مقال

من قاد حملات الهجوم الرقمي على حسام حسن بعد رفع العلم الفلسطيني؟

5/7/2026

بعد فوز المنتخب المصري لكرة القدم على نظيره الأسترالي في مباريات الدور 32 من كأس العالم 2026، توشح المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن بالعلم الفلسطيني، مهديًا الفوز للشعب الفلسطيني.

تحولت تلك اللقطات مباشرة إلى حديث رواد وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لافتًا ما رصده فريق "إيكاد" من وجود بعض الحسابات العربية التي هاجمت تصرف حسام حسن، إلى جانب حسابات إسرائيلية اتخذت ذات الموقف.

بدا الهجوم في ظاهره انتقادًا لموقف رياضي، لكن التحليل التقني لفريق "إيكاد" كشف وجود حملة منظمة شاركت فيها حسابات عربية تبنت الرواية الإسرائيلية وأعادت إنتاجها، ثم تولت حسابات إسرائيلية تضخيم هذا المحتوى. 

شبكة مترابطة 

فباستخدام تمثيل بياني للعلاقات (Network Graph)، أجرى الفريق تحليلًا لبنية شبكة التضخيم الخاصة بالحملة على منصة "إكس"، وهو ما كشف عن وجود تفاعل متبادل بين الحسابات المشاركة، وتشاركها في قاعدة تضخيم واحدة.

وحسب شبكة التضخيم، بدت الكتلة البنفسجية الأكبر حجمًا متمحورة حول الحساب الإسرائيلي "يوسف حداد". وتتصل بها الكتلة ذات اللون السماوي، التي يتمركز فيها حساب المصري الداعم للرواية الإسرائيلية، مجدي خليل، وهو ما يشير إلى ترابط واضح بين شبكة الحسابات المضخمة لكلا الحسابين. 

أما الكتلة الزرقاء فهي من أكثر الكتل تشابكًا؛ إذ تنتظم حول ثلاثة حسابات عربية تتبنى الرواية الإسرائيلية، مثل جاسم الجريد وماجدة الحداد وصفاء صبحي، الأمر الذي يدل على إعادة نشر مشترك من قبل حسابات مضخمة مشتركة. 

وتتفرع حولها الكتلة الخضراء التي يتصدرها كريم جاهين، والكتلة البرتقالية التي يتصدّرها "الأخ رشيد"، والكتلة التركوازية التي يتصدّرها محمد سعد خير الله، وجميعها حسابات عربية تتبنى رواية إسرائيلية صريحة. وتتصل بهذه الكتل العربية كتلتان إسرائيليتان: الكتلة الذهبية التي تتصدّرها الصحفية الإسرائيلية "عيدت بار"، والكتلة الزهرية التي يتصدّرها الحساب الإسرائيلي "جلعاد مئير".

واللافت هنا أن هذه الكتل لا تعمل منفصلة أو معزولة عن بعضها بعضًا، بل يربطها عدد من الحسابات، أعادت نشر أكثر من حساب مركزي معًا، كما أنها ربطت الحسابات العربية بالإسرائيلية. ما يعني أنها تتقاسم جمهور تضخيم واحدًا، يردد الرسائل نفسها أيًا كان مصدرها.

مرفق 01  شبكة التضخيم تُظهر ارتباط الكتل العربية والإسرائيلية عبر حسابات مشتركة (إيكاد)

ما السرديات التي تبنتها الحملة؟

ومن خلال تحليل مضمون المحتوى المنشور على الحسابات المرصودة، تبين أن الحملة اعتمدت أربع سرديات رئيسية؛ تمثلت الأولى في اتهام حسام حسن بـ "المتاجرة بالقضية الفلسطينية". إذ أُبرز رفع العلم على أنه استعراض شخصي أو محاولة لصناعة بطولة وهمية، مع الادعاء بأن المدرب يستثمر لحظة الفوز لتحقيق مكاسب سياسية، وأن رفع العلم "مسرحية" لا تعبر عن تضامن حقيقي، بل تشجع المصريين على تبني القضية الفلسطينية بدلًا من دعم منتخبهم الوطني. وبرزت هذه السردية في منشورات الأخ رشيد وكريم جاهين.

مرفق 02 نموذج لحسابات كريم جاهين والأخ رشيد تتهم حسام حسن بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية

أما السردية الثانية فربطت الواقعة بـ "تسييس الرياضة" و"اختراق الإخوان"، واعتبرت أن رفع علم فلسطين دليل على هيمنة الإسلاميين على الرياضة المصرية، مستحضرة اسم لاعب المنتخب المصري السابق محمد أبو تريكة وربطه بحركة حماس، مع المطالبة بمعاقبة المدرب وإيقافه بدعوى مخالفته لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم. وتكرر هذا الخطاب في منشورات كريم جاهين أيضًا، ومجدي خليل، وكامل، وجاسم الجريد، وماجدة الحداد.

وركزت السردية الثالثة على التشكيك في الانتماء الوطني، عبر الادعاء بأن حسام حسن رفع علمًا أجنبيًا بدلًا من العلم المصري، وربط التضامن مع فلسطين بفقدان الهوية الوطنية، مع اعتبار الحدث تعاطفًا مع "حركة غوغائية أو إرهابية". ومن أبرز الحسابات التي روجت لهذا الخطاب داليا زيادة، وصفاء صبحي، وتوفيق عكاشة.

أما السردية الرابعة فاتخذت طابعًا ساخرًا، إذ سخرت من حسام حسن ومن المنتخب المصري، وربطت رفع العلم بقرب خروج مصر من البطولة، ووعدت المصريين بما وصفته بـ "لعنة فلسطين". وظهرت هذه الرسائل في منشورات محمد سعد خير الله وحساب "bosh".

مرفق 10 صور توثق منشورات ساخرة استهدفت حسام حسن ضمن الحملة

معهد واحد يجمع أبرز الوجوه

وعبر تتبع شبكة الترابطات بين هذه الحسابات، كُشف أن أربعة من أبرز الحسابات العربية التي قادت السرديات المذكورة أعلاه يجمعها خيط مؤسسي واحد؛ يتمثل في معهد الدفاع عن الديمقراطيات (IDI)، الذي يعرف نفسه بأنه مركز بحثي معني بقضايا الشرق الأوسط والإسلام والتهديدات الأيديولوجية التي تواجه الغرب، ويعلن صراحة دفاعه عما يسميه "الحضارة اليهودية المسيحية".

01 / 04
محمد سعد خير الله: زميل السياسات بالمعهد، وكاتب في عدد من الصحف الإسرائيلية، مثل "جيروزاليم بوست" و"إسرائيل هيوم" و"تايمز أوف إسرائيل".
مجدي خليل: زميل أول لشؤون الشرق الأوسط بالمعهد.
الأخ رشيد: زميل أول  بالمعهد، وهو مغربي أمريكي وُلد مسلمًا ثم اعتنق المسيحية، ومؤلف كتاب "خلف الإرهاب الإسلامي".
جاسم الجريد: روج للمعهد علنًا ودعا صراحة لمتابعته، وهناك تعاون مشترك بينه وبين "IDI".

صلات فردية مباشرة بمؤسسات إسرائيلية

كما رصد التحقيق ارتباطات فردية مباشرة لعدد من الحسابات المشاركة بالحملة بمؤسسات بحثية وإعلامية إسرائيلية رسمية وشبه رسمية.

01 / 02
داليا زيادة: تشغل زمالة بحثية أولى في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA)، الذي أسسه "دور غولد"، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والسفير الإسرائيلي الأسبق لدى الأمم المتحدة.
ماجدة الحداد: تعرف نفسها على منصة "X" بأنها مناصرة لاتفاقيات أبراهام، وأجرت عام 2024 أول مقابلة لها مع صحيفة "Jerusalem Post".

حسابات إسرائيلية تضخم المحتوى العربي

وبتحليل الحسابات التي شاركت في تضخيم منشورات الحملة، تبين أن بعض الحسابات الإسرائيلية أو الداعمة لإسرائيل شاركت في تضخيم محتوى الحسابات العربية، تمامًا كما فعلت مع الحسابات الإسرائيلية التي رددت ذات السرديات.

فقد أعاد الحساب الإسرائيلي "@peter_1256" نشر محتوى الأخ رشيد وجاسم الجريد ومجدي خليل إلى جانب يوسف حداد، فيما أعاد الحساب "@Liberal1frus" نشر محتوى مجدي خليل. 

كما أعادت حسابات إسرائيلية أو مناصرة لإسرائيل، بينها "@Ofir_Ma" و"@edicohat" و"@mu_Jew"، نشر تغريدات كريم جاهين وماجدة الحداد وداليا زيادة، وهو ما أظهر تفاعلًا متبادلًا بين الطرفين، عزز انتشار الخطاب نفسه داخل المحتوى العربي والإسرائيلي في آن واحد.

الخلاصة

يخلص التحقيق إلى أن الهجوم ضد مدرب منتخب مصر بعد رفعه العلم الفلسطيني لم يكن ردَّ فعل عفويًا، بل حملة تضخيم متكاملة التقت فيها حسابات عربية تتبنّى الرواية الإسرائيلية مع حسابات إسرائيلية. إذ كشف التحليل عن قاعدة تضخيم مشتركة وحسابات تربط الحسابات العربية بالإسرائيلية مباشرة، وتنقل ذات السرديات. كما تبين أن من بين الحسابات المشاركة في الحملة تنتمي لمعهد واحد له صلات بالإعلام الإسرائيلي، وأن بعضها يرتبط بمؤسسات إسرائيلية.

وجاءت الحملة الرقمية بالتزامن مع موجة هجوم شنّها إعلام الاحتلال الإسرائيلي ضد حسام حسن، حيث وصفت صحف ومنصات عبرية الخطوة بأنها إدخال للسياسة في البطولة، وركزت على أن فلسطين ليست طرفًا مشاركًا في المونديال، بينما ذهبت تغطيات أخرى إلى اعتبار المشهد "استفزازيًا" لإسرائيل. وفي المقابل، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لا يحظر رفع علم فلسطين في مباريات كأس العالم، باعتبار فلسطين عضوًا في الاتحاد الدولي.