مقال

بعد تحسن العلاقات مع سوريا.. "حميميم" تستعيد دورها الاستراتيجي في سلسلة الإمداد الروسية

1/9/2026
في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عند 08:55 بتوقيت غرينتش، أقلعت طائرة "إليوشن Il-62M" مسجَّلة برقم "RA-86572" من مطار تشكالوفسكي العسكري قرب موسكو
وأخذت مسارًا جنوبيًا فوق جورجيا وتركيا
حتى بلغت مطار "حميميم" في اللاذقية على الساحل السوري.
 وعند الساعة 15:06 من اليوم نفسه، أقلعت الطائرة ذاتها من المدرج، فعبرت شرق البحر المتوسط جنوب قبرص، ومضت إلى بنغازي شرقي ليبيا.
وقبل 11 شهرًا من ذلك اليوم، أي بعد سقوط النظام بأسابيع قليلة، وثّق فريق "إيكاد" حركة جوية معاكسة.
 إذ رصد الفريق آنذاك طائرات روسية تطير من روسيا إلى ليبيا مباشرة، دون المرور بـ "حميميم" كما جرت العادة قبل هروب الأسد.

وفي ذلك التحقيق، بلغت الرحلات الروسية إلى ليبيا 37 رحلة، منها 15 رحلة مباشرة، أي 40.5% من إجمالي الرحلات المرصودة منذ بدء معركة "ردع العدوان" حتى 19 يناير/ كانون الثاني 2025.
هذا التباين بين المسار المرصود نهاية عام 2025 ومطلعه، دفع فريق التحقيقات في "إيكاد" إلى التساؤل عن الوضع الراهن لمسارات الطائرات الروسية القادمة إلى الشرق الأوسط، إمدادًا لنشاطات موسكو العسكرية في المنطقة العربية والقارة الإفريقية. ومنذ ذلك الحين، عمد الفريق إلى تتبع حركة الملاحة الجوية العسكرية بين روسيا من جهة، وسوريا وليبيا من جهة أخرى.

ما الذي كشفته البيانات الملاحية؟

من لحظة ديسمبر/ كانون الثاني 2025، عاد الفريق في الأرشيف الملاحي 9 أشهر إلى الوراء، وواصل متابعته لاحقًا نحو سبعة أشهر. وعلى مدار 16 شهرًا، بين 13 مارس/ آذار 2025 و12 يوليو/ تموز 2026، تابع فريق "إيكاد" حركة الملاحة الجوية العسكرية الروسية، فأحصى 17 طائرة و119 رحلة، وجمع لكل رحلة نوع الطائرة التي نفذتها، ورقمها التشغيلي وتاريخها ونقطتَي إقلاعها وهبوطها.

فيما يتعلق بأنواع الطائرات، كان النصيب الأكبر من حظ طائرات الشحن الاستراتيجي؛ إذ نفذت طائرات "أنتونوف An-124-100"نسبة 41.2% من إجمالي الرحلات (49 رحلة)، وتلتها طائرات "إليوشن Il-76MD-90A" بنسبة 26% (31 رحلة). وأخيرًا، أتت رحلات نقل الأفراد بطرازَي "إليوشن Il-62M" و"توبوليف Tu-154"، بنسبة 32.8% (39 رحلة).

مرفق 01

موجات النشاط 

كشفت الإحصاءات أن معدل الرحلات بقي منخفضًا طوال النصف الأول من عام 2025، إذ تراوح بين رحلةٍ وثلاث رحلات شهريًا. ثم ارتفع إلى ست رحلات في سبتمبر/ أيلول، وإلى تسع رحلات في أكتوبر/ تشرين الأول، وفيه وصل الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى موسكو في زيارته الأولى. وواصل الصعود إلى 10 رحلات في نوفمبر/ تشرين الثاني، حتى بلغ ذروته عند 26 رحلة في ديسمبر/ كانون الأول 2025.

وفي عام 2026، تذبذبت الوتيرة بين رحلةٍ واحدة في أدنى الأشهر، و15 رحلة في يونيو/ حزيران، مع زيارةٍ ثانية للشرع إلى موسكو في 28 يناير/ كانون الثاني. ويبلغ متوسط الفترة كلها 7.5 رحلة شهريًا، وهو مستوىً يفوق ما سجّلته أشهر الرصد الأولى بأضعاف.

إلى أين تتجه هذه الرحلات؟

للتعرف على النمط الذي تسلكه الطائرات في رحلاتها، رسم الفريق مسارات الرحلات مجتمعةً على خريطة واحدة
والتي أوضحت بدورها أن ارتفاع معظم الطائرات ينخفض تدريجيًا عند اقترابها من قاعدة "حميميم"، ما يعني إقلاعًا وهبوطًا في القاعدة
ومن خلال هذه الخريطة، تبين أن المسار الرئيسي الأكثر استخدامًا يبدأ من موسكو متجهًا إلى قاعدة "حميميم" في اللاذقية على الساحل السوري، حيث تتزود الطائرات بالوقود وتستكمل متطلباتها اللوجستية
 ثم تنطلق عبر شرق البحر المتوسط مرورًا بالمنطقة الواقعة بين سوريا وقبرص، وصولًا إلى القواعد العسكرية في بنغازي والمناطق الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر شرقي ليبيا.
وعلى الجانب الآخر، رسمت الخريطة المجمّعة مسارًا مباشر بين روسيا وليبيا، ينطلق من روسيا نحو ليبيا، دون التوقف في "حميميم"
ومن أقصى الجنوب الروسي تقلع الطائرات، لتحلق جنوبًا عبر الأجواء التركية، ثم تعبر شرق المتوسط، قبل أن تهبط في بنغازي.
ومن ليبيا يمتد الخط إلى القارة الإفريقية. فقد واصلت العديد من الطائرات رحلاتها من القواعد الليبية إلى بعض الدول الإفريقية؛ أبرزها مالي التي استحوذت على النصيب الأكبر من هذه الوجهات، تليها تشاد والكاميرون وجمهورية الكونغو وزيمبابوي. وعادت طائراتٌ أخرى من ليبيا إلى وجهتها في سوريا وروسيا.

وبشكل إحصائي، كشفت البيانات الملاحية أن 58.8% من إجمالي الرحلات (70 رحلة) قصدت قاعدة "حميميم" قبل أن تعود إلى موسكو. وأن 41.2% منها (49 رحلة) توجّه إلى ليبيا، سواء اتخذت من سوريا محطةً وسيطة أو انطلقت مباشرةً من روسيا.

مرفق 02

من بين هذه الرحلات الـ 49، لم يسلك المسار المباشر إلى ليبيا سوى 8 رحلات، أي 16.3% فقط من العدد الإجمالي. في حين أن النسبة مطلع 2025 كانت 40.5%، وهو ما يعنى أن حصة المسار المباشر من روسيا إلى ليبيا تراجعت إلى أقل من نصف ما كانت عليه مطلع عام 2025. الأمر الذي يشير إلى عودة المسار الذي يستخدم "حميميم" كعقدة وسيطة أساسيًا في رحلات الروس العسكرية إلى المنطقة.

وجدير بالذكر أن أقدم عودةٍ لمسار "حميميم" رصدها الفريق في رحلةٍ مبكّرة بفبراير/ شباط 2025، بنشاطٍ خفيف يتصل على الأرجح بعمليات نقلٍ أو إعادة تموضع داخل سوريا، ثم بدأ استخدام المسار يتصاعد تدريجيًا من مارس/ آذار.

الخلاصة

بعد تتبع استمر 16 شهرًا لحركة الملاحة الجوية الروسية في المنطقة، رصد فريق "إيكاد" 49 رحلة روسية إلى ليبيا خلال فترة الرصد، مرت 41 منها عبر "حميميم"، واقتصرت لرحلات المباشرة على ثمانٍ، لتنخفض حصتها إلى 16.3%، مقابل 40.5% في رصد سابق للفريق مطلع عام 2025. وبذلك، يتضح أن "حميميم" استعادات دورها كحلقة لوجستية مهمة، تربط موسكو ببنغازي، ومنها بالوجهات الإفريقية المختلفة التي يتواجد فيها الروس. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بيانات الملاحة الجوية لا تكشف سوى المسار والتوقيت ونوع الطائرة، وهي المعطيات التي كشفت عن تحول في وضع "حميميم" بالنسبة لروسيا خلال الأشهر السابقة. لكن طبيعة هذه الرحلات وما تحويه هذه الطائرات لا يمكن معرفته والجزم به عبر البيانات الملاحية.

وبشكل عام، لا تنفصل هذه المؤشرات عن سياق أوسع شهد تحسنًا تدريجيًا في العلاقات بين موسكو ودمشق، الأمر الذي آل في النهاية إلى إعادة تعريف رسمية للوجود الروسي على الساحل السوري. ففي 9 أغسطس/ آب 2026، أعلنت الخارجية السورية مذكرة تفاهم مع موسكو بشأن منشآت "حميميم" و"طرطوس"، تتولى بموجبها الدولة السورية إدارة المرافق المدنية في مطار "حميميم" والرصيف التجاري الرابع في ميناء "طرطوس"، فيما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، على أن تكتمل ترتيبات الانتقال خلال ثلاثة أشهر. وتضع هذه التطورات مسار الطائرات الروسية ضمن مشهد سياسي أوسع، دون أن تثبت ارتباط أي رحلة مرصودة بمهمة بعينها.

كما أن التطورات السياسية الحادثة بين الجانبين الروسي والسوري تطرح تساؤلًا حول نمط النشاط الذي ستشهده القاعدة، وما إن كانت الحركة الملاحية الروسية ستنخفض في الأسابيع التالية.