"إيكاد" ترصد حملة رقمية لدعم الاعتراف الغربي بأرض الصومال
خلال ساعاتٍ من إعلان حكومة الاحتلال الإسرائيلي، مساء 15 أبريل/ نيسان 2026، تعيينَ سفيرٍ غير مقيم لها في أرض الصومال، رصد فريق "إيكاد" على منصة "X" عبارات شبه متطابقة كتبتها حسابات متباعدة جغرافيًا، لكن جمعتها فكرة واحدة؛ هي دعم الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي، بل ودعوة الدول الغربية إلى الاحتذاء بها.
فعلى سبيل المثال، دعا السيناتور الأمريكي، "تيد كروز" (Ted Cruz)، إلى الاعتراف بـ "دولة جديدة في أفريقيا"، ورُصد ثانٍ يقول إن على الولايات المتحدة أن تتبع قيادة إسرائيل، وثالث يؤكد أن أرض الصومال كانت مستقلة عام 1960 وأن اتحادها مع الصومال باطل.
لفت هذا التطابق انتباه فريق "إيكاد"، فحين تتردد العبارات ذاتها بالأسلوب والمضمون نفسيهما في حسابات لا يجمعها جوار جغرافي، فثمة ما يستدعي التقصّي. وبأدوات المصادر المفتوحة، تتبّع الفريق عينة من هذه الحسابات وحلّل أنماط نشرها، فانكشفت أمامه شبكة تفاعلات تتجاوز فرضية التفاعل العفوي.
فما يظهر للمتابع كموجة تأييد رقمية عفوية، كشفت أدوات الرصد المتخصصة أنه حملة منظمة تعمل عبر مسارين متكاملين؛ مسار فكري–دبلوماسي تقوده شخصيات ومراكز أبحاث غربية وإسرائيلية، ومسار رقمي تديره لجان من الحسابات الوهمية، يلتقيان عند هدف واحد؛ هو دفع الاعتراف الدولي بأرض الصومال وإعادة رسم موازين القوى في القرن الأفريقي.
سياسيون ودبلوماسيون غربيون
كانت البداية من حساب السيناتور الأمريكي الداعم بقوة لإسرائيل "تيد كروز"، العقدة الأبرز في الرسم الشبكي للحملة، الذي طالب علنًا بالاعتراف بأرض الصومال، معتبرًا معارضة الصين للخطوة سببًا إضافيًا لدعمها.
وبتتبّع شبكة الإحالات والإشارات وإعادة النشر المرتبطة به، قاد الخيطُ الفريقَ إلى "هرمان كوهين" (Herman Cohen)، مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق للشؤون الأفريقية، و"تيبور ناجي" (Tibor Nagy)، سفير الولايات المتحدة الأسبق لدى إثيوبيا وغينيا، اللذين قدّما الاعتراف باعتباره مصلحةً استراتيجية أمريكية.
وبتوسيع دائرة البحث، التقى الخيط بشخصيتين أوروبيتين، هما البريطاني "أندي ويغمور" (Andy Wigmore)، مدير الاتصالات السابق لحملة البريكست الذي أضاف بُعدًا بريطانيًا للحملة، والنمساوي "غونتر فيهلينغر" (Gunther Fehlinger)، رئيس اللجنة النمساوية لتوسيع الناتو، الذي قرن دعوته للاعتراف بأرض الصومال بمطالبته بضمّ إسرائيل إلى الناتو والاتحاد الأوروبي.
باحثون ومراكز فكر
وكان لافتًا ما لاحظه الفريق من أن مسارات هؤلاء جميعًا تتقاطع عند معهد "هدسون" (Hudson Institute) الأمريكي المحافظ؛ فكلهم ذوو ارتباط بشكل أو آخر بالمعهد.
وبتتبّع باحثيه، برز اسما "جوشوا ميسيرفي" (Joshua Meservey) و"ماثيو كوكسون" (Matthew Cookson)، اللذان روّجا كذلك للاعتراف؛ فقد طرحه الأول وسيلة لإضعاف مشروع "الصومال الكبرى"، فيما صوّره الثاني خيارًا استراتيجيًا في مواجهة نفوذ إيران والحوثيين، إضافة إلى "ديفيد غرين" (David Green)، المحلل السياسي الذي طالب واشنطن بالاعتراف بالإقليم بدعوى استقراره وديمقراطيته. وبالبحث، تبيّن أن "كوكسون" يرتبط تحديدًا بمنصة "Visegrad24"، الممولة من مؤسسة "Intermarium"، التي ربطتها تقارير بتضخيم السرديات الإسرائيلية في الفضاء الرقمي الغربي.
وكان من أبرز ما كشفه التحليل المتقاطع للحسابات اسم "أرسين أوستروفسكي" (Arsen Ostrovsky)، الزميل في معهد "مسجاب" (Misgav) الإسرائيلي للأمن القومي ورئيس مكتب "AIJAC" في سيدني منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كما كان له ارتباط سابق بمعهد "هدسون" ذاته، وهو ما جعله إحدى أكثر الشخصيات مركزية في خريطة الترابطات المؤسسية، إذ يجمع في شخصه ثلاث مظلات مناصرة لإسرائيل..
إعلاميون ونشطاء ومحللون ينخرطون في الحملة
وصل الخيط كذلك إلى "هافيف ريتيغ غور" (Haviv Rettig Gur)، المدير السابق للاتصالات في الوكالة اليهودية لإسرائيل الذي وصف معارضة استقلال أرض الصومال بأنها موقف الطغاة والدبلوماسيين الغربيين، و"بول أنطونوبولوس" (Paul Antonopoulos)، الصحفي اليوناني القبرصي الذي هنّأ أرض الصومال وطالب دولًا أوروبية وإثيوبيا بالاعتراف بها. وبتوسيع التحليل، ظهرت الكندية "ريتا روزنفيلد" (Rita Rosenfeld) الناشطة في الشأن الإسرائيلي، و"براين ماكدونالد" (Brian McDonald) المحلل الجيوسياسي، وكلاهما أبرز أرض الصومال نموذجًا ديمقراطيًا آمنًا ومزدهرًا.
لجان رقمية تُدار من الخارج
وبمحاذاة الجناح الفكري–الدبلوماسي، رصد الفريق جناحًا موازيًا من الحسابات التي تحمل هويات صومالية وتُدار في معظمها من خارج أرض الصومال، مهمتها ترديد السرديات ذاتها وإكسابها بُعدًا شعبيًا مصطنعًا. فبمطابقة خاصية معلومات الحساب (About this account) على منصة "X"، تبيّن أن حساب "sodhowow" يُدار من المملكة المتحدة، وأن حساب "BarkhadMaraykan" يُدار من أمريكا الشمالية بعد سبعة تغييرات في اسم المستخدم.
وكشفت المؤشرات السلوكية والبصرية لهذه الحسابات عن نمط موحّد، إذ تعتمد أعلامًا سيادية في هوياتها لإضفاء طابع وطني، وتوظّف الإغراق البصري (Spamming) عبر نشر صور متطابقة التصميم تجمع علم أرض الصومال بعلم الدولة المستهدفة بالخطاب، فيما رصد الفريق حسابات تدمج علمَي إسرائيل وأرض الصومال معًا في هويتها البصرية.
وامتد التشابه كذلك إلى التعريفات الذاتية للحسابات "Bio"، إذ أظهر تحليل الكلمات والرموز المستخدمة تكرار مفردات مرتبطة بالاعتراف وإعادة الاعتراف بأرض الصومال، إلى جانب حضور بارز لرمزي الولايات المتحدة وإسرائيل داخل عينة الحسابات.
خمسة تكتلات حول عقدة واحدة
وبرسم خريطة التفاعلات كاملةً (Network Mapping)، تبيّن أن الحسابات تتوزع على خمسة تكتلات وظيفية، يتصدرها حساب تيد كروز بوصفه العقدة المركزية، فيما يقود معهد "هدسون" تكتلًا موازيًا يربط الشخصيات السياسية بالأكاديمية، ويتولى التكتل الأخضر الأكثر تشعبًا تضخيم سرديات الشبكة وتوسيع انتشارها. وتمتد صلات هذه العقد من واشنطن مرورًا بتل أبيب وصولًا إلى كانبيرا، وتتقاسم خطًا واحدًا يجمع الاعتراف بأرض الصومال بتأمين البحر الأحمر وتعزيز الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي.
أرقام الحملة
وقد شكل هذا المزيج من الشخصيات والمؤسسات والحسابات الرقمية القلب الصلب لحملة أوسع، كشف اتساع تتبعها حجمها الحقيقي. بثّت قرابة 14 ألف حساب أكثر من 32 ألف منشور. وبلغت الانطباعات المحتملة — أي عدد الحسابات التي يُقدَّر أنها شاهدت المحتوى — أكثر من 1.3 مليار. وتوزّعت المنشورات على 11 محورًا موضوعيًا، تصدّرها السعي إلى الاعتراف باستقلال أرض الصومال، فموقف الاتحاد الأفريقي الرافض للانفصال، فتأمين ممر البحر الأحمر.
ثلاث سرديات ورسالة واحدة
ارتكز خطاب الحملة على ثلاث سرديات متكاملة. أولاها تقدّم أرض الصومال دولةً مستقرة وديمقراطية في موقع استراتيجي على البحر الأحمر وباب المندب، تستحق اعتراف الغرب اقتداءً بإسرائيل. وثانيتها تؤكد أن الإقليم نال استقلاله عام 1960 وأن اتحاده مع الصومال باطل، فما يجري استعادةٌ لحق قديم. وثالثتها تحتفي بالتقارب بين أرض الصومال وإسرائيل بوصفه شراكةً متبادلة المنفعة في مواجهة خصوم مشتركين.
جغرافيا تكشف الوجهة
وجاء التوزيع الجغرافي للحملة منسجمًا مع خريطة شخصياتها، إذ تصدّرت الولايات المتحدة بنسبة 53% من التفاعلات، تلتها بريطانيا بنسبة 15%، ثم فرنسا وكندا وأستراليا بنسب أقل، وهي الدول ذاتها التي تمركزت فيها الشخصيات التي تتبّعها الفريق، ما يرسم صورة متسقة لحملة تستهدف دوائر القرار الغربية بدقة.
الخلاصة
يكشف هذا التحليل الاستقصائي عن حملة منظمة انطلقت بكثافة عقب إعلان حكومة الاحتلال الإسرائيلي تعيين سفير غير مقيم لها في أرض الصومال منتصف أبريل/ نيسان 2026، بعد أشهر من اعترافها بالإقليم في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025. وما بدا تفاعلًا رقميًا عفويًا أظهرت أدوات المصادر المفتوحة في جوهره هندسةً ممنهجة، تقودها لوبيات ضغط غربية وإسرائيلية مشتركة تلتقي عند معهد "هدسون" الأمريكي، وتعمل على نقل الاعتراف بأرض الصومال من مطلب هامشي إلى أولوية قابلة للتسويق في دوائر القرار الغربية، تحت لافتة تأمين ممرات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وتطويق النفوذ الإيراني في القرن الأفريقي.
ولا تنفصل هذه المؤشرات عن سياق أوسع يشهده القرن الأفريقي منذ مطلع 2024، حين وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، قبل أن تدفع الأزمة مقديشو وأديس أبابا إلى مسار وساطة تركية انتهى في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بإعلان الطرفين العمل على ترتيبات تجارية تمنح إثيوبيا وصولا بحريا تحت سيادة الصومال، وفق ما نقلته رويترز . وفي واشنطن، خرج الملف من نطاق النقاش البحثي إلى ضغط سياسي علني؛ إذ أعلن السيناتور تيد كروز في أغسطس/ آب 2025 أنه وجّه رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعوه فيها إلى الاعتراف بأرض الصومال، رابطا ذلك بالموقع على خليج عدن، والتعاون مع تايوان وإسرائيل، ومواجهة النفوذ الصيني، بحسب بيان مكتبه .
وفي المقابل، ظل مسار الاعتراف محاطا بسقف قانوني وسياسي مضاد؛ فقد أكدت مفوضية الاتحاد الأفريقي، في أبريل/ نيسان 2026، أنها لا تعترف بأرض الصومال كيانا مستقلا، واعتبرت أي اعتراف أحادي خطوة تمس وحدة الصومال واستقراره، في بيان رسمي ، كما أعلنت بريطانيا بعد الاعتراف الإسرائيلي أنها لا تعترف باستقلال أرض الصومال وتدعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مشيرة رويترز إلى أن دولا أخرى، بينها الصين، امتنعت عن السير في الاتجاه نفسه، وفق تقريرها .
وتزيد أهمية هذا السجال أن البحر الأحمر وباب المندب تحولا منذ أواخر 2023 إلى نقطة ضغط في التجارة العالمية؛ إذ قدّر البنك الدولي أن حركة السفن عبر قناة السويس وباب المندب هبطت بحلول نهاية 2024 بنحو ثلاثة أرباعها مقارنة بالمعدلات التاريخية، ما يوضح لماذا يتحول ملف أرض الصومال إلى تقاطع بين سؤال السيادة، وأمن الممرات البحرية، واصطفافات القوى في القرن الأفريقي.