مواقع إثيوبية مشبوهة تعود للنشاط.. ما علاقتها بإمداد "الدعم السريع"؟
في ظل تصاعد الحديث عن الدور الإثيوبي في مسارات إمداد قوات الدعم السريع، وبالتزامن مع تصعيد العمليات العسكرية في ولاية "النيل الأزرق" السودانية، رصد فريق "إيكاد" نشاطًا متجددًا في أربعة مواقع متجاورة داخل إقليم "بني شنقول قمز" الإثيوبي: قاعدة للجيش الإثيوبي غربي مدينة أسوسا، وموقعان يُحتمل ارتباط بنيتهما التحتية بالدعم السريع، ومطار أسوسا.
قاعدة الجيش الإثيوبي في "أسوسا"
كانت البداية من رصد الفريق مقطعًا مصورًا نشره حساب محلي في أسوسا على منصة "فيسبوك"، يظهر موقعًا عسكريًّا ممتدًّا بعدة مداخل ومبانٍ ومخازن، وحركةً في محيطه، وشاحنات على الطريق المحاذي له. وذكر ناشر المقطع أن الشاحنات محمّلة بسلاح وعتاد موجّه للدعم السريع، وهو ما لا يظهر في المشاهد؛ فالمقطع يوثّق الموقع والحركة حوله، ولا يوثّق محتوى الشاحنات ولا وجهتها.
وبمطابقة معالم الموقع الظاهرة في المقطع مع صور الأقمار الصناعية، حدد الفريق الموقع عند الإحداثيات: (10.102820, 34.580853)، وهي ذاتها إحداثيات قاعدة تابعة للجيش الإثيوبي غربي مدينة "أسوسا". وجدير بالذكر أن هذه القاعدة تبعد نحو 100 كيلومتر عن الكرمك في ولاية النيل الأزرق، وهي الجبهة التي عادت إليها العمليات القتالية في أغسطس/ آب، بعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على مدينتها الرئيسية في 8 يوليو/ تموز 2026.
وبالعودة إلى تسلسل صور الأقمار الصناعية الملتقطة للقاعدة بين 3 يناير/ كانون الثاني و13 مايو/ أيار 2026، كشفت اللقطات الحديثة وجود أعمال تجريف وإنشاء مبان جديدة لم تكن موجودة مطلع العام.
وبالمقارنة بين صورتين ملتقطتين في 3 مايو/ أيار و28 أغسطس/ آب، رصد الفريق أعمال تجريف وتطوير شمال القاعدة، إضافة إلى تغيرات في موقعين آخرين شرق القاعدة وجنوبها.
وتتقاطع المعطيات السابقة مع ما كشفه تقرير لمختبر البحوث الإنسانية بجامعة "ييل" نهاية أغسطس/ آب 2026، حيث رصد نشاطًا مكثفًا في ذات القاعدة، إذ أحصى وجود نحو 100 عربة قتالية خفيفة يوم 28 أغسطس/ آب، بزيادة تبلغ ستة أضعاف ما كان موجودًا في 23 أغسطس/ آب. وبين العربات خمسٌ على الأقل مزودة بأسلحة، و15 تتسق مع ناقلات جند مدرعة، إلى جانب 14 مقطورة لنقل المركبات رُصدت كلها بوضعية اتجاه الخروج، وثماني شاحنات شحن، و15 حاوية جديدة تضاف إلى 60 حاوية منذ 29 يونيو/ حزيران.
ويقدّر المختبر أن هذا العتاد يكفي قوةً بحجم فوج كبير إلى لواء، قادرة على نقل 750 إلى 1000 مقاتل، ويتوقع سقوط ضحايا مدنيين ونزوحًا عابرًا للحدود نحو إثيوبيا. ويرى التقرير أن حشد العتاد في "أسوسا" قد ينذر بهجوم واسع على "الدمازين"، بما يحمله من مخاطر على المدنيين والنزوح نحو إثيوبيا، كما قد يكون جزءًا من محاولة لتشتيت الجيش السوداني عن شمال كردفان، ما يرفع احتمال حدوث عمليات متزامنة في الأبيض ومحيطها.
موقعان يرجح ارتباطهما بالدعم السريع
وخلال الأشهر السابقة، أثير الجدل حول موقعين إثيوبيين تحدثت تقارير عن استخدامهما في كمعسكرات للدعم السريع، ورصدت "إيكاد" سابقًا عمليات إخلاء لبنيةٍ تحتية في هذين الموقعين، ما أعطى آنذاك احتمالية بانتهاء دورهما خلال تلك المرحلة. لكن تتبع تطوراتهما بعد ذلك التاريخ قد يشير إلى نتيجة مغايرة.
ففي الموقع الأول (10.41789, 34.85592)، تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 2 يونيو/ حزيران و28 أغسطس/ آب عمليات تجريف وشقّ مسارات جديدة حول الموقع، دون أن تُظهر عودة الخيام التي رُصد تفكيكها سابقًا.
وفي الموقع الثاني (10.47846, 34.5145)، الذي رصده الصحفي هاني إبراهيم كذلك، عادت الحركة بين 9 يونيو/ حزيران و31 أغسطس/ آب، وظهرت أجسام بيضاء داخل الموقع.
ويكشف تتبّع الموقعين المرجّحين دورة واضحة: أعمال تطوير وتجريف وبناء مطلع 2026، ثم مؤشرات إخلاء وانحسار بحلول مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، ثم عودة النشاط منذ يونيو/ حزيران وحتى أواخر أغسطس/ آب.
ويكتسب النمط دلالته عند وضعه إلى جانب الواقع الميداني في جبهة النيل الأزرق؛ إذ تزامنت موجة التطوير الأولى مع تقدّم الدعم السريع حتى سيطرته على الكرمك في مارس/ آذار، وتزامنت عودة النشاط مع استئناف العمليات في أغسطس/ آب.
مطار أسوسا
وفي مطار أسوسا، الأقرب إلى الحدود السودانية، رصد الفريق بين 9 يونيو/ حزيران و31 أغسطس/ آب أعمال تجريف وتشييد مبنى، وتغيّرًا في مظهر المدرج يتسق مع إعادة طلائه.
وظهر على ساحة المطار، في 17 أغسطس/ آب، جسمٌ كبير يرجّح الفريق أنه طائرة شحن من طراز "إليوشن-76" (Il-76)، وهو أول ظهور من هذا النوع في مدى الرصد الممتد منذ يونيو/ حزيران، ثم ظهر في الموضع نفسه في اليوم التالي.
وعبر مواقع التتبّع الملاحي، رصد الفريق اتجاه طائرات تابعة لشركة "باتوت إير" (Batot Air) من "هرار ميدا" إلى وجهات إثيوبية، ما يفتح احتمالًا بأن الطائرة المرصودة قد تكون تابعة لهذه الشركة، دون أن يرقى ذلك لمرتبة الجزم بطبيعة الحال.
الخلاصة
من المعطيات السابقة، خلص الفريق إلى اجتماع ثلاثة مسارات متزامنة في أسوسا: عودة النشاط إلى موقعين سبق ترجيح ارتباطهما بالدعم السريع، وتصعيد في عتاد قاعدة الجيش الإثيوبي، ومؤشرات جديدة على نشاط في المطار.
ولا يثبت ذلك منفردًا أن هذه المنشآت تُستخدم مباشرةً في إمداد الدعم السريع، لكنه يرسم نمطًا متماسكًا من التوسع والتجهيز وإعادة التنشيط قرب الحدود السودانية، في توقيتٍ يتزامن مع تصاعد العمليات في النيل الأزرق. وفي هذا السياق، اتهمت الخرطوم أديس أبابا، في 5 مايو/ أيار 2026، بأن مسيّرات ضربت مطار الخرطوم وقاعدة وادي سيدنا انطلقت من مطار بحر دار، واستدعت سفيرها في اليوم نفسه، فيما تنفي إثيوبيا هذه الاتهامات وتصفها بأنها لا أساس لها.
ومن زاوية أخرى، لم تقدّم أديس أبابا حتى الآن توضيحًا علنيًّا مفصّلًا يفسّر طبيعة هذه المواقع والتوسعات والنشاط اللوجستي المرصود في أسوسا ومحيطها، أو الغرض من المنشآت التي ظهرت أو أُعيد تنشيطها. وفي المقابل اتجهت روايات مضادة إلى التشكيك في أصل هذه المعطيات، وصولًا إلى حملات نُسبت إلى لجان وحسابات إثيوبية قدّمت تفسيرات بديلة أو نفت ارتباط المواقع بالدعم السريع. وسبق أن فنّد الفريق هذه الروايات في تحقيقين، أولهما عن اختفاء المواقع وإخلائها، والثاني عن حملة اللجان الإثيوبية.