رحلة إلى آخر الخريطة.. كيف تكشف "أنتاركتيكا" كروية الأرض؟
تبدأ الحكاية من ادعاء شهير عند أنصار الأرض المسطحة يقول إن "أنتاركتيكا" ليست قارة في جنوب الكرة الأرضية، بل جدار جليدي هائل يحيط بحواف العالم، يمنع المحيطات من الانسكاب. ووفق هذا التصور، لا توجد قارة جنوبية يمكن الدوران حولها أو الوصول إليها بحرية نسبية، ولا يفترض أن ترى هناك ظاهرة مثل شمس منتصف الليل؛ أي أن تبقى الشمس فوق الأفق 24 ساعة متواصلة في الصيف الجنوبي.
لكن الرحلة إلى "أنتاركتيكا" تقلب هذا الادعاء رأسًا على عقب. فالسفر إلى القارة القطبية الجنوبية ليس مستحيلًا ولا ممنوعا كما يروج البعض. نعم، هو سفر مكلف وصعب ومنظم بيئيًا بسبب هشاشة المكان وحساسيته، لكنه يحدث كل عام. تنطلق معظم الرحلات السياحية البحرية إلى شبه الجزيرة القطبية من أوشوايا في أقصى جنوب الأرجنتين، أو من موانئ جنوبية أخرى، وتعبر ممر "دريك" العاصف إلى عالم مختلف. وهناك أيضًا رحلات جوية إلى مناطق داخلية مثل مخيم "يونيون غلاسيير" في غرب أنتاركتيكا، حيث يمكن للمسافر أن يرى بعينيه ما لا يستطيع نموذج الأرض المسطحة تفسيره بسهولة.
في مصر أو السعودية أو أوروبا، تعوّدنا أن الشمس تشرق من جهة وتغرب في جهة أخرى، ثم يحل الليل. أما في الدائرة القطبية الجنوبية، يعمل الصيف بطريقة مختلفة. فبسبب ميل محور الأرض ودورانها حول الشمس، تصبح المناطق الجنوبية القطبية مائلة نحو الشمس في ذلك الوقت من العام. النتيجة أن الشمس لا تهبط تحت الأفق، بل تدور حول السماء في مسار منخفض كأنها تطوف بالمكان، فتراها عند منتصف الليل كما تراها في النهار، مع اختلاف في الارتفاع واللون فقط، أي أن الشمس هناك تظهر على مدار 24 ساعة في فصل الصيف.
هذه ليست تفصيلة شاعرية، بل ضربة مباشرة في قلب نموذج الأرض المسطحة. لأن الشمس، في أغلب تصورات هذا النموذج، جسم صغير يدور فوق قرص الأرض. وإذا كانت أنتاركتيكا جدارًا دائريًا بعيدًا عند الحافة، فيجب أن تبتعد الشمس عنها وتغيب عنها يوميًا كما تغيب عن بقية الأطراف. أما أن تبقى مرئية فوق الأفق طوال اليوم، وأن تدور حول الراصد 360 درجة، فهذا بالضبط ما تتوقعه الأرض الكروية المائلة على محورها.
وهذا ما جعل تجربة حديثة تُعرف باسم "التجربة النهائية" لافتة للانتباه، ففي ديسمبر/ كانون الأول 2024، سافر عدد من مؤيدي الأرض المسطحة ومعهم مؤيدون للنموذج الكروي إلى "أنتاركتيكا" لمشاهدة شمس الأربع وعشرين ساعة. كان الاختبار واضحًا، إن لم تظهر الشمس طوال اليوم، فسيكون ذلك إحراجًا كبيرًا للنموذج الكروي؛ وإن ظهرت، فسيكون ذلك دليلًا مباشرًا ضد أحد أعمدة أطروحة الأرض المسطحة.
وقد ظهرت الشمس بالفعل، لكن ما حدث بعد إعلان النتائج كان كاشفًا بقدر التجربة نفسها. فبعض المشاركين من أنصار الأرض المسطحة قبلوا، على الأقل، الجزء الذي رأوه بأعينهم: شمس الأربع وعشرين ساعة في أنتاركتيكا حقيقية. قال أحدهم، جيران كامبانيلا، ما معناه إن الإنسان قد يكون مخطئًا أحيانا، وإنه كان يعتقد أن شمس الأربع وعشرين ساعة غير موجودة، ثم رآها بنفسه. كان هذا اعترافًا مهمًا، لا لأنه حسم كل شيء عنده دفعة واحدة، بل لأنه أظهر أن التجربة المباشرة يمكن أن تفتح ثقبًا في جدار الاعتقاد المغلق.
غير أن رد الفعل الأوسع داخل مجتمع الأرض المسطحة لم يكن قبولًا جماعيًا بالنتيجة. على العكس، ظهرت بسرعة محاولات لإنقاذ الفكرة الأصلية، قيل إن التصوير ربما تم في استوديو، أو داخل قبة، أو أمام شاشة خضراء، أو إن المشاركين خُدعوا، أو إنهم صاروا جزءا من المؤامرة. وهكذا، بدل أن تكون الرحلة اختبارًا فاصلًا وتجربة حاسمة، تحولت عند كثيرين إلى دليل جديد على اتساع المؤامرة نفسها.
وهنا تحديدًا تعطينا "أنتاركتيكا" نبذة أعمق عن موضوع الأرض المسطحة. فالمسألة ليست مجرد خطأ علمي، مثل طالب لم يفهم درسًا في الجغرافيا أو الفيزياء. لو كانت كذلك، لكفى أن نعرض الدليل، ثم ينتهي النقاش. لكنها في صورتها الحديثة نظرية مؤامرة كاملة؛ أي إنها لا تكتفي بالقول إن الأرض مسطحة، بل تضيف إلى ذلك أن الحكومات ووكالات الفضاء والجامعات وشركات الطيران والبحارة والطيارين والمعلمين والعلماء، وربما ملايين البشر عبر قرون، يشتركون بطريقة ما في إخفاء الحقيقة.
هذا هو الفارق بين الجهل العلمي ونظرية المؤامرة؛ الجهل العلمي فراغ يمكن ملؤه بالمعلومة، أما نظرية المؤامرة فهي بناء مغلق يحول كل معلومة معارضة إلى جزء من المؤامرة. إذا عرضت صورة للأرض، قيل إنها مفبركة. إذا تحدث طيار، قيل إنه متواطئ. إذا سافر شخص إلى أنتاركتيكا، قيل إن الرحلة مزيفة. وإذا اعترف مؤمن سابق بالأرض المسطحة بأنه رأى ما يخالف اعتقاده، قيل إنه خائن أو مأجور.
ولذلك فالأرض المسطحة ليست "نظرية علمية بديلة"، لأنها لا تقدم نموذجًا قادرًا على التنبؤ والاختبار والتصحيح. لكنها أقرب إلى سردية هوية وشك عام في المؤسسات، تمنح صاحبها شعورًا بأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وأنه نجا من الخداع الجماعي، وأنه يمتلك مفتاحًا سريًا لفهم العالم.