مقال

كيف تحولت "كالينينغراد" إلى نقطة احتكاك عسكري بين الروس والناتو؟

15/9/2026

رصد فريق التتبع الملاحي في "إيكاد" نشاطًا مكثفًا لطائرة نقل عسكرية روسية بين موسكو وسانت بطرسبرغ ومحيط "كالينينغراد"، خلال النصف الثاني من شهر أغسطس/ آب 2026. وخلال الفترة ذاتها تقريبًا، لاحظ الفريق نشاطًا مماثلًا في النطاق الجغرافي نفسه لطائرات تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وللقوات الأمريكية والبريطانية.

وفي هذا السياق، يرصد التقرير التحركات الجوية من الجانبين خلال الفترة الأخيرة، ويحاول الإجابة عن سبب كثافة النشاط خلال شهر أغسطس/ آب 2026.

النشاط الروسي فوق البلطيق

عبر البيانات الملاحية، رصد الفريق طائرة نقل تابعة لـ "الحرس الوطني الروسي" من طراز "توبوليف Tu-134AK"، تحمل رقم التسجيل "RF-65990"، تكرر تحليقها في محيط "كاليننغراد" 5 مرات على الأقل خلال 11 يومًا. وحسب أرشيف الطيران الروسي "أفيابيكس" (Aviapix)، تُستخدم هذه الطائرة لنقل قيادات وزارة الدفاع الروسية والبريد والركاب.

كانت البداية من رحلة رصد الفريق إقلاعها من مطار "تشكالوفسكي" العسكري في موسكو (CKL)، يوم 27 أغسطس/ آب 2026، ومرّت بسانت بطرسبرغ ثم اتجهت غربًا فوق بحر البلطيق إلى "كالينينغراد"، واستغرقت أربع ساعات و42 دقيقة قبل الهبوط عند الساعة 08:41.

مرفق 01 مسار الطائرة الروسية "RF-65990" من موسكو إلى سانت بطرسبرغ، ثم المرور غربًا فوق بحر البلطيق إلى "كالينينغراد" في 27 أغسطس/ آب 2026 (Flight Radar 24)

وبعدها، رصد الفريق عودة الطائرة نفسها من"كالينينغراد" مرورًا بسانت بطرسبرغ، باتجاه موسكو.

مرفق 02 مسار عودة الطائرة الروسية "RF-65990"من محيط كالينينغراد إلى سانت بطرسبرغ في اتجاه موسكو، في 27 أغسطس/ آب 2026 (Flight Radar 24)

وبالعودة إلى السجل الملاحي للطائرة خلال الأشهر الستة الماضية، تبين أن الوتيرة تصاعدت خلال النصف الثاني من شهر أغسطس/ آب، إذ سجّلت إقلاعات من "تشكالوفسكي" في أيام 17 و21 و24 و27 و28 من ذات الشهر، تسبقها رحلة واحدة فقط في 31 يوليو/ تموز 2026. ولم يعثر الفريق في السجل على تكرار سابق للمسار نفسه، ما يجعل نمط أغسطس/ آب مستجدًّا في حدود ما تتيحه بيانات المنصة.

مرفق 03 السجل الملاحي للطائرة الروسية "RF-65990"خلال شهر أغسطس/ آب 2026 (Flight Radar 24)

تزامن هذا النشاط مع عدد من الأحداث؛ ففي الأسبوع الأول من الشهر نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الليتوانية أن وحدة شرطة الطيران التابعة للناتو في البلطيق استُنفرت خمس مرات بين 3 و9 أغسطس/ آب 2026، ردًّا على انتهاكات لقواعد الطيران الدولية، شملت طائرات "Su-24M" و"Su-30SM" و"Il-20"، حلّقت من كالينينغراد وإليها بأجهزة إرسال مطفأة ومن دون خطط طيران، مع انقطاع الاتصال اللاسلكي مع مراقبة الحركة الجوية الإقليمية في معظم الحالات.

مرفق 04 ترجمة بيان وزارة الدفاع الليتوانية عن خمسة انتهاكات لقواعد الطيران الدولية بين 3 و9 أغسطس/ آب 2026.

وفي 26 أغسطس/ آب 2026، أعلنت وكالة "تاس" الروسية أن أطقم سفن أسطول البلطيق المتمركزة في قاعدة "بالتييسك" تدرّبت على صد ضربة جوية في تمرين قرب "كالينينغراد"، حاكت فيه مقاتلات "Su-30" ومروحيات "Mi-24" وطائرات مسيّرة هجوم العدو، ورصدت أنظمة السفن الأهداف وصنّفتها قبل تدميرها بالمنظومات الصاروخية والمدفعية المضادة للطائرات.

نشاط الناتو

وعلى الضفة المقابلة، رصد الفريق إقلاع طائرة "بوينغ RC-135W" -تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وتحمل رقم التسجيل: "ZZ666"- من قاعدة "وادينغتون" وعودتها إليها بعد خمس ساعات و26 دقيقة، دارت خلالها حول "كالينينغراد" وامتدت فوق ممر سوالكي. وتصف القوات الجوية الملكية هذا الطراز بأنه منصة رئيسية للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

مرفق 05 مسار الطائرة البريطانية "ZZ666" حول كالينينغراد ويمتد فوق ممر سوالكي، في 26 أغسطس/ آب 2026 (Flight Radar 24)

ومن خلال البيانات الملاحية، أحصى الفريق ثمان رحلات نفذتها ثلاث طائرات حول "كالينينغراد" أو قربها خلال شهر أغسطس/ آب 2026؛ الطائرة الأولى تابعة لبريطانيا، وتفاصيلها ذكرت أعلاه، ونفذت بمفردها خمسًا من الرحلات الثمانية. وتتبع الطائرة الثانية الناتو، وهي من طراز "بوينغ E-3A سنتري" وتحمل الرقم التسجيلي: "LX-N90445"، ونفذت رحلتين. أما الأخيرة، فطائرة أمريكية من طراز "بوينغ KC-135R ستراتوتانكر"، برقم تسجيلي: "63-8008"، ونفذت رحلة واحدة فقط.

مرفق 06

وبمراجعة سجل كل طائرة من هذه الطائرات خلال الأشهر الثلاثة السابقة، لم يعثر الفريق على رحلة واحدة لها بالمسار نفسه قبل أغسطس/ آب 2026. ويرجّح ذلك أن التحليق حول الجيب الروسي بهذا النمط مستجدّ في أغسطس/ آب 2026، وأنه يتقاطع زمنيًّا مع النشاط الروسي الذي رصده الفريق في المدة نفسها.

لماذا كالينينغراد؟

تجتمع في هذه البقعة ثلاثة عوامل ترفع حساسيتها العسكرية. أولها الموقع، فكالينينغراد جيب روسي منفصل جغرافيًّا عن باقي الأراضي الروسية، تحدّه ليتوانيا شمالًا وبولندا جنوبًا، وكلتاهما في الناتو، ويطل غربًا على بحر البلطيق.

وثانيها ممر "سوالكي"، وهو شريط بري ضيق على الحدود البولندية الليتوانية يفصل كالينينغراد عن بيلاروسيا، ويشكّل الوصلة البرية الوحيدة بين دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وبقية أراضي الحلف.

مرفق 07

وثالثها بحر البلطيق نفسه، إذ وصفته قيادة الحلفاء المشتركة في "برونسوم"، في فبراير/ شباط 2026، بأنه "محور استراتيجي حيوي لأمن الناتو الإقليمي" يستضيف "طرق تجارة بحرية رئيسية وبنية تحتية حيوية للطاقة وكابلات تحت البحر تعتمد عليها اقتصاداتنا ومجتمعاتنا"، وربطت بين استمرار الوجود البحري للحلفاء فيه وبين الردع وحرية الملاحة في مواجهة التهديدات التقليدية والهجينة.

وما يثبته الرصد حتى الآن حركةُ نقل روسية متكررة نحو الجيب في أسابيع قليلة، ونشاط استخباراتي أطلسي مستجدّ يدور فوقه في الفترة نفسها. أما مضمون هذه الرحلات ووجهتها النهائية، فيبقيان خارج ما تتيحه بيانات التتبع، لخلوّ حقل الوجهة في كل رحلات الطائرة الروسية.

وتشير تقارير استخباراتية غربية نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال" [aa]إلى تدريبات على تعبئة السكان جرت في كالينينغراد خلال يوليو/ تموز 2026 بإشراف ضباط أُرسلوا من سانت بطرسبرغ، وإلى أن تدريبات مماثلة تجري في مناطق أخرى من روسيا. ويرجّح الفريق، في حدود ما رصده، أن هذه المؤشرات تتّسق مع رفع للجاهزية أكثر من اتساقها مع تحضير لفتح جبهة جديدة.[ab]

تأتي هذه المعطيات في سياق أوسع من رفع الاستعداد العسكري حول الجيب الروسي والممرات المتصلة به. ففي 12 أغسطس/ آب 2026، أقرت الحكومة الليتوانية توسيع إجراءاتها الخاصة بإعاقة تحرك قوات معادية محتملة، لتشمل زيادة التحصينات الهندسية على الحدود، وتجهيز مقاطع من الطرق والجسور بالعوائق، وتهيئة بعض الجسور لتركيب متفجرات عند الضرورة، إلى جانب استخدام تضاريس طبيعية، بينها استعادة مناطق مستنقعات، لإبطاء أي تقدم بري محتمل.

وقبل ذلك بثلاثة أشهر، أنهت قوات ليتوانية وبولندية وبرتغالية تمرين "Brave Griffin 26/II" قرب ممر سوالكي، على مسافة نحو سبعة كيلومترات من الحدود الليتوانية–البولندية، وتدربت خلاله على الاستجابة المنسقة لتهديدات عسكرية محتملة في الممر.

ولا يقتصر التوتر المحيط بكالينينغراد على التحركات الجوية والبرية. ففي مايو/ أيار، نقلت رويترز عن هيئة تنظيم الاتصالات الليتوانية قولها إن عدد الهوائيات المستخدمة في عمليات تزييف إشارات الملاحة داخل كالينينغراد ارتفع، بحسب تقديراتها، من ثلاثة مطلع 2025 إلى 36، مع إمكانية امتداد التأثير لمئات الكيلومترات؛ وهي اتهامات رفضتها موسكو.

وفي يوليو/ تموز، حدّثت وكالة سلامة الطيران الأوروبية "EASA" نشرتها الخاصة بالتشويش وتزييف أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية، استنادًا إلى تحليل حوادث حديثة، من دون أن تنسبها إلى جهة بعينها.

وبالتوازي، اتفق ثمانية من حلفاء الناتو، في فبراير/ شباط 2026، على تسريع إدخال تقنيات مراقبة وقدرات بحرية متعددة المجالات إلى منطقة البلطيق، بعد تجربة نحو 70 نظامًا مسيّرًا جويًا وبحريًا ضمن نشاط "TFX-Baltic" بين مارس/ آذار وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، في إطار تعزيز مراقبة البحر وحماية بنيته التحتية الحيوية.