كون واحد صالح للحياة.. لِمَ رفض ستيفن هوكينغ نظرية تعدد الأكوان؟

مقدمة الترجمة:

في السنوات الأخيرة من عمره، انشغل ستيفن هوكينغ بتأمل الكون من وجهة نظر أعمق من المعتاد، ليبحث ليس فقط عن القوانين التي تفسر ظواهره الغريبة جدا والمدهشة في آنٍ واحد، بل عن طبيعة هذه القوانين نفسها؛ كيف نشأت ولِمَ اتخذت هذا الشكل وتلك البنية وليس شكلا آخر أو بنية أخرى؟ الفيزيائي البلجيكي توماس هيرتوغ يحكي لنا قصة هذا المشروع المدهش الذي تشارك فيه مع هوكينغ.

نص الترجمة:

كان معروفا بين الطلاب في جامعة كامبريدج أن مَن يحرز أعلى الدرجات في الجزء النهائي من امتحانات الرياضيات فسيحظى بفرصة مقابلة ستيفن هوكينغ، ولحُسن الحظ كنت أنا مَن حصل على هذه الفرصة وحظيت بدعوة لإجراء مناقشة معه. حينذاك واجهت صعوبة وأنا أشق طريقي إلى مكتبه بسبب متاهة قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية بجامعة كامبريدج. كان مكتبه يقع في مبنى فيكتوري قديم على ضفاف نهر كام، وموقعه قريب من الصالة الرئيسية. ورغم الضوضاء التي يعج بها المكان، فإن ستيفن كان يحب ترك باب مكتبه مفتوحا قليلا، لذا طرقت الباب وتوقفت هُنيهة ثم فتحته ببطء. لم أكن أعرف بالضبط ما ينتظرني على الجانب الآخر من ذلك الباب.

كنت أدرك بالطبع مدى شهرة ستيفن جرّاء أبحاثه في مجال الثقوب السوداء وأفكاره المثيرة للجدل حول ما قد يفضي إليه الوضع عندما تنفجر. ومع ذلك اتضح لي أن ما كان يشغل ذهنه في ذلك الوقت سؤال مختلف تماما عن كل ذلك. ظل لغز “لماذا يُعد كوننا مثاليا تماما لظهور الحياة على سطحه؟” يتردد في رأسه. والتفكير في ذلك اللغز سيتحول فيما بعد إلى رحلة طويلة خضنا غمارها أنا وستيفن معا. فعلى مدار العقدين التاليين -وحتى وفاته- عملنا معا جنبا إلى جنب على أفكار جديدة مهدت الطريق إلى فهم جديد تماما لسبب وجود الكون على الهيئة التي تشكَّل عليها، فقد اكتشفنا أن قوانين الفيزياء نفسها تطورت بشكل ما لتصل إلى ما هي عليه الآن وتتمكن من تقديم وجهة نظر مختلفة لسبب وجود الكون على هذه الهيئة.

في لقائي الأول به في يونيو/حزيران عام 1998، وقعت عيناي على ستيفن وهو جالس خلف مكتبه تعلوه تلك الهالة الغامضة ورأسه متكئ على مسند كرسيه المتحرك. كانت نافذة المكتب مفتوحة، وفيما بعد اكتشفت حبه لأن تظل مفتوحة طوال الوقت، حتى في أيام البرد القارس. وعلى إحدى السبورات السوداء، التقطتْ عيني معادلات بدت وكأنها تعود إلى أوائل الثمانينيات، وتساءلت حينذاك عما إذا كانت تلك المعادلات هي آخر ما خطته يداه.

خلال حديثنا، تساءل ستيفن هوكينغ عن طريق الجهاز الذي يستخدمه لترجمة كلامه: “يبدو أن الكون يمتلك نسقا محددا، لكن لِمَ يبدو على هذا النحو يا تُرى؟”. لم يسبق لأيٍّ من معلمي الفيزياء أن طرحوا مثل هذه الأسئلة عليَّ من قبل، لذا حاولت أن أجيبه بسؤال آخر: “أليست هذه مسألة فلسفية؟”، لكنه أجاب بعينين ينبعث منهما بريق غامض: “لم تعد الفلسفة ذات جدوى”. (لعله قصد بذلك أن الفلسفة لم تعد قادرة على توفير إجابات مفصلة أو معتمدة على الأدلة العلمية للأسئلة الكبيرة والمعقدة حول الكون والحياة).

لطالما بَرَع هوكينغ في اختزال الكثير من الأفكار في عدد قليل من كلمات مُختارة بعناية. فعندما تحدث عن الكون وتصميمه على هذا النسق، كان يشير إلى ملاحظة مفادها أنه من بين جميع الأكوان التي يمكن أن توجد، فإن كوننا وحده مهيأ لاحتضان الحياة داخله. أما كيفية التعامل مع هذا الأمر فظلت مسألة مُربكة تشغل بال المفكرين بطريقة أو بأخرى لعدة قرون. ومع ذلك، لم نكتشف مدى عمق هذه المسألة أو نسبر أغوارها إلا في الآونة الأخيرة.

ثمة تناغم كافٍ بين المتغيرات في الكون لتجعله مناسبا لظهور الحياة، وهذا التوافق يتعلق بالعديد من الخصائص والقوانين الفيزيائية التي إذا خضعت لأي تلاعب ولو بسيط فسيتمخض عنها عواقب وخيمة كانعدام فرصة وجود حياة في هذا الكون. خذ على سبيل المثال “بوزون هيغز” (Higgs boson) (وهو جُسيم افتراضي يُعتقد أنه أدى دورا حيويا في نشأة الكون في أعقاب الانفجار العظيم)، ورغم أنه يزن ما يصل إلى 133 بروتون (وهو ما يبدو ثقيلا بالنسبة لجسيم)، فإنه مع ذلك أخف بمقدار 100 مليون مليار مرة مما قد يعتبره علماء الفيزياء كتلة طبيعية.

يتفاعل جسيم هيغز مع جسيمات المادة الأخرى ويمنحها كتلة، لكن هذا التفاعل يزيد في الوقت نفسه من كتلة بوزون هيغز أيضا. ومع ذلك، تُعَدُّ خفة هذا الجسيم أمرا ضروريا للحياة، إذ يؤدي دورا في الحفاظ على خفة جسيمات مثل الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات. وهذا بدوره يضمن عدم انهيار المكونات الأساسية للحياة على غرار الحمض النووي (DNA) والبروتينات والخلايا تحت تأثير قوة الجاذبية.

يمكنك أيضا أن تتأمل في فكرة توسع الكون على سبيل المثال. في عام 1998، اكتشف علماء الكونيات أن توسع الفضاء في زيادة مستمرة منذ نحو 5 مليارات سنة. وغالبا ما يُعزى سبب هذا التسارع إلى ما يُعرف بطاقة الفراغ التي تنبأت بها نظرية الكم. ومع ذلك، يبدو أن كثافة طاقة الفراغ أقل بمقدار 10 أُس 120 مرة مما يتوقعه الفيزيائيون بناء على النظرية. لكن تخيل إذا كانت كثافة طاقة الفراغ في الكون أكبر قليلا، ألا يعني ذلك أن تأثيرها النافر سيصبح أقوى وسيكون التسارع قد بدأ قبل ذلك بكثير؟ لذا في هذا السيناريو، ستغدو المادة متناثرة في الكون على نحو نادر للغاية، لدرجة أنه لا يمكن تجميعها معا لتُشكِّل النجوم والمجرات، مما يَحُول مرة أخرى دون تشكُّل الحياة.

تنطوي قوانين الفيزياء وعلم الكونيات على عدة خصائص تساهم في تشكيل الحياة، لدرجة أن معظم العلماء في الماضي افترضوا أن العلاقات الرياضية التي تدعم قوانين الفيزياء هي حقائق رياضية أبدية ومطلقة تتجاوز العالم المادي، وبناء على ذلك اعتبروا أن الكون تَشكَّل بناء على تلك القوانين الفيزيائية.

طالع أيضا
Total
0
Share