تحقيق

"إيكاد" ترصد نشاط فلول نظام الأسد في لبنان

17/9/2026

نشر أحد عناصر نظام الأسد صورة لرجل من أكبر تجار المخدرات في لبنان، وواحد من أبرز المقربين للنظام السابق، مرفقًا إياها بعبارات تشير ضمنًا إلى أنه تحت حماية ذلك الرجل. يُدعى ذلك الشاب "حسن إبراهيم"، بينما الرجل الآخر كان "نوح زعيتر". تساءل فريق "إيكاد" عن الرابط بين شاب من المفترض أنه لا يزال مقيمًا في الأراضي السورية، وذاك الرجل اللبناني.

وللإجابة عن السؤال، عمل الفريق على فحص حساب "حسن" ورصد محتواه، الأمر الذي كشف عن انتقاله من سوريا إلى لبنان، وعن ظهوره مسلحًا بعد الانتقال. دفعنا ذلك إلى تحليل ارتباطاته والبحث خلفه بشكل أكثر تعمقًا، وهو ما أوصلنا إلى عدد آخر من الحسابات، تبيّن -بعد فحصها- أن أغلب أصحابها من فلول النظام السابق، وأنهم انتقلوا إلى الأراضي اللبنانية، وينشطون حاليًا في مناطق نفوذ "حزب الله" وبعض الميليشيات المرتبطة به.

ويحاول هذا التحقيق رصد الأماكن التي يتواجد بها عناصر الشبكة، وتحديد الفترة الزمنية التي غادروا فيها سوريا، كما يتتبع نشاطاتهم وارتباطاتهم بعد انتقالهم إلى لبنان، ما كشف عن استكمال نشاطهم المسلح من داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل تهديداتهم ضد الحكومة السورية.

كيف أثبتنا وجودهم في لبنان؟

من خلال تحليل حساب "حسن"، حدّد الفريق عددًا من الحسابات التي بدا عليها انتماء أصحابها إلى النظام السابق، ورصد التفاعلات المرتبطة بها، ثم حلّل المحتوى المنشور عليها، وهو ما رجّح تواجد هذه العناصر في الأراضي اللبنانية.

01 / 07
فعلى سبيل المثال، نشر صاحب التحية "حسن إبراهيم" -وهو علوي من طرطوس- صورًا ومقاطع يظهر فيها مسلحًا بجوار سيارات تحمل لوحات تعريف لبنانية، ما يعني أنه -على الأرجح- موجود في لبنان.
ومن خلال المحتوى المنشور على حساب "حسن"، وصل الفريق إلى حساب "محمد الونوس"، وهو علوي من جبلة. وجمعت الاثنين عدة صور ظهرا فيها مسلحيْن، ما يعني أنهما في ذات الموقع.
ومن ذات الحساب أيضًا وصلنا إلى حساب شخص ثالث يشاركهم المكان نفسه، يُدعى "حارث سليطين"، حيث نشر حسن صورة جماعية لعدد من المسلحين، كان من بينهم حارث، الذي تبين -بعد فحص حسابه- أنه من اللاذقية.
وبتوسيع دائرة البحث، توصل الفريق إلى حساب "يزن بدور"، الذي رجح الفريق -استنادًا إلى رصد التفاعلات معه- وجوده هو الآخر في لبنان. حيث وثق الفريق صورة تجمعه مع صديقه "محمد ملاوخي"، نشرها الأخير على حسابه في 4 أبريل/ نيسان 2025، مرحّبًا بتواجد "يزن" في الأراضي اللبنانية. كما أظهرت خاصية الموقع -التي فعّلها ملاوخي- وجودهما في "قضاء الشوف" بمحافظة "جبل لبنان".
ومن بين الحسابات التي رصدها الفريق حسابا "حمزة رحمون" و"علي الحسن"، وقد أعلن كلاهما الانتقال إلى بيروت وبعلبك، في 19 مارس/ آذار و12 يونيو/ حزيران 2025، على التوالي.
كما تظهر منشورات "محمد المحمد" وجوده داخل لبنان، بينها صورة ظهر فيها مسلحًا أمام أحد القصور. 
وكان الثامن "علي تلجي"، الذي استدللنا من صوره ومقاطعه المنشورة على تواجده داخل لبنان، وكان في إحداها واقفًا أمام سيارةٍ تحمل أرقام تسجيلٍ لبنانية.

ماذا كانوا يفعلون في لبنان؟

وبعد إثبات وجود أفراد الشبكة في لبنان، انتقل الفريق إلى رصد وتحليل ما نشرته حساباتهم، سعيًا للتعرف على طبيعة نشاطهم في الأراضي اللبنانية. وتوزّع نشاطاتهم، حسبما وثقته حساباتهم، على ستة خطوط متشابكة؛ من حمل السلاح إلى تهديد الحكومة السورية.

ظهروا جميعًا مسلّحين

القاسم المشترك الأول أن أفراد الشبكة وثّقوا -عبر المواد المنشورة على حساباتهم- حيازتهم للسلاح وانخراطهم ضمن بيئات مسلحة.

01 / 08
فعلى سبيل المثال، نشر "محمد المحمد" مقاطع مصورة من مكان تكدست فيه الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وفي 21 أبريل/ نيسان 2025، نشر مقطعًا يتجول فيه داخل سيارة مقنعًا ومسلحًا، وظهر في صور أخرى حاملًا سلاحه فوق سيارة دفع رباعي. 
كذلك حمل "علي الحسن" رشاش كلاشينكوف في صورةٍ ذكر أنها في الضاحية ببيروت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
وجلس "علي تلجي" وبجانبه بندقيته في منشورٍ بتاريخ 6 سبتمبر/ أيلول 2025.
 واختار "حمزة رحمون" صورةً لملفه الشخصي يرفع فيها بندقيتين.
ويظهر "حارث سليطين" مسلحًا في صورة جماعية إلى جانب عدد من رفاقه المسلحين.
وفي أحد المقاطع، ظهرت بندقية كلاشنيكوف ومسدس داخل سيارة "يزن بدور".
كذلك رُصد "حسن إبراهيم" حاملًا سلاحه في إحدى القصص (ستوري) المنشورة على حسابه.
وفي أرشيف "الونوس"، رصدنا مقطعًا نشره على حسابه، يظهر فيه عسكريًا في جيش النظام عام 2020، ووضع في المقطع نفسه صورته ملثّمًا بكامل عتاده، من جنديٍّ في جيش الأسد إلى عنصر من عناصر الفلول المسلّحين.

في كنف ميليشيا "آل زعيتر"

كما وثّقت بعض حساباتهم ارتباطهم بجماعة "آل زعيتر"، المقربة من نظام الأسد والمعروفة بالاتجار بالمخدرات وعمليات الخطف والابتزاز.

01 / 04
من هؤلاء "حسن إبراهيم" الذي وجّه التحية لـ "نوح زعيتر"، وظهرت في حسابه لقطات حمل فيها سلاحه ويشارك في موكب ليلي بحي "الشراونة" بـ "بعلبك".
فضلًا عن "محمد المحمد"، الذي وثّق حسابُه ارتباطًا متكررًا بـ "آل زعيتر"، حيث شارك مقاطع مصورة ظهرت فيها مواكب سيارات كُتب عليها "آل زعيتر" و"دولة آل زعيتر"، كما نعى تاجر مخدرات يُعرف بـ "أبو سلة"، ونشر نعوات أخرى لأفراد من العائلة قُتلوا في مواجهات مع الجيش اللبناني، بينهم "علي منذر زعيتر". 
وانضم "حمزة رحمون" إلى الخط ذاته، حين نشر صورًا وفيديوهات لـ "نوح زعيتر" بعد أن أوقفه الجيش اللبناني، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، في مؤشرٍ على احتمال صلته بجماعته. 
أما "علي تلجي"، فكان دليله أقوى من المنشورات، حيث نشرت وزارة الداخلية السورية مقطعًا لاستجواب "وسيم الأسد"، تاجر المخدرات المقرّب من النظام الذي شارك في المعارك ضد السوريين، ظهر فيها "تلجي" جالسًا إلى طاولة واحدة مع "وسيم الأسد" و"نوح زعيتر" نفسه.

مؤشرات الارتباط بـ "حزب الله"

إضافة إلى ارتباطهم بـ "آل زعيتر"، رصد فريق "إيكاد" -استنادًا إلى تحليل محتوى الحسابات المرصودة- تواجد عدد من فلول نظام الأسد داخل مناطق نفوذ "حزب الله" اللبناني. إذ نشر كل من "حسن إبراهيم" و"حمزة رحمون" مقاطع مختلفة لمجموعة سيارات ترفع رايات الحزب، وقد نشر الأخير صورًا له ولمرافقيه تحت وسمَي "الساحل السوري" و"المقاومة"، وظهر بلباس عسكري ضمن أرتال تسير في مناطق جبلية، ما يشير إلى احتمالية انخراطه ضمن صفوف الحزب.

تهريبٌ نشط على خط الحدود

لم يقتصر تواجد أعضاء الشبكة على لبنان، أو بالأحرى مناطق نفوذ "حزب الله" الجنوبية، إذ تكشف منشورات الشبكة عن حركة نشطة على خط الحدود السورية اللبنانية، ذهابًا وإيابًا. ولعل من أوضح النماذج على ذلك ما ذكره "علي الحسن". فبعد إعلان انتقاله إلى بعلبك في يونيو/ حزيران 2025، نشر مقطعًا له، في 13 أغسطس/ آب، من داخل "عين الشرقية" بمدينة اللاذقية في الساحل السوري، ومقطعًا آخر من بلدة "بيت ياشوط" في المدينة نفسها، ثم عاد في 12 سبتمبر/ أيلول 2025 لينشر مقطعًا من داخل سيارة تسير في طريق جبلي، حدد موقعه على الحدود السورية اللبنانية.

مرفق 04 مقاطع من حساب "علي الحسن" توثق تنقله بين "عين الشرقية" بـ"اللاذقية" وطريق جبلي، ومقطعًا ليليًا موسومًا عند الحدود السورية اللبنانية في 12 سبتمبر/ أيلول 2025 

وفي ذات السياق، نشر "حارث سليطين" صورة يقف فيها قرب سياج أو شريط حدودي، ونشر "محمد المحمد" مقاطع من داخل سيارات تسير في طرق جبلية وعرة، يُحتمل أنها مسارات حدودية بين لبنان وسوريا، وظهرت في أحد مقاطعه بندقية موضوعة على لوحة القيادة أثناء تنقله.

خيوطٌ ممدودة إلى فلول الداخل

كذلك لم تنقطع صلة الشبكة بفلول النظام داخل سوريا. وأوثق خيوطه ما كشفه تتبّع حساب "محمد الونوس"، إذ تبيّن أنه ذاته من يدير حساب "أبو تراب ظل المقاومة"، أحد الحسابات المركزية في شبكات فلول النظام، والمرتبط مباشرةً بـ"مضر علي"، أحد الأسماء البارزة في هذه الشبكات. 

فمن حساب "أبو تراب" نُشرت مقاطع لملثّمٍ يظهر على أحد أصابع يده اليسرى وشمٌ مطابق -شكلًا وموضعًا- للوشم الظاهر في صور "الونوس"، ما يشي بأن الحسابين يديرهما الشخص نفسه.

مرفق 07 مقاطع من حساب "أبو تراب ظل المقاومة" وصور من حساب "محمد الونوس"، وتُظهر المربعات الحمراء موضع الوشم الذي اعتمده الفريق في مقارنة الحسابين (إيكاد)

وامتد الخيط إلى الشرق السوري أيضًا. فبحسب نمط التفاعل المشترك، يُعدّ "علي الحسن" مقربًا من فلول لنظام الأسد كشف الفريق، في تحقيق سابق، انخراطهم في صفوف "قسد"، مثل "علي أسعد أبو حسين" و"علي حبابة"، وقد ازدحمت تعليقات منشورات "الحسن" بعبارات الترحيب والتودّد المتبادلة بين هذه الأوساط.

وتظهر صلة أخرى بفلول الداخل في أرشيف "حمزة رحمون"، الذي تكشف منشوراته قربه من جماعة "جعفر سعيد" المسلحة، التي رصدها الفريق في الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد. فقد نشر نعوات لمقاتلين منها، وصورة بتاريخ 3 يناير/ كانون الثاني 2025 بالتزامن مع الأحداث التي شهدها الساحل حينها، ثم انتقل إلى بيروت بعد نحو شهر من مقتل "جعفر سعيد" نفسه.

مرفق 10 نعوات من حساب "حمزة رحمون" لمقاتلين من جماعة "جعفر سعيد"، بينها مقاتل خلف رشاش متوسط وصور مرفقة بعبارات ترحم

ويمتد الخيط نفسه إلى "يزن بدور" الملقب "الجادو"، من قرية "بكسا" في ريف "اللاذقية" الشمالي. وتشير خانة العمل في حسابه إلى خدمته سابقًا في قوات "الحرس الجمهوري". وفي 23 يناير/ كانون الثاني 2025، نشر فيديو تظهر فيه بندقية كلاشنيكوف ومسدس داخل سيارته، ثم نشر، في 6 مارس/ آذار، صورة يظهر فيها ملثمًا ومسلحًا برفقة ملثمين آخرين، بالتزامن مع أحداث الساحل. وتربط هذه المواد "يزن" بالمشهد المسلح المرتبط بفلول النظام في الساحل، قبل انتقاله إلى لبنان. 

وتكمل المطابقة البصرية خط "يزن" الزمني قبل انتقاله إلى لبنان. فقد طابق الفريق، في أحد مقاطعه، الشوارع والأبنية وواجهات المحال الظاهرة في الخلفية، ومنها محل "بن برهوم"، وحدد موقعه في حي "الدعتور" بمدينة "اللاذقية"، الذي شهد حملة أمنية ضد الفلول في 4 مارس/ آذار 2025. 

سلاحٌ موجّه ضد الحكومة السورية

وفي لبنان ظهر الامتداد المسلح الأوضح لهذا المسار. ففي 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نشر "يزن"، عبر حساب جديد أرشف الفريق محتواه قبل إغلاقه، صورًا لرشاشات روسية ومقاطع حملت اسم "صقور الساحل"، بينها لقطة لملثم أمام راية "حزب الله". وفي اليوم التالي ظهر ملثمًا ومسلحًا يهدد الحكومة السورية، زاعمًا تجهيز آلاف المقاتلين لمهاجمتها. وبذلك أعلن حساب "صقور الساحل" عن خلية مسلحة تنشط من لبنان وتوجه تهديدها نحو دمشق. 

الخلاصة

يوثّق التحقيق مسارًا متصلًا لفلول من الساحل السوري انتقلوا إلى لبنان، وظهروا مسلحين داخل بيئات مرتبطة بـ "آل زعيتر" و"حزب الله"، مع حركة متكررة عبر الحدود. وتمتد خيوطهم إلى حسابات مرتبطة بـ "لواء درع الساحل" وخلية "صقور الساحل"، التي وجّهت تهديدًا مسلحًا إلى الحكومة السورية من الأراضي اللبنانية.

وتأتي هذه المعطيات ضمن سياق أوسع على خط "سوريا" و"لبنان"، حيث ربطت "وزارة الخزانة الأمريكية" تجارة الكبتاغون بدائرة "الأسد" والفرقة الرابعة بقيادة "ماهر الأسد"، ثم تحدثت في بيان لاحق عن شبكة لبنانية تدر ملايين الدولارات لـ"حزب الله" عبر إنتاج الكبتاغون وتهريبه.

ويضع "تقرير المخدرات العالمي 2026" هذا المسار داخل سوق إقليمي أوسع، بعدما استحوذ "الشرق الأدنى والأوسط" على 77% من مضبوطات الكبتاغون عالميًا بين 2020 و2024، مع إنتاج رئيسي في "سوريا" و"لبنان"، وارتفاع في المضبوطات خلال 2025 بعد تفكيك مختبرات ومخازن داخل "سوريا".

وعلى الأرض اللبنانية، أوردت "لوريان توداي" في نوفمبر 2025 توقيف "نوح زعيتر" قرب "بعلبك"، وهو خاضع لعقوبات أمريكية منذ 2023 بتهم إنتاج الكبتاغون وتهريبه. وفي أبريل 2026، عبر تقرير لـ"رويترز" عاد معبر "المصنع" إلى واجهة الأخبار بعد اتهامات الاحتلال الإسرائيلي باستخدامه لتهريب السلاح وإغلاق سوري مؤقت للمعبر. داخل هذه البيئة تتحرك خيوط التحقيق، بين "البقاع" و"الساحل السوري"، حيث تتقاطع شبكات السلاح والمخدرات مع فلول نظام يبحثون عن مظلات جديدة بعد سقوط "الأسد".