مقال

رغم الهدنة.. كيف يسعى الاحتلال إلى تقويض عمل الأجهزة الأمنية في غزة؟

6/9/2026
عند ظهيرة يوم الرابع عشر من أبريل/ نيسان 2026، وبينما كانت مركبةُ شرطةٍ تؤدّي مهمةً اعتيادية في حي التفاح والدرج شرق مدينة غزة
حوّلتها غارةٌ إسرائيلية إلى كتلةٍ مشتعلة، وحولها أجسادُ ضابطٍ وثلاثةٍ من المدنيين بينهم طفل. كانت المركبة تحمل طاقمًا شرطيًا يؤدّي عملًا مدنيًا في نهارٍ عادي من نهارات وقف إطلاق النار.
كانت هذه الغارة واحدة من 16 عملية -أحصاها فريق "إيكاد"- استهدفت جهاز الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية في القطاع منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وحتى منتصف يوليو/ تموز 2026. 
رصد الفريق كلًّا من هذه الحوادث، وحدد مواقعها، وتعرف على ضحاياها. وبعد الإحصاء والتحليل، ثبت أن آلة القتل الإسرائيلية لا تزال تعمل في الفلسطينيين رغم الهدنة، وأن جيش الاحتلال يستهدف بشكل منهجي جهازًا مدنيًا هدفه حفظ الأمن وضبط النظام.
كما تبين أن العمليات توزّعت على ثلاثة أشكال؛ اغتيالاتٌ مباشرة نفّذها عملاء محليون لصالح الاحتلال، وغاراتٌ جوية على مراكز الشرطة ومركباتها، واستهدافٌ لنقاط التمركز والحواجز الأمنية. 

اغتيال مباشر بأيادٍ محلية

بدأ مسار الرصد من اغتيالٍ مباشر لأحد القادة الأمنيين في القطاع. ففي الرابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2025، سقط الضابط في جهاز الأمن الداخلي، أحمد زمزم، برصاصٍ داخل مخيم المغازي وسط القطاع.
وحسب تقرير قناة الجزيرة، نفّذ العملية مسلحون تابعون لميليشيا "شوقي أبو نصيرة"، تحرّكوا من مدرسة بلال بن رباح داخل ما يُعرف بالخط الأصفر — خط انتشار قوات الاحتلال داخل القطاع بموجب الهدنة — بإشرافٍ من أجهزة استخبارات الاحتلال.
ومن خلال المقاطع المنشورة للعملية، والأخبار المتداولة عنها، حدد الفريق نقطة الاغتيال قرب المغازي، وتحديدًا عند الإحداثية: "31.426777290864074, 34.38338673766319"، إضافة إلى المدرسة التي انطلق منها المنفّذون، من داخل النطاق الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال.
بعد أقل من شهر، وتحديدًا في الثاني عشر من يناير/ كانون الثاني 2026، تكرّر النمط نفسه. إذ اغتيل مدير مباحث شرطة خان يونس، محمود الأسطل، برصاصٍ في منطقة المواصي جنوب القطاع، في عمليةٍ نسبتها بعض المصادر إلى عناصر ميليشيا "حسام الأسطل".
كما يتضح في هاتين الواقعتين، كان التنفيذ عبر أياد محلية، والتوجيه من خلال استخبارات الاحتلال، والهدف قياداتٍ أمنية بأعيانها، قبل أن تتبدّل الأداة في الشهر التالي.

استهداف الأبنية والمؤسسات

في الحادي والثلاثين من يناير/ كانون الثاني 2026، انتقل الاستهداف من الأفراد إلى الأبنية والمؤسسات؛ إذ قصفت يومها طائرات الاحتلال مركز شرطة الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، فاستشهد 16 شخصًا، بينهم ضباطٌ وعناصر أمنية ومواطنون داخل المركز، وسقط عددٌ من الجرحى.
وللتحقق من الموقع، قارن الفريق لقطاتٍ أرضية تظهر فيها بعض الأبنية ومركبةٌ للشرطة بصور الأقمار الصناعية، فحُدّد مكان المركز المدمَّر عند الإحداثية "31.537255964908823, 34.461341020713604"، وسط كتلة سكنية مدمرة.
وفي أواخر الشهر التالي، وتحديدًا في السابع والعشرين من فبراير/ شباط 2026، توسّع الاستهداف ليطال نقاط تمركز القوات الشرطية، حين قصفت طائرات الاحتلال حاجزًا للشرطة على شارع صلاح الدين عند مدخل مخيم البريج وسط القطاع، فاستشهد أحد عناصر الشرطة وأُصيب آخر بجروح خطرة.

مطاردة الدوريات

مع حلول مارس/ آذار 2026، انتهج الاحتلال نمطًا مغايرًا، يكمن في مطاردةِ المركبات والدوريات الشرطية وهي تتحرّك في مهامها الميدانية. وعيّن الفريق موقع كل ضربةٍ عبر تحليل لقطاتها ومقارنة المعالم الظاهرة فيها بصور الأقمار الصناعية. 
في الخامس عشر من مارس/ آذار، استُشهد تسعةٌ من عناصر الشرطة بغارةٍ على مركبتهم قرب مدخل الزوايدة بالمحافظة الوسطى، بينهم مدير شرطة التدخل وحفظ النظام بالوسطى، العقيد إياد أبو يوسف، وهو أعلى الضحايا رتبة. 
وفي الخامس من مايو/ أيار، قُصف مركز الشيخ رضوان للمرة الثانية فاستُشهد طفلٌ وأُصيب ضباطٌ وعناصر. 
وفي السابع من مايو/ أيار، استُشهد ثلاثةٌ بقصف نقطة حراسةٍ لمقرٍّ أمني في منطقة أنصار غرب مدينة غزة.
وفي العاشر من مايو/ أيار، استُشهد مدير مباحث خان يونس المقدّم وسام عبد الهادي والرقيب فادي هيكل بغارةٍ على مركبتهما في حي الأمل غرب خان يونس. 
وفي الثالث والعشرين من مايو/ أيار، استُشهد خمسةٌ بقصف نقطةٍ للشرطة في منطقة التوام شمال القطاع. 
وفي السابع من يونيو/ حزيران، سقط شهداء ومصابون بقصف نقطةٍ للشرطة في المواصي غرب خان يونس. 
وفي الرابع عشر من يوليو/ تموز، قصف الاحتلال نقطة للشرطة في الفالوجا غربي مخيم جباليا شمال القطاع، فاستُشهد ستةٌ وأُصيب آخرون.

تكرار الاستهداف

وفي العمليات التي أحصاها الفريق، لوحظ أن الاحتلال يستهدف نفس المؤسسة أو ذات المنصب عدة مرات، وهو ما حوّل العمليات المتفرقة إلى ما يشبه حملةً ممنهجة تستهدف الإجهاز على العمود التشغيلي للقوى الأمنية. 

فعلى سبيل المثال، تعرّض مركز شرطة الشيخ رضوان للقصف ثلاث مرّات؛ في الحادي والثلاثين من يناير/ كانون الثاني، ثم قرب محيطه في الرابع والعشرين من أبريل/ نيسان، وأخيرًا في الخامس من مايو/ أيار. كما اغتيل شاغلا منصب مدير مباحث خان يونس تباعًا؛ محمود الأسطل في يناير/ كانون الثاني، ثم المقدّم وسام عبد الهادي في العاشر من مايو/ أيار. 

01 / 04

الحصيلة النهائية

وإجمالًا، يكشف توزيع العمليات على الأشهر تصاعدًا متّصلًا. إذ سجّل ديسمبر/ كانون الأول عمليةً واحدة، وارتفع العدد تدريجيًا حتى بلغ ذروته في مايو/ أيار بأربع عمليات في شهرٍ واحد. 
وواصل المنحنى التراكمي لعمليات الاستهداف ارتفاعه حتى نهاية رصد التحقيق، منتصف يوليو/ تموز.
وحسب طبيعة الأهداف، تصدّرت المركباتُ والدوريات القائمة بسبع عمليات، تلتها نقاط التمركز الأمنية بخمس، فمراكز الشرطة باثنتين، وكذلك الاغتيالات المباشرة باثنتين. 
أما جغرافيًا، فتوزّعت العمليات على أربع محافظات؛ أعلاها مدينة غزة بستّ عمليات، ثم الوسطى بخمس، وتليها خان يونس بأربع، وأخيرًا محافظة الشمال بعملية واحدة.

لمصلحة من يُترك المكان فارغًا؟

يعيد هذا الرصد رسم صورةٍ واحدة من 16 ضربة متفرقة، جهازٌ أمنيٌّ مدنيٌّ يُستنزف على امتداد القطاع، من قياداته إلى مراكزه إلى دورياته. وإضعاف الشرطة على هذا النحو يفتح فراغًا أمنيًا في المناطق التي تغيب عنها، وهو فراغٌ يطرح سؤاله الخاص، لمصلحة من يُترك المكان فارغًا؟

مرفق 01

وتشير قراءة فريق "إيكاد" إلى مسارين محتملين دون الجزم بأيّهما، اتّساعِ حركة المليشيات المحلية المتعاونة مع الاحتلال خارج مناطق نفوذها الحالية، أو استخدامِ هذا الفراغ ذريعةً لطرح بدائل أمنية وإدارية. ويبقى المنحنى، حتى آخر يومٍ في الرصد، صاعدًا.

ولا تنفصل هذه المؤشرات عن سياق أوسع يتعلق بالوظيفة المدنية للشرطة وبالترتيبات التي يجري إعدادها لإدارة غزة وأمنها. ففي يونيو/حزيران 2024، وثّقت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" تعرّض شاحنات الإغاثة للنهب وتهديد سائقيها والاعتداء عليهم في ظل انهيار النظام العام، وأشارت إلى حاجة القوافل لمرافقة الشرطة المحلية. وتبيّن هذه السابقة أن عمل الشرطة في القطاع يتجاوز ضبط الشوارع إلى تأمين حركة المساعدات والخدمات المدنية، من دون أن تقدّم تفسيرًا لعمليات الاستهداف التي يوثقها التحقيق.

وبموازاة ذلك، انتقلت النقاشات بشأن أمن غزة بعد الحرب من مستوى المقترحات إلى ترتيبات دولية رسمية؛ إذ أجاز مجلس الأمن، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في القطاع، وفق ما أوردته وكالة "رويترز" في عرضها لهيكل إدارة المرحلة الانتقالية. لكن إحاطة قُدمت إلى مجلس الأمن في مايو/ أيار 2026 رسمت توزيعًا أدق للأدوار: تعمل القوة الدولية كقوة فاصلة وتدعم حماية العمل الإنساني، بينما تبقى الشرطة الفلسطينية مسؤولة عن إنفاذ القانون، مع دمج ضباط مدرّبين في هياكل الشرطة المدنية القائمة بعد تدقيقهم أمنيًا. 

وفي تقييم سابق للمرحلة التنفيذية، ذكرت مكتبة مجلس العموم البريطاني أن اللجنة الفلسطينية المكلفة بإدارة غزة لم تكن قد دخلت القطاع حتى فبراير/ شباط 2026، وأن قوة الاستقرار لم تكن قد تشكلت بعد، رغم تعيين قائد لها، بما يعكس أن شكل الأمن الداخلي ظل جزءًا من ترتيبات انتقالية لم تُحسم تفاصيلها التنفيذية بالكامل.