من ليبيا إلى باماكو.. تمدّد روسيا العسكري الجديد في مالي
تطورات القاعدة العسكرية الروسية
وعند بدء البحث، اطّلعنا على تقارير تحدثت عن وجود قاعدة عسكرية روسية بدأ العمل فيها عام 2021، وهي القاعدة التي كانت تحت إشراف شركة "فاغنر" قبل مقتل زعيمها، يفغيني بريغوجين، عام 2023. وبعدها، انتقل الأمر رسميًا إلى وزارة الدفاع الروسية بعد دمج "فاغنر" في الفيلق الإفريقي الروسي. ولمعرفة تفاصيل ميدانية أكثر عن القاعدة العسكرية الواقعة جنوب مطار "باماكو" الدولي، قرر الفريق تتبّعها عبر الأقمار الصناعية، أملًا في الوصول إلى مؤشرات حول النشاط الميداني الروسي الحالي في مالي.
عودة النشاط بعد سقوط الأسد
ومنذ منتصف 2024، لاحظ الفريق هدوءًا في أعمال التطوير. لكن صور الأقمار الصناعية الملتقطة عبر "Sentinel Hub" كشفت عن استئناف العمل مطلع يناير/ كانون الثاني 2025، بالتزامن مع تزايد الرحلات الروسية الجوية إلى باماكو بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، كما رصد تحقيق "إيكاد" السابق. تمثلت التطورات الجديدة -وفق ما ظهر في صور الأقمار الصناعية- في شقّ طريقٍ جديد، وبناء مبنىً ملاصق للمبنى الرئيسي قد يُستخدم للتخزين، وبدءِ حفرٍ لمبان جديدة شرقي القاعدة.
ويتسق هذا الرصد مع ما توصل إليه الباحث كريستيان تريبرت (Christiaan Triebert) في فبراير/ شباط 2025، إذ كشفت صور أقمار صناعية -ملتقطة في 8 يناير/ كانون الثاني و5 فبراير شباط 2025- عن وجود مبان جديدة وأعمال حفر وطرق مستحدثة.
تصاعد حركة الطائرات الروسية إلى مالي
وأثناء رصد الموقع عبر الأقمار الصناعية، لاحظ الفريق وجود طائرة فوق مدرج مطار "باماكو"، في صورة ملتقطة في 25 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وبالعودة إلى تحقيقنا السابق، تبيّن -عبر برامج التتبع الملاحي- وجود طائرة شحن روسية "RA‑76845" من طراز "إليوشن إل‑76" في باماكو في التاريخ نفسه، ما رجح لدينا أن الجسم المرصود على المدرج هو ذاته طائرة الشحن الروسية.
وفي نفس الفترة، رصد الفريق -في التحقيق السابق- تصاعد رحلات طائرات الشحن العسكري من وإلى باماكو بعد انطلاق معركة "ردع العدوان" في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، فيما كانت الحركة محدودة ومتقطعة في الفترات السابقة.
فخلال 21 شهرًا، منذ فبراير/ شباط 2023 حتى 27 نوفمبر/ 2024، لم يتجاوز عدد الرحلات المرصودة 10 رحلات. وخلال شهر واحد فقط، منذ بدء "ردع العدوان" حتى 28 ديسمبر/ كانون الأول 2024، رصد الفريق 12 رحلة نفذتها 3 طائرات روسية.
مسارٌ يتحوّل من سوريا إلى ليبيا
ومما سبق، يتضح أن النشاط الروسي تكثّف خلال الأشهر الأخيرة في العاصمة المالية، وهو ما تشير إليه التوسعات الجارية في القاعدة العسكرية في باماكو، إضافة إلى تصاعد وتيرة الرحلات الروسية منها وإليها.
قافلة عسكرية ضخمة في قلب باماكو
وعند هذه النقطة، عاد الفريق إلى القافلة العسكرية الروسية التي افتُتح بمشهدها التحقيق. ولتحديد الموقع الجغرافي (Geolocation) الذي التُقطت صورها عنده، اعتمدنا على التحليل الذي أجراه "Casus Belli" المتخصص بالمصادر المفتوحة، إذ طابق المبنى والشجرتين الظاهرتين في اللقطات على صور "Google Earth"، فتبين أن موقع التصوير عند الإحداثيات "12.545009, -8.120543" على طريق "RN5"، ما يعني أن القافلةَ صُوّرت على بُعد نحو 100 كيلومتر عن حدود غينيا، ونحو 20 كيلومترًا عن القاعدة الروسية قرب مطار باماكو. كما اتضح أن القافلة كانت متجهة شرقًا نحو العاصمة. وخلال البحث، رصد الفريق مقطعًا ثانيًا على منصة "إكس" صُوّر في 30 يناير/ كانون الثاني 2025، يُظهر جزءًا من القافلة داخل باماكو نفسها.
من أين جاءت وإلى أين تمضي؟
تشير تقارير روسية ومراكز دراسات عسكرية إلى أن جزءًا من العتاد المحمول على القافلة نُقل من سوريا بعد تقليص الوجود الروسي هناك، وأن الباقي شُحن من روسيا جوًا أو بحرًا إلى غينيا، ثم برًّا إلى مالي. وبمراجعة حركة الملاحة البحرية على منصة "فيسل فايندر" (Vessel Finder)، رصد الفريق سفينتَي شحنٍ روسيّتين رَسَتَا قرب "كوناكري" الغينية في يناير/ كانون الثاني 2025، هما "ADLER" و"SIYANIE SEVERA". وهو ما قد يكون تعزيزًا لما ذهبت إليه التقارير ومراكز الدراسات.
أما بخصوص وجهتها، فقد ذكر مسؤولون ماليون أن المعدات مخصّصة لقواتهم، فيما يرجّح خبراء ومدوّنون عسكريون روس أن متلقّيها الرئيسي هو "الفيلق الأفريقي"، خلَفُ "فاغنر". وبالنظر إلى قرب الموقع من المطار (نحو 20 كيلومترًا) واتجاه القافلة شرقًا نحو العاصمة، رجّح الفريق أن تكون وجهتها القاعدة الروسية قرب مطار باماكو، مع بقاء مقرّات أخرى للجيش المالي ضمن الوجهات المحتملة.
فراغ تملؤه موسكو
تعيش مالي منذ أزمة 2012 نزاعًا مفتوحًا تصاعد خلاله نفوذ جماعاتٍ جهادية مثل "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"تنظيم الدولة"، مستغلّةً الفراغ الأمني والفقر، بحسب تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (Congressional Research Service)، في بيئةٍ تراجع فيها الوجود العسكري الفرنسي وانكفأت بعثة الأمم المتحدة لاستقرار مالي.
وفي هذا الفراغ تقدّمت موسكو تدريجيًا، فبدأت بالدعم العسكري والتدريب وتوفير السلاح بين 2017 و2018، ثم وقّعت اتفاقيات الدفاع والأمن وزادت شحنات المعدات بين 2019 و2020، مقابل حضورٍ اقتصادي ارتبط بامتيازاتٍ في الذهب والمعادن. ومع تعاقد الحكومة المالية مع "فاغنر" ودخولها ميدانيًا بين 2021 و2022، اتّسع الدور الروسي إلى المشاركة في العمليات والتعاون في ملفّات التعدين والطاقة.
وبعد مقتل يفغيني بريغوجين عام 2023، انتقلت إدارة هذا الحضور إلى وزارة الدفاع الروسية، وبرز "الفيلق الأفريقي" بوصفه الإطار الجديد للتمدد الروسي في الساحل، وهو مسارٌ وثّقته مراكز أبحاث غربية، من بينها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الذي رصد تمدّد القاعدة قرب مطار باماكو اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية.
وعلى هذه الأرضية تتقاطع طبقات الأدلة الثلاث التي تتبّعها فريق "إيكاد" في صورةٍ واحدة، إذ تجمع بين قاعدةٍ رُصد توسّعها بصور Google Earth وSentinel Hub وPlanet من أواخر 2021 إلى مطلع 2025، ورحلات شحنٍ عسكري تكثّفت وتبدّل مسارها من سوريا إلى ليبيا، ورتلٍ ثقيل حُدّد موقعه على طريق RN5 قرب باماكو. ومن تتابع هذه الأدلة يرجّح الفريق أن التدخل الروسي في مالي بلغ طورًا أكثر تقدّمًا، وأن ليبيا صارت عقدةً في خطّ إمداده الجديد بعد تقليص حضوره في سوريا، ضمن تموضعٍ أوسع يمتد من شمال أفريقيا إلى الساحل، وتبدو باماكو محطته الأبرز.