مقال

بعد 17 شهرًا من اختفائها.. مقطع قصير يقود "إيكاد" إلى موقع الطائرة السورية الهاربة

31/8/2026
بعد حذف مقطع قصير من ساحة وقوف داخل مطار سبها جنوبي ليبيا، تمكن فريق "إيكاد" من استعادته، بعد الاشتباه في هوية طائرة شحن ضخمة بذيل أزرق ظهرت فيه. وبعد فحصه تقنيًا وتحليله بصريًا، تشكّلت أمام الفريق طبقات من الأدلة تشير جميعها إلى طائرة "YK-ATD".
يمتلك أسطول الشحن السوري أربع طائرات من طراز "إليوشن Il-76"، ثلاث منها اليوم في مطار دمشق. أما الرابعة "YK-ATD"، فغادرت إلى بنغازي قبل سقوط نظام بشار الأسد بأربعة أيام.
 ومنذ فبراير/ شباط 2025، اختفى أثرها العلني. ويتتبع هذا التحقيق أين ذهبت الطائرة بعد هذا الاختفاء، ويرصد للمرة الأولى مؤشرات على ظهورها مجددًا.

غياب الطائرة منذ فبراير 2025

وكان تحقيق سابق لـ "إيكاد" قد تتبّع رحلة الطائرة الأخيرة من دمشق. حيث غادرت مطار العاصمة السورية باتجاه بنغازي في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024، قبل سقوط النظام بأربعة أيام، بالتزامن مع تقدم فصائل عملية "ردع العدوان" وتسارع انهيار قوات النظام، وهو ما أدى إلى فرار بعض مسؤولي النظام السابق إلى ليبيا في ذلك الحين، ما يعطي احتمالًا بأن الطائرة استُخدمت آنذاك لتهريب هذه العناصر.
وبعد هذه الرحلة بأكثر من شهر، بدأ رصد تحرك الطائرة داخل ليبيا، إذ ظهرت في 9 يناير/ كانون الثاني 2025 في رحلتين بين بنغازي وسبها، وسجّلت تحركات إضافية قرب مطار بنينا خلال يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط، حتى هبطت في بنغازي يوم 5 فبراير/ شباط 2025. وعند هذا الهبوط، توقف سجل "YK-ATD" العلني تمامًا، فلم تُسجَّل لها أي رحلة على منصات التتبع العامة حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الطائرات العسكرية أو المستخدمة في مهام خاصة قد تتحرك مع إيقاف جهاز الإرسال، أو خارج نطاق محطات التتبع، فيغيب أثرها عن الرصد. ما يعني بقاء السؤال مطروحًا حول موقع الطائرة "YK-ATD" ونشاطها.

في بنينا.. ظهور بعد انقطاع

جاء أول أثر عثر عليه الفريق داخل هذه الفجوة الزمنية من صور "Apple Maps" لمطار بنينا في بنغازي، حيث ظهرت طائرة من طراز إليوشن "Il-76" متوقفة في إحدى ساحات المطار، بهيكل أبيض وذيل أزرق داكن، وهي نفس ألوان الـ "YK-ATD". 

لم يتعرف الفريق في البداية على زمن التقاط الصورة، نظرًا لأن "Apple" لا تزود المستخدمين بتاريخ الصور. وبمقارنة حالة الساحة والطائرات والمنشآت الظاهرة بصور أقمار صناعية أخرى، قدّر الفريق أن الصورة تعود إلى أواخر فبراير/ شباط أو مطلع مارس/ آذار 2026.

مرفق 01 صورة فضائية ملتقطة لإحدى ساحات الطائرات في مطار "بنينا" (Apple Maps)

ولتضييق الاحتمال بشأن هوية الطائرة، قارن الفريق هذه الصورة بأخرى للطائرة نفسها التُقطت عبر "Google Earth" داخل قاعدة "T4" الجوية في سوريا، وفيها يظهر رقم التسجيل واضحًا على الجناح الأيمن، بينما بدا موضع الرقم مطموسًا في صورة الطائرة في بنينا. ويعزز تطابق الهيكل ونمط الطلاء وموضع العلامات، مع تغبيش الرقم، فرضية أن الطائرة المرصودة في بنينا هي ذاتها التي كانت في قاعدة "T4".

مرفق 02 المقارنة البصرية بين صورة الطائرة داخل قاعدة "T4" الجوية في سوريا والصورة الأخرى من داخل مطار بنينا (إيكاد)

مقطع مصور للطائرة من "سبها"

خلال تمشيط المحتوى المنشور من داخل مطار "سبها"، بأدوات متخصصة في السحب الجغرافي، عثر الفريق على مقطع نشره حساب شخص ليبي، تظهر فيه طائرة شحن كبيرة متوقفة في إحدى ساحات المطار، كما ورد في صدر التحقيق.

أين صُوّر المقطع؟

رغم حذف المقطع لاحقًا، حمّلت "إيكاد" نسخةً منه وفحصت بياناته الوصفية (Metadata).
وهو ما كشف أن تاريخ نشر المقطع كان في 30 يونيو/ حزيران 2026، عند الساعة 17:08 بالتوقيت العالمي.
كما حددت البيانات الوصفية إحداثيات موقع التصوير عند "27.000365" شمالًا و"14.4640617" شرقًا، وهي الإحداثيات التي تتطابق مع إحدى ساحات وقوف الطائرات داخل المطار، ما يؤكد أن المقطع ملتقطٌ من مطار "سبها" بالفعل.
ولإضافة طبقة تحقق أخرى، حلل الفريق العناصر الظاهرة خلف الطائرة في المقطع، وقارنها بصور الأقمار الصناعية ومواد مصورة أخرى التُقطت من المطار، فظهر التطابق عند الجدار ذي الزخارف الهندسية والواجهة المعمارية لمبنى ثمانيّ الأضلاع يقع عند حافة الساحة، إلى جانب تطابق موقع ساحة الوقوف واتجاه التصوير. وبذلك يتأكد أن موقع تصوير المقطع كان داخل مطار سبها.

متى صُوّر المقطع؟

يبقى احتمال أن يكون المقطع معاد التدوير من رحلات الطائرة بين بنغازي وسبها مطلع عام 2025. ولذا، راجع الفريق تسلسل إنشاء المبنى المزخرف عبر صور الأقمار الصناعية، فتبيّن أنه مرّ بعدة مراحل من الإنشاء والتشطيب، وأن الطبقة الخارجية المزخرفة المطابقة لما يظهر في الفيديو ظهرت بصورتها الحالية ابتداءً من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

مرفق 03 صور الأقمار الصناعية الملتقطة للمبنى ثماني الأضلاع داخل مطار "سبها"، من 23 يناير/ كانون الثاني 2025 إلى 22 يوليو/ تموز 2026 (Sentinel-2)

وبذلك يستبعد التسلسل العمراني أن يكون المقطع ملتقطًا في يناير/ كانون الثاني أو فبراير/ شباط 2025، في حين تتوافق حالة المبنى مع التاريخ المستخرج من بيانات المقطع، وهو 30 يونيو/ حزيران 2026. وهنا طُرح التساؤل الأهم حول ماهية هذه الطائرة وتبعيتها.

تحديد هوية الطائرة

بالتحليل البصري للطائرة، كشف خصائصها الهيكلية عن جناح علوي مرتفع، وأربعة محركات نفاثة معلقة أسفله، وذيل عمودي مرتفع بتصميم حرف "T"، وهي عناصر تتطابق مع طائرات النقل والشحن السوفيتية من طراز "إليوشن Il-76"، المصممة لنقل الحمولات الثقيلة والمعدات عبر باب ومنحدر خلفي.

مرفق 04 المطابقة البصرية بين الطائرة الظاهرة في المقطع وصورة مرجعية لطائرة من طراز "إليوشن Il-76" (إيكاد)

وبمقارنة الطلاء الخارجي بالصور السابقة لأسطول الشحن السوري، رصد الفريق مجموعة معالم متطابقة، مثل: الهيكل الأبيض، والذيل الأزرق، والعلامات الحمراء عند أطراف الأجنحة، ومواقع الصدأ أسفل الجناح الأيسر. وما غاب عن الطائرة يوازي في دلالته ما ظهر عليها؛ فشعار "السورية للطيران" الذي كان على الذيل الأزرق أُزيل، ورقم التسجيل يبدو مغطى عمدًا، فيما يعتقد الفريق أنه محاولة مقصودة لإخفاء هوية الطائرة الأصلية، والتي يرجح أنها هي ذاتها "YK-ATD" التابعة للخطوط الجوية السورية.

مرفق 05 المطابقة البصرية بين الطائرة الظاهرة في المقطع وصورة أخرى معلنة للطائرة "YK-ATD" (إيكاد)

ومنعًا لاستبعاد أي احتمال قائم دون دليل، فحص الفريق احتمال أن تكون إحدى طائرات "إليوشن" الليبية، فقارنها بطائرتين معروفتين من الطراز نفسه، هما "5A-POL" التابعة للحكومة الليبية في غرب البلاد وتتركز رحلاتها بين طرابلس ومصراتة، و"5A-DRS" التابعة لقوات خليفة حفتر في الشرق، وترتبط معظم رحلاتها ببنغازي. وهو ما كشف اختلافًا واضحًا في الطلاء والعلامات الخارجية؛ إذ تظهر الأولى بطلاء أبيض ورمادي وذيل فاتح، وتتميز الثانية بخطوط خضراء ممتدة على الهيكل وذيل أخضر، بينما تحمل الطائرة المصورة في "سبها" ذيلًا أزرق ومحركات زرقاء وهيكلًا أبيض وعلامات حمراء عند أطراف الأجنحة، مع انتمائها إلى الفئة الهيكلية نفسها.

مرفق 06 المطابقة البصرية بين الطائرة الموجودة في المقطع ونظرتيها من ذات الطراز لدى الحكومة الليبية وقوات حفتر (إيكاد)

نشاط صاحب الحساب

إثر التأكد من تصوير المقطع الذي تظهر فيه الطائرة داخل مطار "سبها"، وترجيح أنها ذاتها الطائرة السورية "YK-ATD"، سعى فريق "إيكاد" إلى البحث عن هوية الشخص الذي نشر المقطع بالأساس. 

وبعد البحث عن اسم حسابه في منصات أخرى، عُثر على حساب آخر بذات الاسم على "فيسبوك". وبمراجعة صوره الشخصية ومنشوراته القديمة والمواقع التي شاركها، تبين أن الحسابين يعودان لذات الشخص.

وفي معلومات الحساب، عرّف نفسه بأنه رئيس قسم العلاقات العامة في أحد المراكز الطبية بالمنطقة الشرقية منذ سبتمبر/ أيلول 2020، وهو ما يتطابق مع منشور للمركز نفسه في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ذكره فيه بالاسم والصفة الوظيفية، متمنيًا له الشفاء بعد تعرضه لحادث مروري. وظهر ناشر المقطع لاحقًا في عدة صور خلال فترة العلاج، مع إصابة واضحة واستخدامه عكازًا طبيًا.

لكن بعد ذلك التاريخ، تغيّرت طبيعة نشاطه العلني. ففي فبراير/ شباط 2026، نشر صورًا وقصة مصورة (Story) من داخل قاعدة الجفرة الجوية وسط ليبيا، في أول ظهور عسكري رصده الفريق بعد مراجعة منشوراته الممتدة لعدة سنوات، وتبع ذلك تكرار ظهوره داخل منشآت عسكرية وبجوار عناصر وعربات. 

وفي 7 مايو/ أيار 2026، نشر مادة ذات طابع عسكري أرفقها بالرقم "105"، في إشارة تتقاطع مع الكتيبة "105" مشاة التابعة لرئاسة أركان القوات البرية، التابعة لجيش الجنرال خليفة حفتر. وفي 9 يونيو/ حزيران 2026، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من نشر مقطع الطائرة، غيّر الحساب صورته الشخصية إلى صورة يظهر فيها صاحبه مرتديًا زيًا عسكريًا عليه شارات "القيادة العامة" و"الكتيبة 105 مشاة" و"رئاسة أركان القوات البرية". ولا تتيح المواد المرصودة كشف رتبة أحزاز أو طبيعة عمله داخل الكتيبة.

تجدر الإشارة إلى أن المواقع التي ظهر فيها ناشر المقطع تتوزع على المنشآت التي تتواجد فيها تلك الوحدات العسكرية؛ من الجفرة وسط البلاد إلى "تمنهنت" قرب سبها، إلى مطار "غات" وقاعدته الجوية في أقصى الجنوب الغربي، إضافة إلى مطار سبها. 

ويرجّح تقاطع هذا التوزيع مع الإحداثيات المستخرجة من المقطع وبيانات نشره أن صاحب الحساب كان موجودًا في المطار وصوّر المقطع بنفسه، أو أنه تحصّل عليه من مصدر قريب منه. ويبقى الجزم بأنه التقطه بنفسه متعذرًا دون الوصول للنسخة الأصلية الكاملة وبيانات الجهاز المستخدم.

الخلاصة

يضيف الظهور المرجّح لــ "YK-ATD" في مطار سبها طبقة جديدة إلى ملف أسطول الشحن السوري الذي تفرقت طائراته عقب سقوط نظام الأسد. فوفق أحدث ما توفر من مصادر مفتوحة، بقيت الطائرتان "YK-ATB" و"YK-ATC" في دمشق، وأعادت روسيا، في مايو/ أيار 2026، الطائرة "YK-ATA" من قاعدة حميميم إلى مطار دمشق، بعد بقائها تحت السيطرة الروسية منذ الأيام الأخيرة للنظام السابق. وتظل "YK-ATD" وحدها خارج سوريا حتى الآن، مسجلةً باسم شركة تملكها الدولة السورية، ومتوقفةً في نطاق منشأة تستخدمها القوات التابعة لخليفة حفتر، وقد نُزع عنها ما يدل على هويتها بصريًا.

ولا تنفصل هذه المؤشرات عن مشهد أوسع تتداخل فيه الوظائف المدنية والأمنية للمطارات الليبية. ففي مايو/أيار 2024، استأنف مطار سبها حركة الطيران المدني بعد توقف استمر سنوات، مع الإعلان عن رحلتين أسبوعيًا إلى طرابلس وبنغازي، ما يبرز دوره بوصفه مرفقًا مدنيًا يخدم مدن الجنوب أيضًا.

وفي مستوى آخر من الحركة الجوية، أحصى فريق خبراء مجلس الأمن 124 رحلة لطائرات شحن عسكرية نفذتها إيطاليا وروسيا وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة واستخدمت مطارات ليبية خلال فترة تقريره الأخير. وطلب الفريق معلومات عن أغراض الرحلات وحمولاتها لتحديد مدى انطباق استثناءات حظر السلاح عليها، من دون أن يصنف الرحلات جميعها انتهاكات.

أما إقليميًا، فقد شهدت الأيام التالية لسقوط نظام الأسد تحركات جوية أخرى بين سوريا وليبيا؛ إذ أفادت "رويترز" في 14 ديسمبر/كانون الأول 2024 بأن طائرة شحن روسية غادرت قاعدة حميميم متجهة إلى ليبيا، بالتزامن مع تحريك معدات عسكرية داخل القاعدة.

وإلى الشرق من سبها، وثق تقرير أممي عرضته وكالة أسوشيتد برس استخدام مرافق في الكفرة نقاط عبور وقواعد لوجستية لمقاتلين ووقود ومعدات متجهة إلى الحرب في السودان. وتتعلق هذه الوقائع بمدن وطائرات وتشكيلات أخرى، ولا تثبت صلة بالطائرة محل التحقيق، لكنها توضح اتساع الدور الذي تؤديه المطارات ومسارات العبور في ليبيا ضمن حركة إقليمية تتجاوز حدود البلاد.