مقال

كيف تتحول البؤر الاستيطانية جنوب القدس إلى قواعد عسكرية؟

9/12/2025

تحت غطاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كانت تجري في الضفة الغربية حرب أخرى أقل ضجيجًا، ينفذها المستوطنون على الأرض. وفي إطار متابعة فريق "إيكاد" للأنشطة الاستيطانية المتصاعدة في الضفة، قادنا منشور تسويقي على فيسبوك بتاريخ 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 إلى بؤرة استيطانية جديدة. 

إذ دعا المنشور إلى التبرع لمزرعة في الضفة الغربية، مقدّمًا نشاطها باعتباره جزءًا من "مهام مقدسة" في ما يسميه الاحتلال "يهودا والسامرة". ومن هذا الإعلان الذي نشره المستوطن الإسرائيلي، يديديا بلوتكين، بدأ الخيط الذي قاد فريق إيكاد إلى مزرعة "زوهار يهودا".

مرفق 01 إعلان يديديا بلوتكين عن مزرعة زوهار يهودا (16 أكتوبر 2025) 

وبالبحث العكسي عن المزرعة وخلفيتها، توصلنا إلى مقطع تسويقي آخر لها نُشر في 15 أكتوبر / تشرين الأول  2025 -أي قبل إعلان الفيسبوك بيوم- على قناة عبر يوتيوب باسم "شركة شير للاستراتيجية والإدارة"، وتضمّن المقطع تصويرًا جويًا للمزرعة ومنشآتها. 

يوتيوب

أين تقع المزرعة؟

أفاد بلوتكين -في المقطع- بأن مؤسس البؤرة هو مستوطن يدعى "إليشا تيرنر". وبالبحث في خلفية الأخير، وجدنا تقريرًا بثته القناة السابعة الإسرائيلية، مشيرةً فيه إلى أن تيرنر جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي وشرع في إقامة تلك البؤرة قبل عامين. 

مرفق 02 المستوطن الإسرائيلي "إليشا تيرنر" مؤسس مزرعة زوهار يهودا

في ضوء تلك المعلومات، عمدنا إلى توسيع دائرة البحث وراء تلك البؤرة الاستيطانية، وشرعنا في عملية تحديد موقعها عبر المقطع الجوي المنشور على يوتيوب، ومن خلال تحليل المعالم الجغرافية الظاهرة فيه، ومقارنتها مع صور الأقمار الصناعية الملتقطة للمنطقة، تبين لفريق "إيكاد" أنها تقع فعليًا جنوبي القدس، وتحديدًا عند الإحداثيات التقريبية: "31.620528, 35.253038".

وباستخدام أدوات المصادر المفتوحة -ومنها صور أقمار صناعية منخفضة وعالية الدقة- تبين أن المزرعة أُنشئت في فبراير/ شباط 2024. كما تبين أن هذه المزرعة -التي تُعرف أيضًا باسم "حفات هارئيل"- لم تبقَ على صورتها الأولى منذ إنشائها؛ إذ تابعها فريق "إيكاد" بالرصد والمراقبة، عبر الأقمار الصناعية، ليجد تغيرات طرأت عليها في الفترة من فبراير/ شباط 2024 إلى ديسمبر/ كانون الأول 2025، شملت أعمال توسعة ظهرت في شكل مبانٍ وكرفانات وحظائر رعوية، بما يعكس تطور بنيتها واتساع النشاط داخلها. ولم يقتصر هذا التوسع على المنشآت فقط؛ فقد أظهرت الصور شق طريق جديد من المزرعة باتجاه أعلى التلة، ما يسهل حركة المستوطنين ويدعم تمددهم في محيطها.

قبل
بعد

دعم سياسي رسمي 

تزامن هذا التوسع الميداني مع نشاط إعلامي وتسويقي لافت حول المزرعة؛ فالقناة السابعة الإسرائيلية وصفت في تقريرها -الذي أشرنا إليه أعلاه- المزرعة بوصفها "رمزًا" للاستيطان النشط جنوبي القدس، كما أفادت بأن المزرعة أطلقت حملة تمويل جماعي واسعة لدعم استمرار نشاطها الرعوي، وتوسيع الأنشطة الزراعية داخلها، وإنشاء مزارع جديدة مشابهة، وتعميق "الجذور اليهودية" في قلب الصحراء، حسب وصفها. تكشف هذه التفاصيل أن "زوهار يهودا" لا تُسوَّق كمزرعة قائمة بذاتها فقط، أو مجرد مشروع رعوي منفصل.

وفي ذات السياق، نشر الكاتب اليميني الإسرائيلي المختص بالشؤون العربية، تسفي يحزكيلي، مقالًا عدّ فيه المزرعة ومحيطها بأنها "خط المواجهة الجديد" مع الفلسطينيين، معتبرًا أن ما يفعله إليشا تيرنر ومن حوله لا تستطيع أربعة ألوية من جيش الدفاع الإسرائيلي فعله"، وناعتًا إياهم بـ "الجيش الحقيقي الذي يحرس الأرض". كما أنه وصف المزرعة والنقاط المنشأة حولها مثل (تومر وماغين أبراهام وحي تقوع الخامس) بأنها "واقع جديد على الأرض"، وأن العرب باتوا يخشون الاستيطان والوجود. 

مرفق 06 الكاتب الإسرائيلي "تسفي يحزكيلي" يصف مزرعة زوهار بالجيش الحقيقي الحارس للأرض وخط المواجهة أمام الفلسطينيين   

لم يكن هذا التداخل بين التوسع الميداني والتسويق الإعلامي معزولًا عن الدعم السياسي  الرسمي للمزرعة. ففي 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ظهرت "ليمور سون هار ميلخ"، نائبة رئيس الكنيست وعضو لجنة الخارجية والأمن، في زيارة للمزرعة. ووصفت عائلة تيرنر بأنها "تحافظ على الأمن وتحقق النصر في الميدان"، معتبرة أن "الآن هو وقت الاستيطان في جميع أنحاء أرض أجدادنا"، داعية إلى التبرع لدعم أنشطة المزرعة والقائمين عليها.

مرفق 07 زيارة عضو الكنيست "سون هار" لمزرعة زوهار يهودا في 19 أكتوبر 2025

تكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية بسبب انتماء النائبة إلى حزب "عوتسما يهوديت" -أو "القوة اليهودية"- وهو الحزب الذي أسسه وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، المعروف بتطرفه ومواقفه العدائية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. 

ويتقاطع هذا الدعم السياسي مع سياسة أوسع قادها بن غفير بعد السابع من أكتوبر، تمثلت في تسريع تسليح المستوطنين، فبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن مكتبه، صدرت نحو 230 ألف رخصة سلاح ناري جديدة للمستوطنين في 60 مدينة مختلفة حتى أغسطس/ آب 2025.

وتنسجم هذه السياسة مع رؤية بن غفير المسماة "سلاح الجماهير"، التي أعلنها عام 2023. وذكرت صحيفة "كاليكست" الإسرائيلية أن هذه السياسة تضمنت تجهيز 6 ملايين رصاصة و40 ألف بندقية، بتمويل من ميزانية وزارة الأمن الوطني الإسرائيلية بلغت قيمته ربع مليار شيكل. 

مرفق 08 أصدرت وزارة الأمن القومي الإسرائيلي في ولاية إيتمار بن غفير 230 ألف رخصة سلاح للمستوطنين حتى أغسطس/ آب 2025 (القناة 12 العبرية)   

ويبدو أن هذه السياسة وجدت صداها سريعًا في مزرعة "زوهار يهودا". فمن خلال متابعتنا للمزرعة وأخبارها، رصدنا ظهور أحد عناصر عائلة "إليشا تيرنر" المؤسسة للمزرعة، إلى جانب مستوطن يحمل بندقية هجومية من طراز "M4"، وهي ذات البنادق التي وزعت الشرطة الإسرائيلية كميات كبيرة منها على المستوطنين.

مرفق 09 مستوطن يحمل بندقية "M4"  في المزرعة، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 (حساب المصورة الإسرائيلية "ناعما") 

الخلاصة 

في ضوء تلك المعطيات المرصودة، لا تبدو "زوهار يهودا" مجرد مزرعة رعوية، بل جزءًا من بيئة استيطانية يتداخل فيها التمويل، والتوسع العمراني، والدعم السياسي، وتسليح المستوطنين، بما يمنح هذه البؤر الرعوية وظيفة ميدانية تتجاوز الزراعة والرعي، وتصبح كنواة قابلة للتكرار في مواقع أخرى، بما يحولها إلى شبكة تمدد استيطاني متدرجة تأتي ضمن إطار حكومي داعم منظم، ومرتبط بأعلى القادة والمسؤولين الإسرائيليين.

وتأتي هذه الحركة الاستيطانية الواسعة في سياق ما أكدهّ أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة في وثيقة وجّهها إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي، أشار فيها إلى أن مؤشرات توسع الاستيطان وصلت في عام 2025 إلى أعلى مستوى لها منذ أن بدأت الأمم المتحدة في مراقبة هذه التطورات بشكل منهجي عام 2017، إذ أفاد بأن 47 ألف وحدة سكنية استيطانية تمت الموافقة عليها أو فُتحت مناقصات بشأنها خلال العام، مقارنة بحوالي 26 ألفًا عام 2024.