مقال

بسبب موقفه من غزة.. كيف أُقحم مفتي عُمان في حادث "فلاي دبي"؟

4/10/2026

في 30 سبتمبر/ أيلول 2026، اتهمت الرواية الإسرائيلية مساعد طيار عماني على متن رحلة "فلاي دبي" برقم "FZ1073"، المتجهة من دبي إلى تل أبيب، بمحاولة إسقاط الطائرة. ورصد فريق "إيكاد"، في تحقيق سابق، كيف تحوّل الخطاب بعد الحادث إلى اتهام واسع لسلطنة عُمان بالإرهاب وربطها بإيران. ووسط هذا التصعيد، ظهر اسم مفتي السلطنة، الشيخ أحمد الخليلي، في منشورات حمّلته مسؤولية ما جرى.

إكس

وتتبّع الفريق كيف شاركت مواقع وحسابات إسرائيلية، وأخرى عربية وأجنبية مؤيدة لروايتها، في حملة رقمية على مفتي عُمان عقب الحادث، استحضرت مواقفه من حرب غزة لتربط اسمه بالطائرة وتحمّله مسؤولية "أخلاقية وروحية" عما جرى. وتكشف منشورات سابقة لعدد من هذه الحسابات أن خصومتها مع الخليلي سبقت الحادث.

هجوم الإعلام الإسرائيلي على مفتي السلطنة

مساء يوم الحادث، تناولت قناة "كان" العبرية الواقعة في إحدى حلقاتها بمشاركة مراسلها، روعي كايس، الذي استحضر بدوره مواقف الخليلي منذ بدء حرب غزة، مشيرًا إلى أنه "لا يفوّت فرصة للتحريض ضد إسرائيل ودعم أعدائها".

وعلى ذات النهج، نشرت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية تقريرًا عن الحادث أعاد التذكير بمواقف الخليلي من غزة، ونقلت فيه اتهامات للمفتي بالتحريض ضد إسرائيل، واستعرضت مواقفه من حركة "حماس".

مرفق 01 تقرير صحيفة "إسرائيل هيوم" عن مفتي عُمان، 30 سبتمبر/ أيلول 2026 | إسرائيل هيوم

وكتب موقع "Newsrael" العبري أن الحادث أعاد تسليط الضوء على الخليلي ومواقفه المؤيدة لـ "حماس" والحوثيين، زاعمًا أن مساعد الطيار الذي اتهمته بـ "التطرف" تأثر بفكر المفتي.

مرفق 02 تقرير موقع "Newsrael" عن مفتي عُمان بعد حادث "فلاي دبي" | Newsrael

ونشر موقع "World Israel News" تقريرًا عن الحادث أورد فيه اتهام روعي كايس لمفتي عُمان بالتحريض ضد إسرائيل منذ بدء حرب غزة، وجاء ذكر الخليلي في سياق حديث الموقع عن علاقات السلطنة بإسرائيل وإيران.

مرفق 03 تقرير موقع "World Israel News" عن موقف عُمان من الحادث (World Israel News)

وبالتزامن مع الحادث، نشرت صحيفتا "جيروزاليم بوست" و"تايمز أوف إسرائيل" تقريرين يحملان المضامين نفسها عن علاقة عُمان بإسرائيل، وتناول كل منهما فتور العلاقة بين البلدين منذ حرب غزة، وموقف الخليلي من الهجوم الإسرائيلي على إيران، الذي وصفه المفتي بـ "العدوان الأمريكي الصهيوني الغادر".

مرفق 04 تقريران نُشرا في "تايمز أوف إسرائيل" و"جيروزاليم بوست" عن فتور علاقة عُمان بإسرائيل

وبلغ الهجوم حد التلويح بتصفية المفتي؛ فقد اعتبر موقع "Nziv" العبري مواقف الخليلي من حرب غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، "تحريضًا" ودعمًا لـ "الجهاد"، واضعًا إياه ضمن "الأهداف الأولى" المحتملة للرد على حادث "فلاي دبي".

مرفق 05 تقرير موقع "Nziv" العبري عن مفتي عُمان بعد حادث "فلاي دبي" | Nziv

حسابات تتبنى الرواية الإسرائيلية

وإلى جانب الإعلام الإسرائيلي، حمّلت حسابات عربية تتبنى الرواية الإسرائيلية الخليلي مسؤولية الحادث منذ يومه الأول، وربطت تصرف مساعد الطيار بفتاواه ومواقفه؛ ومنها حسابا مجدي خليل وجاسم الجريد على منصة "X".

وبالعودة إلى منشورات سابقة لأصحاب عدد من هذه الحسابات، رصد الفريق هجومًا قديمًا منهم على الخليلي بسبب مواقفه في قضايا عدة، منها حرب غزة. ومع حادث "فلاي دبي"، تجدد هذا الهجوم بصيغة حمّلته مسؤولية ما جرى.

ومن أبرز تلك الحسابات التي شنّت هجومًا على المفتي بعد الحادث؛ الناشط المؤيد لإسرائيل جاسم الجريد، والناشط اليمني علي البخيتي، ومنصة "مرصاد"، والصحفي العراقي صفاء صبحي.

مرفق 06 عدد منشورات أبرز الحسابات العربية عن مفتي عُمان حول الحادث (إيكاد)

جاسم الجريد

يُعد جاسم الجريد من أبرز الحسابات التي تتبنى رواية إسرائيل في الوطن العربي. ومنذ يوم الحادث، نشر الجريد منشورات عدة ربط فيها اسم الخليلي بخطف الطائرة ووصفه بـ "الجهادي"، وأعلن أنه سيواصل الكتابة عنه بالعربية والعبرية والإنجليزية.

نماذج من منشورات جاسم الجريد عن مفتي عُمان بعد الحادث | X

ويكشف أرشيف حساب الجريد أن هجومه على الخليلي يعود إلى ما قبل الحادث. ففي منشورات بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 وأغسطس/ آب 2025، سخر من المفتي العماني وأنصاره بسبب موقفه من غزة، ومن إحياء ذكرى "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم "كتائب القسام"، في عُمان، ونشر صورًا ساخرة من أتباعه.

علي البخيتي

كذلك يظهر الناشط اليمني المقيم في لندن، علي البخيتي، بصورة متكررة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأقر بصداقته وتعاونه الإعلامي مع عدد من الصحفيين الإسرائيليين. وأعلن، في يناير/ كانون الثاني 2022، قبوله دعوة رسمية من وزارة الخارجية الإسرائيلية لزيارة إسرائيل، قائلًا إن هدفه زيارة اليهود اليمنيين والاعتذار لهم.

وبعد حادث "فلاي دبي"، حمّل البخيتي مفتي عُمان "المسؤولية السياسية" عما جرى، ونشر عنه وحده نحو 30 منشورًا حول الحادث، زعم فيها أن مساعد الطيار تأثر بأفكاره، وربطه بزعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن.

نماذج من منشورات علي البخيتي عن مفتي عُمان بعد الحادث | X

وكسابقه، أظهر الأرشيف الرقمي لحساب البخيتي هجومه المتكرر سابقًا على المفتي؛ فقد سبق أن وصف فكره بأنه "متطرف" و"داعم للمجموعات الإرهابية"، وربطه ومحيطه بـ"محور إيران".

منصة "مرصاد"

ومثل الحسابين السابقين، شاركت منصة "مرصاد" في الهجوم على مفتي عُمان بمنشورات وتعليقات ربطت بين حادث الطائرة ومواقفه منذ بدء حرب غزة، فوصفته بـ "خميني الخوارج"، وزعمت أن خطابه يحرّض على اليهود والنصارى. وفي منشورات أخرى، استنكرت إبقاء السلطنة عليه في منصبه رغم ما سمّته "خطب التكفير والعدوان".

نماذج من منشورات منصة "مرصاد" عن مفتي عُمان بعد الحادث | X

صفاء صبحي

وشارك في الهجوم كذلك حساب الصحفي العراقي المقيم بلندن، صفاء صبحي، واصفًا إياه بأنه "مفتي الطيار العماني المجرم". وتجدر الإشارة إلى أن صبحي يتبنى باستمرار خطابًا مؤيدًا لإسرائيل والتطبيع، وينقل بكثافة بيانات وتصريحات وتقارير صادرة عن الجيش والخارجية والإعلام الإسرائيلي.

وسبق لصبحي، في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أن هاجم مفتي عُمان بسبب مواقفه المؤيدة للمقاومة في غزة، وكتب أن المفتي "يؤيد عمليات الإعدام الميدانية التي تنفذها حماس".

منشور سابق لصفاء صبحي يهاجم فيه مفتي عُمان، أكتوبر/ تشرين الأول 2025 | X

حسابات أخرى تناولت المفتي

ونشرت شخصيات وحسابات أخرى منشورات عن الخليلي عقب الحادث، ربط بعضها اسمه بمساعد الطيار، وعاد بعضها إلى مواقفه من غزة وإسرائيل. فكتب الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) الأمريكية، حسين عبد الحسين، ساخرًا: "كيف حدث التطرف؟ دعني أخمن: إنه يشاهد الجزيرة ويستمع إلى مفتي عُمان".

منشور حسين عبد الحسين عن مفتي عُمان | X

ومن الإعلام الإسرائيلي أيضًا، استعرض مراسل صحيفة "إسرائيل هيوم"، شاحار كليمان (Shachar Kleiman)، مواقف الخليلي من غزة و"حماس" والحوثيين في منشور عن حادث الطائرة، واتهمه بالتحريض المستمر ضد إسرائيل.

منشور مراسل "إسرائيل هيوم" شاحار كليمان عن مفتي عُمان | X

كذلك ربط الحاخام الأمريكي، رابي بوبكو (Rabbi Poupko)، محاولة خطف الطائرة بمفتي عُمان، ودعا متابعيه إلى معرفة المزيد عنه.

منشور الحاخام الأمريكي بوبكو عن مفتي عُمان | X

وهاجم الصحفي العراقي المؤيد للرواية الإسرائيلية، سفيان السامرائي، الخليلي بأوصاف طائفية، وربطه بطهران.

منشور سفيان السامرائي عن مفتي عُمان | X

أما حساب "موشي جرادي"، وهو حساب وهمي يحتفي دائمًا بهجمات إسرائيل على اليمن، فهاجم المفتي بسبب موقفه من الحوثيين، ثم ادّعى أن "الحرس الثوري" الإيراني يخطط لاغتياله وإلصاق التهمة بـ"الموساد"، دون أن يقدّم دليلًا.

وأرفقت اليمنية المؤيدة للرواية الإسرائيلية، ماجدة الحداد، صورة مفتي عُمان بمنشور كتبت فيه: "كل مصيبة في المنطقة وراها دجال دين".

منشور ماجدة الحداد عن مفتي عُمان | X

خريطة الحسابات المشاركة في الهجوم الرقمي

ومن المعطيات السابق، رسم فريق "إيكاد" خريطة تضم أبرز المواقع والحسابات التي استغلت حادث "فلاي دبي" لشن هجوم رقمي على مفتي سلطنة عمان؛ وتشمل الخريطة كتلتين رئيسيتين: مواقع وحسابات إسرائيلية، وحسابات عربية وأجنبية مؤيدة للرواية الإسرائيلية.

مرفق 07 الفاعلون في الهجوم على مفتي عُمان عقب حادث "فلاي دبي" (إيكاد)

الخلاصة

يُظهر تتبّع المنشورات أن حادث "فلاي دبي" استُخدم من قبل عدد من المواقع والحسابات الإسرائيلية، إلى جانب حسابات عربية وأجنبية مؤيدة لروايتها، للهجوم على مفتي عُمان، أحمد الخليلي، فحمّله بعضها مسؤولية ما جرى للطائرة، واستعاد بعضها الآخر مواقفه من حرب غزة وإسرائيل وإيران والحوثيين. وتُظهر منشورات سابقة لبعض هذه الحسابات أن خصومتها معه سبقت الحادث، وتجاوز الخطاب الاتهام إلى طرح اسم المفتي هدفًا محتملًا للتصفية والاغتيال.

ومع وصول هذا الخطاب إلى حد طرح اسم المفتي هدفًا محتملًا للتصفية، يكتسب موقع "أحمد الخليلي" المؤسسي وطبيعة العلاقة الرسمية بين عُمان وإسرائيل أهمية في فهم السياق الأوسع.

فعلى المستوى الرسمي، لا تقيم السلطنة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، رغم تاريخ من الاتصالات السياسية بين الجانبين. وفي مقابلة لوزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، عام 2022، قال إن عُمان استضافت خلال العقود الثلاثة السابقة رؤساء الوزراء الإسرائيليين، إسحاق رابين وشمعون بيريز وبنيامين نتنياهو، مؤكدًا في الوقت نفسه أن التسوية الدائمة للقضية الفلسطينية، من وجهة نظر السلطنة، تقوم على حل الدولتين وإشراك الفلسطينيين في مسار التسوية.

وجاء حادث "فلاي دبي" في توقيت كانت فيه مسقط تواصل إعلان موقفها الرسمي من الحرب في غزة؛ ففي 30 سبتمبر/ أيلول 2026، وهو يوم الحادث نفسه، أكدت عُمان، في كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان، استمرار المعاناة الإنسانية في القطاع، ودعت إلى تعزيز المتابعة والمساءلة بشأن الأنشطة غير القانونية الداعمة للاستيطان.

وفي الداخل العُماني، يتبع مكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي تعرّف أحمد بن حمد الخليلي بصفته المفتي العام للسلطنة، بينما تتولى وزارة الخارجية إدارة العلاقات الدبلوماسية والشؤون الخارجية للبلاد.