
بعد يوم من مغادرة الثلاثيني السوداني محمد داؤود وعائلته منزلهم بحي البوستة جنوب أم درمان غرب الخرطوم في 15 أبريل/نيسان الماضي، احتل مقاتلون من مليشيا الدعم السريع الموجودين في تقاطع صينية مستشفى التيجاني الماحي منزله ونهبوه بحسب ما أخبره جاره.
ولا يملك داؤود الموظف بأحد البنوك التجارية غير منزله الذي يصفه بـ “شقا عمري الضائع” إذ لم يتمكن من التقدم ببلاغ إلى قسم شرطة الأوسط المقابل لمنزله لإغلاقه أول أيام عيد الفطر الموافق 22 أبريل الماضي بحجة أن رئاسة شرطة محلية أم درمان “الكموندانية” أُغلقت هي الأخرى، حسب قوله لـ”العربي الجديد”.
ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية بين قوات الدعم السريع والجيش حتى السابع من أغسطس/آب الجاري تغيب قوات الشرطة عن مواقعها في ولاية الخرطوم، باستثناء انتشارها في محلية كرري شمال غربي العاصمة، كما يقول العميد ياسين سعد الجزولي ضابط الشرطة المتقاعد (عمل في شرطة الاحتياطي المركزي)، والذي تابع في إفادته لـ”العربي الجديد”: “كان على الشرطة التمسك بدورها في حماية المدنيين وعدم الانسحاب من مواقعها، وهو ما يحقق هدف قوات الدعم السريع التي بدأت حربها بمهاجمة سجن الهدى وإطلاق سراح مساجين مدانين بأحكام قضائية وآخرين بانتظار صدور الأحكام”.
وفي 21 أبريل 2023، أطلق سراح قرابة 7 آلاف سجين من سجن الهدى وقال الحراس بأن قوات الدعم السريع هاجمت مبنى السجن، بحسب ما وثقه موقع المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام (منظمة غير حكومية) في 30 أبريل 2023.
وتمتلك الشرطة من الأفراد والتسليح ما يؤهلها للقيام بدورها الكامل إذ إن قوات الاحتياطي المركزي، يقدر عددها بنحو 80 ألف عنصر مدربين على استعمال الأسلحة وبعض أنواع المدافع والطائرات المروحية وحتى مضادات الطيران، بحسب العميد شرطة متقاعد عوض المفتاح (عمل في 12 ولاية سودانية آخرها الخرطوم في 2017)، مؤكدا لـ”العربي الجديد” أن تسليح الشرطة حسب الإدارة ونوع التشغيل، وفي بعض الإدارات هناك تسليح متقدم مثل إدارات حماية البترول والنفط ومكافحة التهريب والجمارك، ولديها الكلاشنكوف والقربينة Arquebus ورشاش mp5، ويقول: “إدارة الإمداد (تابعة لرئاسة قوات الشرطة) تمتلك كل أنواع الأسلحة التي تحتاجها للقتال وفقا لما شاهدته بنفسي أثناء خدمتي”.
كيف اختفت قوات الشرطة؟
“منذ اليوم الأول للاشتباكات في الخرطوم، سارعت قوات الدعم السريع إلى الاستيلاء على أسلحة قوات الشرطة ونهب سياراتهم من الأقسام والإدارات، وأصبحت الشرطة مجردة من سلاحها، ولا يمكنها استخدام أسلحة الجيش لعدم تلقيها تدريبات على استخدامها”، حسب إفادة مصادر قيادية في شرطة ولاية الخرطوم فضلت عدم ذكر هويتها، لكونها غير مخولة بالحديث مع الإعلام.
الدعم السريع دهم السجون وأطلق سراح المدانين
وتتطابق إفادات المصادر مع ما قاله لـ”العربي الجديد”، المستشار الإعلامي لوزارة الداخلية السودانية، الفريق هاشم علي عبدالرحيم، والذي أقر بمغادرة قوات الشرطة لمقراتها الخدمية والجنائية في العاصمة، وتابع: “الشرطة ظلت تعمل في كل محليات الخرطوم حتى تم إجبارها قسراً من قبل الدعم السريع على مغادرة مقراتها”، مضيفا لـ”العربي الجديد” أن مليشيا الدعم السريع دهمت مقار الشرطة في ولاية الخرطوم بصورة ممنهجة ومقصودة منذ اليوم الأول للمواجهات ونهبت محتوياتها واتخذتها مقار لإدارة قواتها.
ويبرر المستشار القانوني لقوات الدعم السريع، محمد المختار، استهدافهم لمقار الشرطة والسعي للسيطرة على أسلحتها وسياراتها، بأنها “أصبحت طرفًا في الحرب بعد اغتيال نائب مدير عام قوات الشرطة الفريق شرطة نصر الدين عبد الرحيم في بداية مايو/أيار الماضي، وإحالة مديرها العام الفريق شرطة عنان حامد إلى التقاعد وسبق أن رفضا الزج بالشرطة في القتال”، مضيفا أن:” الشرطة اختفت لأن أكثر من 7 آلاف من منسوبيها دخلوا مصر منذ أول يوم في الحرب وبقية الشرفاء رفضوا المشاركة في الحرب وبعضهم انحاز للدعم السريع”.
ويتابع المختار قائلا:” البرهان ومن معه أصروا على إقحام الشرطة في الحرب، والدليل أن مواقعها في الخرطوم وأم درمان صارت معسكرات لتجميع أعضاء حزب المؤتمر الوطني وقد حاولت الشرطة الهجوم على الدعم السريع رغم تحذيرنا لها في بيانين حيث طالبنا أن تظل في الحياد، لكن قيادة الجيش أعلنت التعبئة العامة وطلبت حتى معاشي الشرطة الدخول في الحرب”، ويضيف: “نحترم الشرطة وهي جهاز مدني منوط به حفظ الأمن، والشرطة موجودة في الولايات ولم نتعرض لها بل إننا أطلقنا مؤخرا 23 من أسرى الشرطة لعلمنا أنهم مغرر بهم”.
100 يوم من النهب
رافق اختفاء قوات الشرطة انفلات أمني، نجم عنه تفشي سلب ونهب الممتلكات الخاصة والعامة، حسب ما يقول الرائد الطيب عثمان يوسف (متقاعد)، وتابع في إفادته لـ”العربي الجديد” :”الشرطة قوى مدنية معنية بحفظ الأمن والسلم والدفاع المدني، وأكثر حضورا في حالة الطوارئ، مثل الحروب والكوارث الطبيعية، لكن غيابها يؤكد جهل الفاعلين (الجيش والدعم السريع) بدور الشرطة”، واصفا أعمال النهب والسرقة التي حدثت للأسواق والمحال التجارية والبنوك، بأنها “شكل من أشكال الجريمة المنظمة، يتحمل مسؤوليتها أطراف النزاع ومساندوهم وقيادات الشرطة”.
وتعرضت ممتلكات المواطنين للنهب، وفق توثيق معدي التحقيق، لحالات خمسة أشخاص سرقت ممتلكاتهم، ومن بينهم عصام أحمد، والذي سُرق من متجره في مجمع الذهب بالسوق العربي بالخرطوم حوالي 6 كيلوغرامات من الذهب في 27 أبريل الماضي، مؤكدا لـ”العربي الجديد”، أن كل الشواهد تشير إلى أن قوات الدعم السريع هي من سرقت متجره، ويقدر أن إجمالي كمية الذهب المسروقة من المجمع يصل إلى 2.5 طن ذهب مشغول (على شكل حلي)، ويقول: “سجلت بلاغا عبر منصة الشرطة الإلكترونية”.
وهو ما فعله الصائغ عبد الحميد فضل، الذي سجل بلاغا في تلك المنصة، بعدما سُرق من متجره بمجمع الذهب في الخرطوم 22 كيلو و500 غرام من الذهب في الـ 27 من إبريل الماضي، متهما مليشيا الدعم السريع بسرقته، ويقول لـ”العربي الجديد”: “نمتلك أدلة توثق اقتحامهم متاجرنا”.
وبعد شهرين من الاختفاء التام أطلقت وزارة الداخلية منصة الشرطة الإلكترونية في 19 يونيو/حزيران الماضي، والتي تختص بتلقي البلاغات ودعت “جميع المواطنين والمقيمين إلى الإبلاغ الفوري عبر المنصة، على أن يتم التعامل مع البلاغات فوراً بعد استتباب الأوضاع الأمنية في البلاد والتحري والنشر والضبط وتسليم المبلغين تقرير عن هذه البلاغات، كما سيتم التعامل مع المضبوطات وفق البيانات التي تم تدوينها بهذه المنصة”.
وخلال 13 يوماً من إطلاقها سجلت منصة الشرطة الإلكترونية مليون بلاغ، من أصحاب السيارات المسروقة حتى الثالث من يوليو/تموز الماضي، كما يقول محجوب عثمان (من سكان محلية شرق النيل)، الذي سجل البلاغ الأول عن سرقة سيارته وحصل على رقم “55 ألفا”، وبعد نصف ساعة من تسجيل البلاغ، سجل بلاغا عن سرقة سيارتهم الثانية، وحصل على رقم “86 ألفا”، وبعد يومين سرقت سيارتهم الثالثة، فسجل بلاغا ثالثا في المنصة ليتخطى الرقم المليون بلاغ، كما يقول لـ”العربي الجديد”.
بالمثل وصل عدد بلاغات نهب المنازل عند الرقم 889672 بلاغا، كما يقول الصحافي محيي الدين جبريل، مراسل قناة الميادين، والذي سجل بلاغا بالمنصة عن سرقة منزله جنوب الخرطوم في الثامن من يوليو الماضي وتابع في إفادته لـ”العربي الجديد”: “قوات الدعم السريع ترافقها عصابات سرقت بيتي المكون من أربعة طوابق”.
