخصصة، تبين أنهما نُشرا بعد هبوط طائرة "فلاي دبي" في "تبوك" بنحو 9 إلى 10 ساعات، لكن ذلك لا يحسم بمفرده هوية ناشرهما، أو ما إن كانا مجدوليْن مسبقًا. ورغم أن المقطع الثاني يظهر في "جوجل" بتاريخ 29 سبتمبر/ أيلول 2026، إلا أن ذلك قد يُعزى إلى اختلاف التوقيتات بين المناطق المختلفة، أو إلى توقيت الفهرسة.
الخلاصة
بعد تداول تقارير إعلامية وصحفية اسم الطيار "همام الهمامي" واتهامه بالضلوع في حادث "فلاي دبي" يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2026، عثر فريق "إيكاد" على الأرشيف الرقمي لحساب يحمل ذات الاسم، بمعرف "@pilothamam"، ويعرف نفسه بأنه "طيار مدني". وبعد تحليل آلاف المنشورات المؤرشفة على الشبكة، لم يعثر الفريق على موقف أيديولوجي أو سياسي واضح يتبناه صاحب الحساب تجاه الجماعات الجهادية، وكذلك سوريا وإيران و"حزب الله" والحوثيين وفلسطين وإسرائيل.