منذ 40 عامًا.. كيف يبني الاحتلال مدينة استيطانية كاملة في الجولان السوري المحتل؟
منتصف أبريل/ نيسان 2026، صادقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على خطة استثمارية لتطوير هضبة الجولان السوري المحتل حتى عام 2030 بقيمة مليار شيكل (نحو 334 مليون دولار)، ومن بين أهدافها الرئيسية تحويل مستوطنة "كتسرين" إلى أول مدينة إسرائيلية في الهضبة السورية المحتلة، مع مضاعفة بنيتها التحتية وتكثيف أعداد المستوطنين.
وحسب الوزير بوزارة المالية والمكلف بإعادة تأهيل الشمال، زئيف إلكين، تمثل الخطة أضخم استثمار حكومي بالهضبة منذ احتلالها عام 1967. وفي المقابل، دانت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في 28 أبريل/ نيسان 2026، القرار، مؤكدة أنه "يمول جرائم حرب" عبر التخصيص غير القانوني للمال العام لنقل وتوطين آلاف الإسرائيليين داخل أراضٍ سورية محتلة.
دفعت هذه المستجدات فريق "إيكاد" للتساؤل حول ماهية هذه المستوطنة وموقعها وكيفية نشأتها وطبيعة تطورها وصولًا إلى القرار الأخير. وهو ما يحاول هذا التقرير الإجابة عنه.
ما هي "كتسرين"؟
أقيمت "كتسرين" عام 1977 فوق أطلال قرية "قصرين" السورية المهجرة التابعة لمحافظة القنيطرة، عند الإحداثيات: (32.991635, 35.691930). وكانت القرية قبل عدوان 1967 تضم 500 نسمة من الفلاحين يعتمدون على ينابيع واديها الدائمة وأراضيها الزراعية الخصبة، قبل أن يهجّر الاحتلال سكانها ويدمر منازلهم بالكامل.
وتبعد المستوطنة 13 كيلومترًا عن بحيرة طبريا و14 كيلومترًا عن خط وقف إطلاق النار مع سوريا، قبالة قريتي "الأصبح" و"الرفيد". وخطَّطها الاحتلال كمرتكز حضري يتوسط الهضبة لربط الأطراف بالمركز وتوفير الخدمات لكافة المستوطنات، حتى أطلق عليها "عاصمة الجولان". وفي مقابلها من الجهة السورية، على بعد نحو 18 كيلومترًا، تقع نقطة "تل أحمر" التي أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وتصنف حكومة الاحتلال مستوطنات المجلس الإقليمي للجولان والمجلس المحلي لـ "كتسرين" مناطق ذات أولوية قومية.
ما الذي تكشفه صور الأقمار الصناعية؟
للتعرف على التاريخ الإنشائي للمستوطنة، عاد الفريق إلى أقدم صورة فضائية متاحة للموقع على "Google Earth"، بتاريخ 31 ديسمبر/ كانون الأول 1985، وأظهرت اللقطة أنها كانت بلدة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 670 دونمًا، بما يشمل ذلك منطقتها التجارية.
وبعد نحو 19 عامًا، وبالتحديد مطلع عام 2004، كشفت الصور الفضائية توسع المستوطنة وزيادة حجمها بشكل واضح. وفي صور متفرقة خلال عامي 2023 و2024، تبين أن عمليات التوسعة شملت البيوت السكنية في الجهة الشمالية للبلدة، كذلك توسعت المنطقة التجارية أو الصناعية المتمركزة شرقي البلدة، وإن كان توسع الأخيرة أقل من الأولى. وخلال العامين التاليين، كشفت الصور الفضائية منخفضة الدقة استمرار عمليات التوسعة والتطوير في المستوطنة.
وتبين أن مساحة المستوطنة بلغت، في أغسطس/ آب 2026، نحو 3010 دونمات (2.34 كلم² سكنية و0.67 كلم² صناعية). وهو ما يؤكد أن القرار الحكومي الصادر مؤخرًا جاء تتويجًا لمسار توسعي تراكمي امتد لأكثر من أربعة عقود.
أزمة عدد السكان
يصطدم طموح تحويل كتسرين لمدينة بالمعيار القانوني لنظام الحكم المحلي الإسرائيلي، الذي يشترط تجاوز السكان 20 ألف نسمة لمنح صفة "مجلس مدينة"، في حين يبلغ عدد سكانها الحالي نحو 8100 نسمة فقط، يشكل المهاجرون السوفييت 30% منهم؛ ما يجعلها بعيدة ديموغرافيًا عن معايير المدن الحضرية.
لكن تسعى الخطة الحكومية لسد هذه الفجوة عبر استيعاب 1500 عائلة جديدة في "كتسرين"، ضمن مشروع أوسع لجلب 3000 عائلة للجولان حتى 2030. وتستهدف الوثائق الحكومية تسويق 3 آلاف وحدة سكنية جديدة بالمستوطنة والمجلس الإقليمي حتى 2031.
وتأتي هذه الأهداف في منطقة سجلت، وفق البيانات الواردة في ملف الخطة، أدنى نمو سكاني ناتج عن الهجرة والزيادة الطبيعية بين المحافظات الإسرائيلية خلال الفترة من 2010 إلى 2025، بإجمالي 14 ألفًا و795 نسمة. كما تصف الوثائق الجولان بأنه الأقل كثافة سكانية، بمعدل 52.7 نسمة لكل كيلومتر مربع.
وحاليًا، يبلغ إجمالي سكان هضبة الجولان 50 ألف نسمة، يشكّل السوريون الدروز نصفهم تقريبًا، وتعد "مجدل شمس" كبرى بلداتهم. وتظهر المقارنة بين الخريطتين تفوق مجدل شمس حجمًا وعمرانًا على "كتسرين"؛ ما قد يفسر اندفاع حكومة الاحتلال لضخ الاستثمارات لقلب الميزان الديموغرافي لصالح المستوطنين، وتحويل "كتسرين" إلى سد دفاعي مدني في الشمال.
كيف يسعى الاحتلال لجذب المستوطنين لـ "كتسرين"؟
حسب ملف نشرته الحكومة الإسرائيلية، يستهدف المشروع كذلك بناء المقومات السكانية والاقتصادية والخدمية اللازمة لتحويل "كتسرين" إلى مدينة. وتشمل الخطة زيادة المعروض من الوحدات السكنية، وتطوير البنية التحتية والمباني العامة، وتنشيط الاقتصاد، وتحسين الخدمات وجودة الحياة، إلى جانب تعزيز قدرات السلطات المحلية على قيادة النمو في المنطقة.
وسيخصص أكثر من 65 مليون دولار لدعم محركات النمو في الصناعة والزراعة والسياحة، بما يشمل إنشاء "منتزه 890" في كتسرين وتطوير موقع كورسي. كما سيوجه نحو 36 مليون دولار لتوسيع النشاط الأكاديمي، وبناء البنية التحتية لفرع جامعة كريات شمونة، وإنشاء مركز طبي بيطري ومركز "أغريتك" لتطبيقات الزراعة المتقدمة.
وتتضمن الخطة تخصيص نحو 49 مليون دولار لتعزيز التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى 52 مليون دولار في صورة منح تطوير للسلطات المحلية. كما سيُرصد أكثر من 26 مليون دولار لتطوير التقاطعات المرورية، وإنشاء محطة نقل مركزية في كتسرين، وتحديث شبكات المياه والصرف الصحي.
وتوجه القرارات وزارة الاستيطان إلى المساعدة في بناء وترميم وتجهيز أكاديميات تحضيرية قبل عسكرية معترف بها، إلى جانب إنشاء أكاديميات وفروع جديدة. وستشرف مديرية "تنوفا للشمال"، وهي وكالة حكومية إسرائيلية تأسست عام 2024 لتسهيل إعادة إعمار وتطوير المناطق الشمالية المتضررة من القتال منذ عام 2023، على تنسيق تنفيذ المشروع مع السلطات المحلية.
ويمتد التطوير إلى إعادة تجهيز الأرض، إذ ستخصص أموال لإزالة حقول ألغام في موقع سياحي، بما يسمح ببدء أعمال التطوير فيه. كما ستنقل وزارة الزراعة وأمن الغذاء جزءًا من ميزانيتها لعام 2026 إلى وزارة الأمن لتنفيذ أعمال إزالة الألغام والمخلفات عبر السلطة المختصة على مساحة 24 دونمًا، بما يتيح تأهيل نحو 700 دونم من الأراضي الزراعية.
ولا تمثل الخطة بداية التحرك الإسرائيلي لزيادة سكان الجولان، ففي 15 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، وافقت حكومة الاحتلال بالإجماع على خطة بنحو 11 مليون دولار لمضاعفة عدد سكان الهضبة. كما تكشف الوثائق أن تفاصيل تمويل المشروع الحالي خضعت للدراسة والنقاش خلال سنوات سابقة، قبل اعتماد المليار شيكل.
خطط لإقامة مستوطنات أخرى في الجولان
ليست "كتسرين" المستوطنة الوحيدة التي يعمل الاحتلال على توسيعها في الجولان. ففي 2022، أعلنت تل أبيب خططًا لبناء مستوطنتي "أورحا" عند الإحداثيات: (32.848565, 35.813795)، و"متر" عند الإحداثيات: (33.114331, 35.716852). لكنّ فحص الفريق لصور الأقمار الصناعية بين 2020 و2026 أثبت غياب أي أعمال حفر أو بناء في الموقعين؛ ما يؤكد بقاءهما خططًا على الورق حتى الآن، مقابل تسريع بناء "كتسرين" الميداني.
أذرع استيطانية
لا تتحرك سياسة توسيع الوجود الاستيطاني الإسرائيلي عبر المؤسسات الحكومية وحدها، بل إن المعطيات السابقة تشير إلى أن فرض الأمر الواقع عبر المستوطنين وجمعياتهم ومنظماتهم يسبق القرارات الحكومية الرسمية.
وبشكل عام، تنشط في الجولان منظمات يمينية متطرفة تستخدم الزراعة وتطوير المستوطنات وسيلة لفرض حضور مدني متصل على الأرض. وتتقدم هذه المنظمات "الحارس الجديد" (Hashomer Hachadash)، التي تدير دوريات مسلحة بميزانية 33 مليون دولار. وأنزلت المنظمة في 2 يوليو/ تموز 2026 قطيعًا يضم 140 بقرة لمديرها، يوئيل زيلبرمان، ليرعى على 10 آلاف دونم قرب وادي الرقاد قبالة قرية "معرية" السورية عند الإحداثيات: (32.794123, 35.769509)، وهو ما خلق وجودًا مدنيًا وزراعيًا متواصلًا في منطقة كانت تُعتبر منذ فترة طويلة مكشوفة أمنيًّا، ولم يكن بإمكان أي مدني الدخول إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن المنظمة تتلقى تمويلًا حكوميًا مباشرًا؛ إذ حوّلت وزيرة الاستيطان والمهام القومية، أوريت ستروك، 13.5 مليون دولار للمنظمة عام 2024. ونشرت المنظمة، في 12 فبراير/ شباط 2026، توثيقًا لغرس غابة بالجولان تكريمًا لـ "ميريام" و"شيلدون أدلسون"، لدورهما في دفع إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
كذلك تنشط في الخلفية حركة "أمانا" (amana) الاستيطانية التابعة لمنظمة "غوش إيمونيم"، التي تخضع لعقوبات أمريكية وأوروبية وتتلقى تمويلًا من مجلس "بنيامين". وحسب تعريفها لنفسها على موقعها الرسمي، تهدف الحركة -التي تأسست عام 1978- بهدف استيطان أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والجليل والنقب.
ويتكامل دورها مع حركة "رواد باشان" المتطرفة، التي وثقت "إيكاد"، في أغسطس/ آب 2025، توغل عناصرها داخل خط وقف إطلاق النار السوري لوضع حجر الأساس لمستوطنة "نيفي باشان"؛ كاشفة عن مسار تهويد شامل ينطلق من "كتسرين" لابتلاع الأرض السورية.
الخلاصة
كشفت الصور الفضائية عن توسع إسرائيلي ممنهج في مستوطنة "كتسرين" منذ نحو 40 عامًا، الأمر الذي تُوّج في النهاية بتصديق حكومة الاحتلال على خطة استثمارية ضخمة لتحويل المستوطنة إلى مدينة، وهو ما يتطلب مضاعفة أعداد مستوطنيها وتهيئة البنية التحتية المدنية والخدمية لاستيعاب هذه الزيادة والمساهمة في اجتذابها ابتداء. ورغم أن الخطة الإسرائيلية تستهدف تعزيز التواجد الاستيطاني في الجولان السوري المحتل بشكل عام، لكن "كتسرين" النموذج الأكثر تقدمًا وتطورًا حتى الآن.
ويكرر هذا المخطط نموذج تهويد الضفة الغربية؛ حيث حوّل الاحتلال مستوطنة "جفعات زئيف" شمال القدس رسميًا إلى مدينة في 12 يوليو/ تموز 2026، بأمر عسكري أصدره قائد المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال، آفي بلوط. واعتبر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، ترقيتها خطوة لتثبيت الوقائع الاستيطانية. وهو النهج ذاته الذي يُمارَس في الجولان اليوم.