بعد اتفاق حميميم.. هل حوّلت روسيا جسرها الجوي إلى ليبيا؟
أعلنت السلطات السورية، يوم 9 أغسطس/ آب 2026، التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بشأن إعادة تنظيم المنشآت الروسية في سوريا، وعلى رأسها قاعدة "حميميم" الجوية، التي اعتادت الطائرات الروسية المتجهة إلى إفريقيا المرور عبرها. وفي اليوم التالي مباشرة، رصد فريق التتبع الملاحي في "إيكاد" رحلة نقل روسية توجهت من روسيا إلى ليبيا دون المرور بسوريا. وبعدها بيومين، عادت الطائرة ذاتها لموسكو بشكل مباشر.
مثّل ذلك دافعًا لمواصلة تتبع الرحلات الروسية في المنطقة خلال الأيام التالية للاتفاق، سعيًا للتعرف على انعكاسات الاتفاق المباشرة على الحركة الجوية في قاعدة "حميميم". وللوصول إلى نتائج ذات دلالة، أدخل الفريق الأيام السابقة على الاتفاق ضمن العينة الخاضعة للتحليل.
ولذا، راجع الفريق السجل الملاحي للطائرات الروسية التي تتنقل بين روسيا وسوريا وليبيا خلال الفترة الممتدة من 20 يوليو/ تموز حتى 2 سبتمبر/ أيلول 2026؛ أي قبل الاتفاق بنحو 19 يومًا، وبعده بنحو 24 يومًا.
ما الذي كشفته البيانات الملاحية؟
سجّل الفريق تنقّل أربع طائرات شحن روسية بين روسيا وسوريا وليبيا خلال فترة الإحصاء، وأحصى 26 حركة جوية خلال 43 يومًا.
فحسب البيانات الملاحية المسجلة منذ 22 يوليو/ تموز وحتى 9 أغسطس/ آب 2026 (يوم الاتفاق)، سجّل الفريق 13 رحلة، مرّت جميعها بالقاعدة الروسية في سوريا. وبعد ذلك التاريخ أحصى الفريق 13 حركة أخرى، سلكت خمس منها الطريق المباشر بين روسيا وليبيا، دون المرور بسوريا. ما يعني أن نسبة الرحلات المارّة بسوريا انخفضت إلى 62% من مجمل الرحلات، بعد أن كانت النسبة 100% في الفترة السابقة.
ومن بين 26 رحلة روسية، مرت 21 رحلة منها عبر سوريا؛ 13 قبل الاتفاق، وخمس بعده. فيما سلكت الرحلات الخمس الأخرى مسارًا مباشرًا مع ليبيا، وجميعها بعد الاتفاق كما ذُكر أعلاه.
وحسب البيانات الملاحية المرصودة قبل الاتفاق وبعده، تبين أن كل الرحلات السابقة عليه -خلال فترة الرصد- لم تتجاوز سوريا، في حين سلكت الرحلة التالية له بيوم واحد فقط مسارًا مباشرًا من روسيا إلى ليبيا. وخلال الأسبوع الأول بعد الاتفاق، اتخذت ثلاثة أرباع الرحلات الروسية المسار المباشر دون المرور بسوريا، التي لم يمر عبرها سوى رحلة واحدة.
الطائرات التي نفّذت الرحلات المباشرة
وحسب ما وثقه الفريق خلال فترة الرصد، توزّعت الأدوار بين الطائرات الأربع بوضوح. فالطائرة "RF-78658" زادت حركتها على الطريق عبر سوريا، إذ سجلت ست حركات بعد الاتفاق مقابل أربع قبله. وفي المقابل، كانت الطائرة "RF-78663" الأكثر نشاطًا على الطريق المار بسوريا في فترة الرصد الأولى، لكن رحلاتها توقفت بعد 20 أغسطس/ آب.
أما الطائرتان "RA-76362" و"RA-76363"، فلم تسجل لهما أي رحلة قبل اتفاق 9 أغسطس/ آب 2026 خلال الفترة الزمنية المرصودة، وكانت جميع رحلاتهما بعد ذلك التاريخ، ونُفذت بهما الحركات المباشرة الخمس كلها.
ولوحظ أن هاتين الطائرتين تحملان بادئة التسجيل "RA" المعتمَدة في سجل الطيران المدني الروسي، بينما تحمل الطائرتان الأخريان بادئة "RF"، وتُدرج بيانات التتبع مشغّلهما وزارة الطوارئ الروسية. ما يعني أن الطريق المباشر بين روسيا وليبيا بدأ بطائرات جديدة وجهة مشغّلة أخرى.
الخلاصة
يغطي هذا الرصد 43 يومًا، وما يثبته أن الطريق المباشر من روسيا لليبيا ظهر لأول مرة بعد الاتفاق الروسي السوري بيوم واحد، في 10 أغسطس/ آب، ثم تكرّر خمس مرات في الاتجاهين. وما يظهر من العيّنة المرصودة حتى الآن أن حميميم ما زالت عقدة لوجستية في المسار، وأن طريقًا ثانيًا فُتح إلى جانبها في اليوم التالي للاتفاق وظل يعمل بالتوازي معها. أما ما إذا كان اختبارًا لبنية لوجستية مزدوجة أم ترتيبًا عابرًا، فيقع حسمه على عاتق امتداد الرصد إلى ما بعد انقضاء مهلة إعادة تنظيم المنشآت الروسية في سوريا.
ولا تنفصل هذه المؤشرات عن سياق أوسع سبق اتفاق حميميم نفسه. ففي أبريل/ نيسان 2026، أفادت "رويترز"، في تقرير استند إلى صور أقمار صناعية وتحليلات خبراء، بأن قوات روسية موجودة في قاعدة الخادم الجوية شرقي ليبيا، وأن موسكو تستخدم الأراضي الليبية نقطة انطلاق لعملياتها في غرب ووسط أفريقيا.
وبعدها بشهرين، خلص مشروع "Tearline"، التابع لوكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية الأميركية، بعد تحليل صور أقمار صناعية ومصادر مفتوحة، إلى وجود أعمال تطوير في ست قواعد جوية ليبية مرتبطة بحضور "فيلق أفريقيا"، بينها الخادم والجفرة ومعطن السارة، مع تنبيه التقرير إلى أن الأدلة لا تربط الكرملين بتمويل كل أعمال التوسعة على حدة. وبذلك، كانت ليبيا قبل الرحلات التي يرصدها التحقيق جزءًا من بنية جوية أوسع مرتبطة بالامتداد الروسي نحو أفريقيا، دون أن يحدد ذلك سبب التحول الذي ظهر في العينة بعد 9 أغسطس/ آب.
ويتصل ذلك بمشهد إقليمي يتجاوز حركة الطائرات نفسها. ففي مارس/ آذار 2026، قال فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، في تقريره النهائي، إن الأراضي الليبية استُخدمت قاعدة عملياتية ولوجستية وتكتيكية لتحركات نحو صراعات إقليمية، ورصد تعزيز قاعدة معطن السارة في الجنوب الشرقي لدعم عناصر كانت ضمن مجموعة "فاغنر". وأعلن الكرملين، في يونيو/ حزيران 2025، أن الحضور الروسي في أفريقيا يتوسع وأن موسكو تعتزم مواصلة التعاون في مجالي الدفاع والأمن، فيما بقي "فيلق أفريقيا" في مالي بعد انتهاء مهمة "فاغنر" هناك. وفي أحدث إحاطة لمجلس الأمن بشأن ليبيا، في 18 أغسطس/ آب 2026، جدّدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التأكيد على ضرورة إحراز تقدم في انسحاب القوات والمقاتلين والمرتزقة الأجانب. ولا تثبت هذه الخلفية أن موسكو استبدلت حميميم بليبيا، لكنها تضع الحركات الجوية الجديدة داخل شبكة إقليمية قائمة مسبقًا، تتقاطع فيها القواعد الليبية مع الامتداد الروسي نحو الساحل وغرب أفريقيا.