"الدعم السريع" يستهدف البنية التحتية النفطية في "الأبيض".. ما الهدف؟
في ظل الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة "الأبيض" عاصمة ولاية "شمال كردفان" السودانية، رصد فريق "إيكاد"، خلال الأسابيع الأخيرة، هجومًا متكررًا على محطات وقود وشاحنات نقل، بداية من مدينة "كوستي" بولاية "النيل الأبيض"، مرورًا بـ"تندلتي" و"الرهد" و"أم روابة"، وصولًا إلى مدينة "الأبيض" عاصمة "شمال كردفان".
طريق الإمداد إلى "الأبيض"... من "كوستي" إلى "تندلتي"
ففي 5 مايو/ أيار 2026، قُتل خمسة مواطنين وأُصيب تسعة آخرون في قصف بطائرة مسيّرة استهدف محطتَي وقود في "كوستي"، وفق شبكة "أطباء السودان"، التي قالت إن الهجوم يندرج ضمن الاستهداف المتكرر للمرافق المدنية، بما في ذلك البنية التحتية الحيوية.
ومن خلال تحليل المعالم الظاهرة في مقطع مصور للحظة استهداف إحدى المحطتيْن، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبيّن لفريق "إيكاد" أنها محطة "oil energy" الواقعة جنوب شرق "كوستي". كما أبرزت صور القمر الصناعي الآثار التي لحقت بالموقع عقب استهدافه.
.
كما أبرزت صور القمر الصناعي الآثار التي لحقت بالموقع عقب استهدافه.
وعلى الطريق الممتد غربًا باتجاه مدينة "الأبيض" بولاية شمال كردفان، استهدفت مسيّرات "الدعم السريع" مدينة "تندلتي" بولاية النيل الأبيض في 12 يونيو/ حزيران 2026، على بُعد نحو 90 كيلومترًا غربي "كوستي"، فدمّرت محطة خدمة وقتلت عاملًا. وفي 16 يونيو/ حزيران 2026، طالت المسيّرات عددًا من شاحنات الوقود أثناء سيرها على الطريق الرابط بين "كوستي" و"تندلتي"، فاندلعت الحرائق في بعضها.
وفي 21 يونيو/ حزيران 2026، عادت "كوستي" إلى دائرة الاستهداف؛ إذ أعلنت سلطات ولاية "النيل الأبيض" مقتل مدني وإصابة 14 آخرين في هجوم جديد بمسيّرة تابعة لـ"الدعم السريع" استهدف محطة وقود في المدينة. وأكدت شبكة "أطباء السودان" أن الهجوم وقع في ظل ظروف إنسانية صعبة تمر بها البلاد، مشيرة إلى أن المسيّرات نفسها ضربت في اليوم ذاته مدينتَي "أم روابة" و"الرهد" بـ"شمال كردفان".
"الأبيض"... خنقُ مدينةٍ محاصرة
بعد استهداف نقاط الوقود على الطريق المؤدي إلى "الأبيض"، امتد ذات النمط إلى داخل المدينة المحاصرة نفسها؛ ففي 6 يونيو/ حزيران 2026، استهدفت مسيّرات "الدعم السريع" محطة وقود في وسط مدينة "الأبيض" قرب الميناء البرّي. وبمقارنة المعالم الجغرافية الظاهرة في مقاطع الاستهداف بصور الأقمار الصناعية، حدّد فريق "إيكاد" موقع المحطة عند الإحداثيات: "13.191120083140571" و"30.225742016573534".
كما أظهرت صور القمر الصناعي "سنتنل-2"، الملتقطة بين 3 و8 يونيو/ حزيران 2026، تغيّرًا بصريًا في موقع المحطة عقب الاستهداف.
ولم تكن هذه المحطة وحدها التي استُهدفت داخل مدينة "الأبيض"؛ فقد قصفت مسيّرات "الدعم السريع" محطة "المقرن" للوقود في 12 يونيو/ حزيران 2026، وهو ما نشره فريق "إيكاد" سابقًا. وفي 14 يونيو/ حزيران 2026، شُنّت غارات على "الأبيض" استهدفت إمدادات الوقود أساسًا، فدمّرت نحو خمس محطات وأشعلت فيها الحرائق، وأحدثت ندرة حادّة في المشتقات النفطية بكبرى مدن "شمال كردفان".
وفي 19 يونيو/ حزيران 2026، عاودت المسيّرات قصف مواقع في المدينة بعد ساعات من استهداف محطة الكهرباء التحويلية الرئيسية، فغرقت "الأبيض" في ظلام تام وتعطّلت محطات المياه والمرافق الصحية.
وبجمع هذه الوقائع، يظهر أن مسيّرات الدعم السريع ركّزت خلال أسبوع واحد على ست محطات وقود في "الأبيض" وناقلات مشتقات نفطية في طريقها إليها، إضافة إلى محطات في "أم روابة"، ثاني كبرى مدن الولاية، وشاحنات تحمل سلعًا غذائية قرب "الرهد" جنوب شرقي الولاية.
تحذيرٌ أمميٌّ من التصعيد
وفي هذا السياق، كان الأمين العام لـ"الأمم المتحدة"، "أنطونيو غوتيريش" (António Guterres)، قد حذّر، في 18 يونيو/ حزيران 2026، من خطر موجة جديدة من العنف مع تكثيف هجمات المسيّرات والتحشّد العسكري حول "الأبيض"، مشيرًا إلى أن عشرات الهجمات خلال أسبوعين طالت تحديدًا محطات الوقود والشاحنات، وأوقعت ضحايا مدنيين وتسببت في انهيار الخدمات.
وأوضح أن القصف المتعمّد لمحطات الوقود ومحطة الكهرباء أخرج مرافق طبية ومحطات مياه عن الخدمة في "الأبيض"، وطالب الدول ذات النفوذ بـ "استخدام نفوذها الآن لوقف هذا الجنون قبل فوات الأوان". وتحوّلت هذه الهجمات إلى ضغط مباشر على حياة السكان وخدماتهم؛ إذ أدّى استهداف محطات الوقود وشاحنات النقل إلى اشتداد أزمة المواصلات، ورفع كلفة التنقّل، وتقليص الحركة داخل مدينة محاصرة مثل "الأبيض".
ينسجم ما يجري في مدينة "الأبيض" مع نمط موثّق في مدن عدة؛ فقد حوصرت "الفاشر" مثلًا 18 شهرًا قبل سقوطها بيد الدعم السريع، وكان استهداف البنية التحتية -من مولّدات وشبكات مياه ومصادر طاقة كالوقود- من أدوات هذا الحصار، كما وثّق فريق "إيكاد" في تحقيقات سابقة.